logo

(144) أحكام الإمامة- موقف المأموم مع الإمام في الصلاة

مشاهدة من الموقع

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم

إنَّ الحمد للَّه، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللَّه مِن شرور أنفسنا ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهْدِه اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضلل فلا هاديَ له.

وأشهد أن لا إلَه إلَّا اللَّهُ، وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبْدُه ورسوله، صلَّى اللَّه عليه، وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

موقف المأموم مع الإمام في الصلاة

حديثنا في هذه الحلقة عن موقف المأموم مع الإمام في الصلاة.

أقول -وبالله التوفيق-: السُّنَّة أن يقِفَ المأمومون خلْفَ الإمام؛ لأنَّ النبيَّ كان يصلِّي بأصحابه فيقومون خلْفَه، ولَمَّا وقف جابرٌ وجبَّارٌ عن يمين النبيِّ وشمالِهِ ردَّهُما إلى خلْفِهِ. رواه مسلمٌ[1].

حُكم صلاة المأموم إذا وَقَف قُدَّام الإمام

فإنْ وَقَف بعض المأمومين قُدَّام الإمام، فهل تَصِحُّ صلاتُهم؟ كما يحصُل في المسجد الحرام في أوقات المواسم، وكما في بعض الجوامع يوم الجمعة، حيث يمتلِئُ الجامع بالمصلِّين، فيصلِّي بعض الناس قُدَّامَ الإمام.

اختَلَف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ:

  • القول الأوَّل: لا تصِحُّ صلاتُهم، وإليه ذهب الحنفيَّة والشافعيَّة والحنابلة، واستدلُّوا بقول النبيِّ : إِنَّما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به[2]، ولِأَنَّ النبيَّ كان يقِفُ أمام الناس والناس يصلُّون خلْفَه، وقد قال: صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي[3].
  • والقول الثاني: في المسألة تصِحُّ صلاة المأمومين قُدَّامَ الإمام، وإليه ذهب المالكيَّة، قالوا: لِأَنَّ صلاة المأموم قدَّامَ الإمام لا يمنع من الاقتداء به، فَأَشْبَهَ مَن خلفه.
  • والقول الثالث: تصِحُّ صلاة المأموم قدَّامَ الإمام مع الْعُذْرِ، كَمَا في حال الزِّحامِ مَثَلًا، ولا تَصِحُّ بدون عُذْرٍ.

وهذا قولٌ في مَذهب أحمدَ، ولعَلَّ هذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة، وهو قولٌ وسطٌ بين الطَّرَفين، وقد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، قال -رحمه اللَّه-: "أمَّا صلاة المأموم قدَّامَ الإمام ففيها ثلاثةُ أقوالٍ للعلماء:

  • أحدُها: أنَّها تصِحُّ مطلقًا وإنْ قيل إِنَّها تُكْرَه، هذا القول هو المشهور مِن مذهب مالكٍ، والقول القديم للشافعيِّ.
  • والثاني: أنَّها لا تصِحُّ مطلقًا، كمذهب أبي حنيفةَ، والشافعيِّ وأحمدَ في المشهور من مذهبِهما.
  • والثالث: أنَّها تَصِحُّ مع العُذْرِ دونَ غيرِهِ، مثلما إذا كان زِحامٌ فَلَمْ يُمكنْهُ أن يُصلِّيَ الجمعةَ أو الجنازة إِلَّا قُدَّامَ الإمام؛ فتكونُ صلاتُه قُدَّامَ الإمام خيرًا له مِنْ تَرْكِهِ للصَّلاة.

وهذا قولُ طائفةٍ مِنَ العلماء، وهو قولٌ في مذهب أحمدَ وغيرِه، وهو أعدَلُ الأقوال وأرجَحُها؛ وذلك لِأَنَّ تَرْكَ التَّقَدُّمِ على الإمام غايَتُهُ أن يكونَ واجبًا من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجباتُ كلُّها تسقط بالعُذْرِ وإن كانت واجبةً في أصل الصلاة؛ فالواجب في الجماعة أَوْلَى بالسقوط؛ ولِهَذا يَسْقُطُ عَنِ المصلِّي ما يَعْجزُ عنه من القيام والقراءة واللِّباس والطَّهارة، وغير ذلك.

وأمَّا الجماعة فإنَّه يجلس في الأوتار لمتابعة الإمام، ولو فَعَلَ ذلك منفردًا عَمْدًا بَطَلَتْ صلاتُه، وإن أدْرَكَه ساجدًا أو قاعدًا كَبَّرَ وسَجَدَ معه وقَعَدَ معه لأجل المتابعة، مع أنَّه لا يُعْتَدُّ له بذلك، ويسجد لِسَهْوِ الإمام وإن كان هو لم يَسْهُ.

وأيضًا ففي صلاة الخوف لا يَسْتقبل القِبلةَ، ويَعْمَلُ العمل الكثيرَ، ويفارق الإمام قبل السلامِ، ويقضي الركعة الأولى قبل سلام الإمام، وغير ذلك ممَّا يفعَلُه لِأَجْل الجماعة، ولو فَعَلَه لغير عُذْرٍ بَطَلَتْ صلاته.

وأبْلَغُ من ذلك أنَّ مَذهب أكثَرِ البَصْريِّين وأكثر أهْلِ الحديث: أنَّ الإمامَ الراتِبَ إذَا صلَّى جالسًا صلَّى المأمومون جُلُوسًا لأجْلِ متابعته، فيتركون القيام الواجب لِأَجْل متابعته، كما استفاضت السُّنَنُ عن النبيِّ أنَّه قال: وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جُلوسًا أجمعون[4]".

قال: "والمقصود هنا أنَّ الجماعة تُفْعَلُ بِحَسب الإمكان، فإذا كان المأموم لا يمكنه الائتمامُ بإمامه إلَّا قُدَّامه كان غاية ما هذا أنه قد ترك الموقف لأجل الجماعة".

وبناءً على هذا؛ فصلاة الَّذين يُصلُّون قُدَّامَ الإمام في المسجد الحرام أو في مسجد الخيف بِمِنًى، أو في مسجد نَمِرَةَ بِعرفاتٍ، أو في غير ذلك من المساجد الَّتي تمتلِئُ ولا يَجِدُ بعض الناس مكانًا للصلاة إلَّا قُدَّامَ الإمام، أقول: إنَّ صلاتَهم صحيحةٌ؛ لِأَنَّهم إنَّما فعلوا ذلك لِلْعُذر وهو الزحامُ، والصلاة قُدَّامَ الإمام لِلعُذْرِ صحيحةٌ؛ بناءً على ما ترَجَّحَ في هذه المسألة. واللَّه تعالَى أعلم.

أين يقف المأموم إن كان واحدًا؟

أيها الإخوة المستمعون، وإذَا كان المأموم واحدًا فالسُّنَّة أن يَقِفَ عن يمين الإمام، ويَدُلُّ لذلك ما جاء في الصحيحَين عن ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما، قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ذات ليلة فَقُمْتُ عن يساره، فَأَخَذَ رسول الله بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي ‌فَجَعَلَنِي ‌عن يَمِينِهِ[5].

ولكن إذا وقف المأموم عن يسار الإمام، فهل تَصِحُّ صلاتُه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب الحنابلة في الرواية المشهورة إلى أنَّ صلاته لا تصِحُّ، وهذا القول معدودٌ من المفردات، وذهب جمهور العلماء من الحنفيَّةِ والمالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة في روايةٍ إلى صِحَّة صلاتِه.

وقال بعضُهم تصِحُّ مع الكراهة، وهذا القول هو الأقرب في هذه المسألة، واللَّه أعلم.

ولهذا قال المرداويُّ -رحمه اللَّه- في "الإنصاف": وهذا القول هو الصواب، ويدُلُّ لذلك حديث ابن عبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما السابق؛ فإنَّ النبيَّ أداره لِيَكُونَ عن يمينه، ولو كانت الصلاة عن يسار الإمام لا تصِحُّ لَأَمَرَهُ النبيُّ باستئنافها من جديدٍ.

قال الشيخ عبدالرحمن السعديُّ -رحمه اللَّه-: والصَّحيح أنَّ وقوف المأموم عن يمين الإمام سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، لا واجبٌ تبطل بتركه الصلاة، فتَصِحُّ الصلاة عن يسار الإمام مع خُلُوِّ يمينه؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّما وَرَدَ عن الفَذِّيَّة؛ أيْ عن صلاة المنفرد خَلْفَ الصفِّ.

وأَمَّا إدارة النبيِّ لابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما لَمَّا وقف عن يساره إلى يمينه، فإنَّه يدُلُّ على الأفضليَّة لا على الوجوب؛ لِأَنَّه لم يَنْهَ عن ذلك، والفعل يدُلُّ على السُّنِّيَّة، كتأخيرِهِ جابرًا وجبَّارًا لَمَّا وقَفَا عن جانبَيْه إلى خَلْفِه، فإِنَّه نظيرُ إدارته لابن عباسٍ، وذلك دليل الأفضليَّة فقط.

وإذَا وقف عن يسار الإمام وكان عن يمين الإمام أحدٌ؛ صحَّتِ الصلاة، حتَّى عند العلماء القائلين بِأَنَّه لا يصِحُّ الوقوف عن يسار الإمام؛ ولهذا قال المرداويُّ في "الإنصاف" بعد أن قرَّر أنَّ المذهب عند الحنابلة هو عدم صِحَّة الصلاة إذَا وقف المأموم عن يسار الإمام، قال: فإنْ كان عن يمينه أحدٌ صَحَّتْ صلاته.

والحاصل أيها الإخوة، ممَّا سبق أنَّ السُّنَّة وقوف المأمومِين خَلْفَ الإمام، فإن وقف بعضُهم قُدَّامَه لِعُذْرٍ كَضِيقِ المكان مثلًا صحَّتِ الصلاة.

أما إذا كان المأموم واحدًا فالسُّنَّة أن يقف عن يمين الإمام، فإن وقف عن يساره صحَّتِ الصلاة مع الكراهة في أرْجَحِ قَوْلَي العلماء، واللَّه أعلم.

وقوف المرأة إذا صَلَّتْ مع الرِّجال

وأمَّا المرأة فإنَّها إذَا صلَّتْ مع الرجال تَقِفُ خَلْفَهم، حتَّى لو صَلَّتِ المرأة مع زوجها فإنَّها تَقِفُ خَلْفَه، ويدُلُّ لذلك ما جاء في الصحيحَين عن أنسٍ قال: صَلَّيتُ أنا ويتيمٌ في بيتِنا خَلْفَ النبيِّ وأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنا[6].

ولكن إذا وقَفَتِ المرأة في صَفِّ الرجال، كما يحصل في أوقات المواسم في المسجد الحرام مثلًا، فهل تصِحُّ صلاتها؟ هذا محلُّ خلافٍ بين العلماء، وأكثر العلماء على صِحَّة صلاتِها مع الكراهة.

قال الموفَّق ابن قدامةَ -رحمه اللَّه-: فإن وَقَفَتِ المرأة في صَفِّ الرجال كُرِهَ لها ذلك، ولم تبطل صلاتها ولا صلاةُ مَن يلِيْها، وهذا هو مذهب الشافعيِّ، وقد عَزَاه الحافظ ابن حَجَرٍ إلى جمهور العلماء.

أيها الإخوة المستمعون، هذا ما تيسَّر عَرضُه في هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء اللَّه.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

^1 رواه مسلم: 3010.
^2, ^4 رواه البخاري: 688، ومسلم: 412.
^3 رواه البخاري: 631.
^5 رواه البخاري: 726، ومسلم: 763.
^6 رواه البخاري: 727.
مواد ذات صلة