logo

(143) أحكام الإمامة- أحكام اقتداء المأموم بالإمام

مشاهدة من الموقع

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم.

الحمد للَّه ربِّ العالمين، وصلَّى اللَّه وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

حديثنا في هذه الحلقة عن:

أحكام اقتداء المأموم بالإمام

فأقول -وباللَّه التوفيق-: إذا كان الإمام والمأموم في المسجد لم يُعْتَبَر اتِّصالُ الصفوف في قول عامَّة أهل العلم، بل قد حُكي الإجماعُ عليه.

قال النوويُّ -رحمه الله-: "إذا كان الإمام والمأموم في المسجد فيصحُّ الاقتداء، سواءٌ قَرُبَتِ المسافة بينهما أمْ بَعُدَت، وسواءٌ كان أعلى منه أو أسفل"، قال: "ولا خلاف في هذا، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين".

وقد علَّل الفقهاء لذلك بأنَّ المسجد إنَّما بُني للجماعة، فكلُّ مَن صلَّى فيه فقد صلَّى في محلِّ الجماعة، ولكن يُشترط هنا أن يكون مع المأموم من يزيل فرديَّته.

وقد سبق في حلقةٍ سابقةٍ تفصيل القول في حكم صلاة المنفرد خلف الصفِّ، وذكرنا أنَّها لا تصحُّ؛ لأنَّ النبيَّ أمَرَ مَن رآه يصلِّي خلف الصفِّ وَحْدَه بإعادة الصلاة: صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ يُعِيدَ[1].

ولكن إذا كانتِ الصفوف غيرَ متَّصلةٍ فإنَّ الصلاة أيضًا صحيحةٌ مع الكراهة؛ لأنَّ السنَّة إِتْمامُ الصفوف الأوَّلَ فالأولَ مع التراصِّ فيها، وقد أخرج مسلمٌ في "صحيحه" عن جابر بن سَمُرَةَ : أنَّ رسول اللَّه قال: أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا ‌تَصُفُّ ‌الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟، فقلنا: يا رسول الله، وكيف تَصُفُّ ‌الملائكة عند رَبِّها؟ قال: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ[2].

أيها الإخوة المستمعون، وبهذا يتبيَّن أنَّ صلاة المأموم إذا كانت في المسجد فهي صحيحةٌ مطلقًا، سواءٌ اتَّصلتِ الصفوف أَمْ لم تتَّصلْ، لكنَّها تُكْرَه مع عدم اتِّصال الصفوف؛ وعلى هذا فصلاة الَّذين يُصلُّون خلفَ الإمام في المسجد الحرام صحيحةٌ مطلقًا، حتَّى مع عدم اتِّصال الصفوف.

فإنَّه يُلاحظ في بعض الأوقات أنَّ بعض المصلِّين في المسجد الحرام، يُصلُّون من غير ملاحظة اتِّصال الصفوف، فأقول: صلاتُهم صحيحةٌ عند عامَّة أهل العلم، ولكنْ ينبغي الحرصُ على اتِّصال الصفوف ما أمكن، واللَّه أعلم.

وممَّا يتفرَّع عن هذه المسألة من المسائل: صلاةُ بعض المأمومين من رجالٍ أو نساءٍ في الدَّوْرِ العُلْويِّ من المسجد، أو في قَبْوِ المسجد ونحوِه، فصلاتُهم صحيحةٌ، وقد نَصَّ الفقهاء على ذلك.

قال النوويُّ -رحمه اللَّه-: "يصحُّ اقتداء المأموم بالإمام في المسجد، سواءٌ اتَّحد البناءُ أَمِ اختلف، كصَحْن المسجد، وصفته، وسردابٍ فيه، أو سطحه وساحته".

تَصِحُّ الصلاة في هذه الصُّوَرِ وما أشبهها إِذا عَلِمَ -أي المأموم- صلاةَ الإمام ولم يتقدَّمْ عليه، سواءٌ كان أعْلَى منه أو أسفلَ، ولا خلاف في هذا.

حكم الاقتداء بالإمام من خارج المسجد

أمَّا إِذَا كان المأموم خارج المسجد وأراد الاقتداءَ بالإمام الَّذي يؤمُّ الناس في المسجد، فإن كانت الصفوف متَّصلةً خارج المسجد مع داخله، فلا خلاف بين العلماء في صحَّةِ صلاة مَنْ كان خارج المسجد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه-: "أمَّا صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد، أو في المسجد وبينهما حائلٌ؛ فإن كانت الصفوف متَّصلةً جاز باتِّفاق الأئمة".

وأمَّا مع عدم اتِّصال الصفوف؛ فمِن أهل العلم مَن أجاز للمأموم الاقتداءَ بالإمام إذَا أمْكَنَهُ أن يرَى الإمام أو بعض المأمومين، وذهب بعضهم إلى اشتراط اتِّصال الصفوف في هذه الحال، وهذا هو الأقرب، واللَّه أعلم.

فلا يصحُّ اقتداءُ مَن كان خارج المسجد إذا كانت الصفوف غيرَ متَّصلةٍ؛ لأنَّ الواجب في الجماعة أن تكون مجتمعةً في الأفعال، وهي متابَعةُ المأموم للإمام، وفي المكان كذلك.

وإلَّا لو قيل بأنَّه لا يُشترط اتِّصالُ الصفوف لِمَن كان يقتدي بالإمام وهو خارج المسجد، لَلَزِم منه صحَّةُ صلاة بعض جيران المسجد وَهُمْ في بيوتهم إذا كان يمكنهم أن يشاهدوا بعض المأمومين. وهذا القول غير صحيحٍ، ولا يتَّفق مع الأصول والقواعد الشرعيَّة.

وبناءً على هذا يكون الجواب عن حُكم الَّذين يصلُّون في العمائر القريبة من الحرمين وَهُم يرَون الإمام أو يرَون بعض المأمومين، فنقول: إذا كانت الصفوف متَّصلةً فصلاتهم صحيحةٌ، أمَّا إذا كانت غيرَ متَّصلةٍ فإنَّها لا تصحُّ؛ بناءً على ما ترجَّح في هذه المسألة، واللَّه أعلم.

ولكن ما الضابط في اتِّصال الصفوف؟

قال الموفَّق ابن قُدامةَ -رحمه اللَّه-: معنى اتِّصال الصفوف: ألَّا يكون بينهما بُعْدٌ لم تَجْرِ العادةُ به بحيث يَمنعُ إمكان الاقتداء، وحُكي عن الشافعيِّ أنَّه حَدَّ الاتِّصالَ بما دون ثلاثِمائةِ ذراعٍ" أي: في حدود سِتَّةِ أمتارٍ ورُبُعٍ، قال الموفَّق: "والتحديدات بابُها التَّوقيف، ولا نعلم في هذا نصًّا ولا إجماعًا يعتمد عليه".

فوَجَب الرجوعُ فيه إلى العُرْف؛ كالتَّفَرُّق -أي التَّفَرُّق بالأبدان- الَّذي يَنْقَضي به زمنُ خيارِ المجْلِس ويَلْزَم به البيعُ، وكالْإِحْراز -أيِ اشتراطِ أن يكون المسروق من حِرْزٍ- لثبوت الحُكم بالقطع، فالمرجِع فيهما للْعُرف، فكذلك يُقال في ضابط اتِّصال الصفوف المندوب شرعًا.

والحاصل -أيها الإخوة- ممَّا سبق أنَّه إذا كان الإمام والمأموم داخلَ المسجد فيصحُّ الاقتداء، يصحُّ اقتداء المأموم بالإمام مطلقًا، سواءٌ اتَّصلتِ الصفوف أَمْ لم تتَّصلْ، لكن يُكْره ذلك مع عدمِ اتِّصال الصفوف، وبشرط ألَّا يُصلِّيَ المأموم مُنفردًا خلفَ الصفِّ.

شروط صحَّة صلاة المأموم خارج المسجد

وأمَّا إذا كان المأموم خارج المسجد، فيُشترط لصحَّة الصلاة شرطان:

  • الأوَّل: رؤية الإمام أو بعض المأمومين.
  • والثاني: اتِّصال الصفوف.

أيها الإخوة المستمعون، وننبِّه هنا إلى خطَأِ تَوسُّعِ بعض الناس في الاقتداء بالإمام لمن كان خارج المسجد، خاصَّةً النساء؛ فإنَّهنَّ إذا كنَّ خارج المسجد ولا يَرَيْن الإمام ولا بعضَ المأمومين؛ فلا تَصحُّ صلاتُهن خلْفَ الإمام في هذه الحال.

وقد سُئِلَ سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن بازٍ -رحمه اللَّه- عن حكم صلاة نساءٍ في غرفةِ جمعيَّةٍ إسلاميَّةٍ مُلحقَةٍ بالمسجد، فأجاب: أمَّا صلاة النساء في غرفةٍ في الدَّوْر الأرضيِّ مع جماعة المسجد، فليس لهنَّ الاقتداء بالإمام؛ لأنَّ من شرط الاقتداء لمن كان خارج المسجد أن يرى الإمام أو المأمومين في أصحِّ أقوال أهل العلم، ولا يَكفي مجرَّدُ سماع صوت الإمام إلَّا لِمَن كان في داخل المسجد.

أيها الإخوة المستمعون، ونختم هذه الحلقة بنقل كلامٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه- حول هذه المسألة، فقد سُئل عن الحوانِيت المجاورة للجامع من أرباب السُّوق، إذا اتَّصلتْ بِهم الصفوف، فهل تجوز صلاة الجمعة في حوانيتِهم؟ فأجاب: "أمَّا صلاة الجمعة وغيرها فعَلَى الناس أن يَسُدُّوا الأوَّلَ فالأوَّلَ، كما في "صحيح مسلمٍ"، عن النبيِّ أنَّه قال: أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا ‌تَصُفُّ ‌الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟، فقلنا: يا رسول اللَّهِ، وكيف تَصُفُّ ‌الملائكة عند رَبِّهَا؟ قال: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ[3].

فليس لأحدٍ أن يَسُدَّ الصفوف في المُؤخَّرة مع خُلُوِّ المُقدَّمة، ولا يَصُفَّ في الطُّرقات والحوانيت مع خُلُوِّ المسجد، ومَن فَعَل ذلك استَحَقَّ التأديب، ولِمَنْ جاء بعده تَخَطِّيهِ ويَدْخُلُ لتكميل الصفوف المقدَّمة؛ فإنَّ هذا لا حُرْمَة له، كَمَا أنَّه ليس لِأحدٍ أن يُقَدِّم ما يُفْرَشُ له في المسجد ويتأخَّرُ هو، وما فُرِش له لم يكن له حُرْمةٌ، بل يُزالُ ويُصلَّى في مكانه على الصحيح، بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صَفُّوا خارج المسجد، فإذا اتَّصلَتِ الصفوف حينئذٍ في الطرقات والأسواق؛ صحَّت صلاتُهم.

وأمَّا إذا صَفُّوا وبينهم وبين الصفِّ الآخر طريقٌ يمشي الناس فيه؛ لم تصحَّ صلاتهم في أَظْهَرِ قوْلَي العلماء، وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائطٌ بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير، من غير حاجةٍ؛ فإنَّه لا تصحُّ صلاتهم في أظهر قَوْلَي العلماء، وكذلك مَن صلَّى في حانوته والطريقُ خالٍ لم تصحَّ صلاته، وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظرَ اتِّصال الصفوف به؛ بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيَسُدَّ الأوَّلَ فالأوَّلَ".

أيها الإخوة المستمعون، هذا هو ما اتَّسَع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء اللَّه تعالَى.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

^1 رواه أبو داود: 682، والترمذي: 230، وابن ماجه: 1003، وأحمد: 18002.
^2 رواه مسلم: 430
^3 سبق تخريجه.
مواد ذات صلة