جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله وخليله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إمامة العاجز عن شيء من أركان الصلاة
لا يزال الحديث موصولًا عن أحكام الإمامة، ونبتدئ الحديث بمسألة: إمامة العاجز عن شيءٍ من أركان الصلاة.
وقد اختلف فيها العلماء:
- فمنهم من قال: لا تصح إمامة العاجز عن شيءٍ من أركان أفعال الصلاة؛ كالعاجز عن الركوع والسجود أو عن القيام، إلا إمام الحي المرجو زوال علته، وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنابلة.
- وذهب بعض أهل العلم إلى صحة إمامة العاجز عن شيءٍ من أركان الصلاة أو شروطها مطلقًا؛ لعموم الأدلة الواردة في الإمامة، والتي لم تُفرِّق بين العاجز وغيره، ولأن الأصل أن من صحَّت صلاته؛ صحَّت إمامته، إلا في مسألة إمامة المرأة، فإنها وإن صحت صلاتها؛ لا تصح إمامتها للرجل.
ولعل هذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله: "الصحيح صحة إمامة العاجز عن شيءٍ من أركان الصلاة أو شيءٍ من شروطها إذا أتى بما يقدر عليه، وسواءٌ كان إمام الحي أو غيره، وسواءٌ كان بمثله أو بغير مثله".
وهذا القول هو الذي تدل عليه العمومات، فإن قوله : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله... إلى آخر الحديث [1]، يشمل هذا العاجز كغيره، وكذلك صلاته جالسًا لمَّا عجز عن القيام [2] دليلٌ على جواز مثل هذه وما كان في معناها، وتعليل ذلك بأنه إمام الحي، وأن غير إمام الحي لا يجوز فيه؛ فذلك تعليلٌ غير مسلَّمٍ؛ فإن إمام الحي كغيره من الأئمة، لا فرق في الحقيقة بينه وبين غيره.
قال رحمه الله: "ومما يؤيد هذا القول الصحيح: أن العاجز عن الأركان أو الشروط لم يترك في الحقيقة شيئًا لازمًا، بل الواجب عليه ما يقدر عليه فقط، وصلاته كاملةٌ لا نقص فيها بوجهٍ، فما الذي أوجب بطلان إمامته وعدم صحتها؟!"، ولأن نفس صلاة المأموم غير مرتبطةٍ بصلاة إمامه إلا بالمتابعة فقط، فكل نفسٍ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡ [البقرة:286]، ولأننا لو طردنا التعليل الذي علَّل به المانعُ من إمامته؛ لقلنا: لا تصح إمامة المتيمم إلا بمثله، ولا إمامة الماسح على حائلٍ إلا بمثله، ونحو ذلك من المسائل التي لا يمكن القول بها؛ فعُلم أن القول الصواب: أن الإمام إذا لم يُخِلَّ بشيءٍ مما يجب عليه بنفسه؛ أن إمامته صحيحةٌ كصلاته".
قال: "وإن شئت أن تقول: كل من صحَّت صلاته بنفسه؛ صحت إمامته، بلا عكسٍ؛ فقد تصح إمامته ولا تصح صلاته؛ كالذي جهل حدثه، فعرفت أن مسألة الإمامة أخف وأعم من مسألة صحة الصلاة، والله أعلم".
ماذا يفعل المأمومون إذا صلى الإمام جالسًا؟
والسنة للمأمومين إذا صلى الإمام جالسًا: أن يُصلُّوا خلفه جلوسًا، على خلافٍ بين العلماء هل ذلك على سبيل الاستحباب أو الوجوب؟
ويدل لذلك ما جاء في "الصحيحين" عن أنس أن النبي قال: إنما جعل الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا صلى قائمًا؛ فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قائمًا؛ فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون [3]، وقوله: أجمعون -بالواو- تأكيدٌ لضمير الفاعل في قوله: فصلوا، وهكذا جاءت بلفظ: أجمعون، في جميع الطرق في "الصحيحين".
حكم الإمام إذا ابتدأ الصلاة قائمًا ثم عرض له عارض فجلس
أما إذا ابتدأ الإمام الصلاة بهم قائمًا، ثم عَرَض له عارضٌ فجلس؛ فيلزم المأمومين أن يُتِمُّوا الصلاة خلفه قيامًا.
ونوضح هذا بالمثال: إمامٌ يُصلي بالجماعة، وفي أثناء القيام أصابه علةٌ في بطنه أو ظهره مثلًا، اضطر معها إلى أن يُكمل الصلاة جالسًا؛ فإن الجماعة خلفه يلزمهم أن يُتِمُّوا الصلاة قيامًا، وليس لهم الجلوس في هذه الحال.
قال الموفق بن قدامة رحمه الله: "فإن ابتدأ بهم الصلاة قائمًا ثم اعْتَلَّ فجلس؛ أتموا خلفه قيامًا؛ لأن أبا بكرٍ ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، ثم جاء النبي فأتم الصلاة بهم جالسًا، وأتموا خلفه قيامًا ولم يجلسوا [4]، ولأن القيام هو الأصل، فمن بدأ به في الصلاة؛ لزمه في جميعها إذا قدر عليه" [5].
والحاصل أيها الإخوة المستمعون: أن الإمام إذا ابتدأ بهم الصلاة قاعدًا؛ صلى المأمومون خلفه قعودًا، وأما إذا صلى بهم قائمًا ثم جلس لعارضٍ؛ أتمُّوا الصلاة خلفه قيامًا.
حكم انفراد المأموم عن الإمام
أيها الإخوة المستمعون، ومن المسائل المتعلقة بالإمامة: أنه يجوز للمأموم أن ينفرد عن الإمام إذا كان ذلك لعذرٍ.
مثال ذلك: أن يدخل المأموم مع الإمام في الصلاة، ثم يعرُضُ له عارض، فينفرد ويُتِمُّ صلاته منفردًا، فلا بأس بهذا مع العذر.
ومن أمثلة العذر: تطويل الإمام تطويلًا زائدًا على السنة، فيجوز للمأموم أن ينفرد وأن يُكمل صلاته وحده، ويدل لهذا ما جاء في "الصحيحين" عن جابرٍ أن معاذًا كان يُصلي مع النبي ثم يأتي فيؤُمُّ قومه، فصلى ليلةً مع النبي صلاة العشاء، ثم أتى قومه فأمَّهم، وصلى بهم بسورة البقرة، فانصرف رجلٌ فصلَّى وحده؛ أي أنه أتم صلاته وحده، فأُخبر معاذٌ بذلك فقال: إنه منافقٌ، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي وقال: يا رسول الله، إنَّا أصحاب نواضح -وهي الإبل التي يُستقَى عليها- نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله على معاذٍ فقال: أتريد أن تكون فتانًا يا معاذ؟! إذا أَمَمْتَ الناس فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إذا يغشى [6].
ووجه الدلالة من هذه القصة: أن هذا الرجل قد انفرد عن صلاة الجماعة وأكمل صلاته وحده، وقد أقرَّه النبي على ذلك؛ فدل هذا على جواز انفراد المأموم عن الإمام لأجل تطويل الإمام.
ومن الأعذار أيضًا: أن يطرأ على المأموم أثناء صلاته خلف الإمام عارضٌ صحيٌّ؛ من ضيقٍ في النفس، أو غثيانٍ، أو ارتفاع الضغط عليه أو انخفاضه، ونحو ذلك من الأعذار، فيجوز للمأموم في هذه الحال أن ينفرد عن الإمام، وأن يُكمل صلاته وحده.
ومن الأعذار أيضًا: أن تكون صلاة المأموم أقل من صلاة الإمام، مثل أن يُصلِّي المغرب خلف من يُصلِّي العشاء، على القول بالجواز، فإنه في هذه الحال إذا قام للركعة الرابعة؛ فإن المأموم ينفرد عنه ويقرأ التشهد ويُسلِّم.
أما إذا انفرد المأموم عن الإمام بلا عذرٍ فهل تبطل صلاته؟ هذا محل خلافٍ بين أهل العلم، قال الموفق بن قدامة رحمه الله: "إن كان انفراد المأموم عن الإمام لغير عذرٍ؛ لم يَجُز في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد؛ لأنه ترك متابعة إمامه لغير عذرٍ، أشبه ما لو تركها من غير نية المفارقة.
والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن صلاته تصح؛ كما إذا نوى المنفرد الإمامة، بل ها هنا أولى، فإن المأموم قد يصير منفردًا بغير نيةٍ، وهو المسبوق إذا سلَّم إمامه، والمنفرد لا يصير مأمومًا بغير نية بحالٍ" [7]. انتهى كلام الموفق رحمه الله.
ويلاحَظ من سياق كلامه أنه يميل للقول بصحة صلاة المأموم إذا انفرد عن إمامه لغير عذرٍ.
وبكل حالٍ فينبغي للمأموم ألا ينفرد عن إمامه لغير عذرٍ؛ لأنه بهذا يُعرِّض صلاته للبطلان على رأي بعض الفقهاء.
أيها الإخوة المستمعون، هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة.
ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


