جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
تتمَّة أحوال المأموم مع الإمام
أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحدثنا في الحلقة السابقة عن أحوال المأموم مع الإمام؛ وذكرنا أن له أربع أحوال:
- إما متابعة.
- أو مسابقة.
- أو موافقة.
- أو تخلُّف.
وذكرنا أن السنة والمشروع للمأموم هو متابعة إمامه، وألَّا يتخلف عنه أو يسابقه أو يوافقه، ثم تحدثنا بعد ذلك عن المسابقة وعن أثَرها في إبطال صلاة المأموم، وفصَّلنا الكلام في ذلك، وبيَّنا إذا وقعت هذه المسابقة عن عِلم وعَمْد أو عن جهل.
ونستكمل الحديث في هذه الحلقة عن: التخلُّف والموافقة.
التخلُّف عن الإمام
فنقول إن تخلُّف المأموم عن الإمام على نوعين:
- إما أن يكون تخلُّفًا لعذر.
- أو يكون لغير عذر.
النوع الأول: التخلف لعذر
فإن المأموم يأتي بما تخلَّف به، ويتابع الإمام، ولا حرج عليه، حتى وإن كان ركنًا كاملًا أو ركنين؛ فلو أن شخصًا سها وغفل، أو لم يسمع إمامه حتى سبقه الإمام بركن أو ركنين، فإنه يأتي بما تخلَّف به ويتابع إمامه.
حكم مَن تخلَّف حتى وصل الإمام إلى مكانه
إذا وصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه؛ فإنه لا يأتي بما تخلَّف فيه، ويبقى مع الإمام، وتصح له ركعة واحدة من ركعتَي إمامه؛ الركعة التي تخلَّف فيها، والركعة التي وصل إليها الإمام وهو في مكانه.
ونوضح هذا بالمثال: رجل يصلي مع الإمام صلاة الجمعة، ثم إن صوت المكبر انقطع فجأة، فلم يسمع المأموم تكبير الإمام، فركع الإمام، ورفع، وسجد، وجلس، وسجد الثانية، ثم رفع للركعة الثانية، ثم بعد ذلك سمعه المأموم وهو يقرأ: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1]، ومن عادة هذا الإمام أنه يقرأ هذه السورة في صلاة الجمعة في الركعة الثانية؛ فنقول: يبقى هذا المأموم مع الإمام، وتكون ركعة الإمام الثانية هي بقية الركعة الأولى، فإذا سلَّم الإمام يقضي الركعة الثانية.
قال أهل العلم: وبذلك يكون للمأموم ركعة مُلفَّقة من ركعتَي إمامه؛ لأنه ائْتَمَّ بإمامه في الأولى وفي الثانية.
حكم مَن علم بتخلفه قبل أن يَصِل الإمام إلى مكانه
أما إن عَلِم بتخلفه عن الإمام قبل أن يَصِل الإمام إلى مكانه؛ فإنه يقضي ويتابع إمامه.
مثال ذلك: رجل قائم مع الإمام فركع الإمام، وهو لم يسمع الركوع، فلما قال الإمام: "سمع الله لمَن حمده" سَمِع التسميع؛ فنقول له: اركع، وارفع، وتابِع إمامك، وتكون مدرِكًا للركعة؛ لأن التخلف هنا لعذر.
ومن ذلك ما يحصل في المسجد الحرام في أوقات المواسم؛ حيث يحصل ازدحام شديد، ولا يتمكن بعض الناس من الإتيان بالسجود إلا بعد رفع الإمام للركعة التالية؛ فالمشروع حينئذ أنه إذا قام الإمام للركعة التالية يأتي هذا المأموم بالسجود وبما بعده، ثم يتابع الإمام، ولا يضر تخلُّفه هنا لكونه معذورًا.
النوع الثاني: التخلف لغير عذر
وهو إما أن يكون تخلفًا في الركن أو تخلفًا بالركن.
أما التخلف في الركن فمعناه: التأخر عن المتابعة مع إدراك الإمام في الركن الذي انتقل إليه؛ مثال ذلك: أن يركع الإمام وقد بقي على المأموم قراءة آية أو آيتين من السورة، فيبقى المأموم قائمًا يكمل ما بقي عليه من القراءة، ثم إنَّ المأموم ركع وأدرك الإمام وهو في الركوع، فالركعة هنا صحيحة، لكن هذا الفعل مخالف للسنة؛ لأن المشروع أن يَشرع المأموم في الركوع من حين أن يَصِل إمامه إلى الركوع، وألَّا يتخلف عنه؛ لقول النبي : إذا ركع فاركعوا[1].
ومثل ذلك أيضًا: أن يرفع الإمام من السجود، ويبقى المأموم ساجدًا لإتمام تسبيح أو دعاء، ثم يتابع الإمام بعد ذلك ويدركه في الجلسة بين السجدتين؛ فالركعة هنا صحيحة، ولكن هذا الفعل مخالف للسنة؛ لأن السنة متابعة الإمام مباشرةً وألَّا يتخلف عنه.
وأما التخلف بالركن فمعناه: أن الإمام يسبقه بالركن؛ أي أن يركع ويرفع قبل أن يرفع المأموم، فالمشهور من مذهب الحنابلة أن التخلف كالسَّبْق، فإذا تخلَّف بالركوع فصلاته باطلة كما لو سبقه به، أما إن تخلَّف بالسجود أو بغيره فصلاته صحيحة على ما ذكروا؛ لأنه تخلُّف بركن غير الركوع.
ولكن بناءً على القول الراجح الذي رجحناه في الحلقة السابقة عند الحديث عن مسابقة المأموم للإمام؛ يترجح كذلك في هذه المسألة -والله تعالى أعلم- أنه إذا تخلَّف المأموم عن الإمام بركن لغير عذر؛ أن صلاته باطلة، سواء كان الركن ركوعًا أم غير ركوع.
وعلى هذا؛ لو أن الإمام رفع من السجدة الأولى، وكان هذا المأموم يدعو الله تعالى في السجود، فبقي يدعو الله تعالى حتى سجد الإمام السجدة الثانية، فصلاته باطلة؛ لأنه تخلَّف بركن، وإذا سبقه الإمام بركن لم تتحقق متابعة الإمام.
موافقة الإمام
وأما الموافقة؛ فإِما أن تكون في الأقوال، وإِما أن تكون في الأفعال:
أما الموافقة في الأقوال؛ فإنها لا تضر إلا في تكبيرة الإحرام وفي السلام.
أما في تكبيرة الإحرام؛ فإن المأموم إذا كبَّر قبل أن يتم الإمام تكبيرة الإحرام، لم تنعقد صلاته أصلًا؛ لأنه لا بُدَّ أن يأتي بتكبيرة الإحرام بعد انتهاء الإمام منها.
وأما موافقة المأموم للإمام في السلام؛ فعند كثير من الفقهاء أن ذلك مكروه، وأنه ينبغي للمأموم ألَّا يسلِّم إلا بعد أن يَفرغ الإمام من السلام.
وأما بقية الأقوال؛ فلا يؤثِّر أن يوافق المأمومُ الإمامَ أو أن يتقدم عليه أو أن يتأخر عنه، فلو أن المأموم سبق الإمام في قراءة التشهد مثلًا أو نحو ذلك من الأقوال؛ فإن هذا لا يضر، فالسَّبْق بالأقوال لا يؤثِّر ولا يضر ما عدا تكبيرة الإحرام والتسليم.
أما تكبيرة الإحرام؛ فَسَبَقَ أن ذكرنا أنها لا تنعقد الصلاة أصلًا، وأما الموافقة في السلام فإنها مكروهة، وأما الموافقة في الأفعال فإنها مكروهة كذلك؛ كأن يوافق المأمومُ الإمامَ في الركوع مثلًا أو في السجود، فإن هذا مكروه؛ لأنه خلاف ما أَمَر به النبيُّ من المتابعة.
ولهذا؛ جاء في الصحيحين عن البراء بن عازب قال: كان النبي إذا قال: "سمع الله لمَن حمده" لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظَهْره حتى يَقَعَ النبيُّ ساجدًا، ثم نَقَع سجودًا بعده[2].
أيها الإخوة المستمعون، هذه هي أحوال المأموم مع الإمام:
- متابعة.
- ومسابقة.
- وتخلُّف.
- وموافقة.
والسنة والمشروع هو المتابعة، وهي التي أرشد إليها النبيُّ في قوله: إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه[3].
وأما المسابقة والتخلف؛ فإن مَن وقعتْ منه عن عِلم وعَمْد فإنها قد تؤثِّر على صحة صلاته، وقد تبطل الصلاة.
وأما الموافقة فإنها مكروهة.
ومن هنا؛ فينبغي للمأموم أن يحرص غايةَ الحرص على متابعة إمامه، وألَّا يسابقه أو يتخلف عنه، بل ألَّا يوافقه، وإنما يتابع في جميع أفعال الصلاة.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يوفقنا لِما يحب ويرضى من الأقوال والأعمال، وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


