logo

(141) أحكام الإمامة- أحوال المأموم مع إمامه (المتابعة والمسابقة)

مشاهدة من الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحوال المأموم مع إمامه

حديثنا في هذه الحلقة عن أحوال المأموم مع إمامه؛ فأقول -وبالله التوفيق-:

مقام المأموم مع إمامه له أربع أحوال:

  • إما متابعة.
  • أو مسابقة.
  • أو موافقة.
  • أو تخلُّف.

أما المتابعة: فهي السنة، فالسنة للمأموم متابعة إمامه، فيَشرع في أفعال الصلاة بعد شروع إمامه مباشرةً؛ فإذا كبَّر الإمام كبَّر بعده مباشرةً من غير تأخُّر، وإذا قرأ الفاتحة وقال: وَلَا الضَّالِّينَ[الفاتحة:7]، فيقول المأموم: "آمين"، من غير تأخُّر، وإذا ركع ركع بعده مباشرةً، وهكذا.

حكم تأخُّر المأموم لإتمام سورة بعد الفاتحة أو دعاء في السجود

قال العلماء: وإذا ركع الإمام فالمشروع للمأموم أن يركع بعده مباشرةً -وإن لم يكمل القراءة المستحبة-، وإذا رفع من السجود رفع بعده مباشرةً.

ويلاحَظ أن بعض الناس -من حِرصهم على الخير- يتأخر عن متابعة الإمام في الركوع لأجْل إكمال قراءة سورة قد شرع فيها، أو يتأخر عن الرفع من السجود لأجْل أن يدعو فيه، ونحو ذلك؛ وهذا خلاف المشروع، وخلاف أمْر النبي بمتابعة الإمام في قوله عليه الصلاة والسلام: إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه؛ فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال: سمع الله لمَن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين[1] متفق عليه.

فضل متابعة الإمام

وقد ورد في فضل متابعة الإمام والمبادرة للإتيان بأفعال الصلاة بعده مباشرةً من غير تأخُّر؛ ما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمَن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد؛ فإنه مَن وافق قولُه قولَ الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه[2].

هل تؤمِّن الملائكة كما يؤمِّن المأموم؟

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي هذا إشعارٌ بأن الملائكة تقول ما يقوله المأمومون. ونظير ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة أن النبي قال: إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا؛ فإنه مَن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه[3].

في أي شيء تكون موافقة المأموم لإمامه؟

والمراد بالموافقة هنا: الموافقة في القول والزمان؛ قال ابن منير رحمه الله: "الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلةَ عندهم، فمَن وافقهم كان متيقظًا"، انتهى كلامه رحمه الله.

والمراد بالملائكة في هذه الأحاديث؛ قيل: جميع الملائكة، وقيل: الحَفَظة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: والذي يظهر أن المراد بهم مَن يشهد تلك الصلاة ممَّن في الأرض أو في السماء.

حكم مسابقة المأموم لإمامه

وأما المسابقة -مسابقة المأموم للإمام- فإنها محرَّمة؛ لقول النبي : لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام[4] أخرجه مسلم في صحيحه، ولقوله : لا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد[5]، ولِما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي قال: أَمَا يَخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام؛ أن يحوِّل اللهُ رأسَه رأسَ حمار، أو يجعل صورتَه صورةَ حمار؟[6].

قال ابن مسعود لمَن رآه يسابق الإمام: لا وَحْدَك صلَّيتَ ولا بإمامك اقتديتَ.

هل تبطل الصلاة بالمسابقة؟

وأما من حيث بطلان الصلاة بمسابقة الإمام؛ فهو على أقسام:

  • القسم الأول: أن يكون السَّبْق إلى تكبيرة الإحرام؛ وذلك بأن يكبِّر للإحرام قبل إمامه أو معه، فلا تنعقد صلاة المأموم في هذه الحال؛ يلزمه أن يكبِّر بعد تكبيرة إمامه، فإن لم يفعل فعليه إعادة الصلاة.
  • الثاني: أن يكون السَّبْق إلى ركنٍ؛ مثل: أن يركع قبل إمامه أو يسجد قبله، فيلزمه أن يرجع ليأتي بذلك بعد إمامه؛ فإن لم يفعل عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة.
  • الثالث: أن يكون السَّبْق بركن الركوع؛ مثل: أن يركع ويرفع قبل أن يركع إمامه؛ فإن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت الركعة فقط، إلا أن يأتي بذلك بعد إمامه.
  • الرابع: أن يكون السَّبْق بركن غير الركوع؛ مثل: أن يسجد ويرفع قبل أن يسجد إمامه، فيلزمه أن يرجع ليأتي بذلك بعد إمامه؛ فإن لم يفعل عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة.
  • الخامس: أن يكون السَّبْق بركنين؛ مثل: أن يسجد ويرفع قبل سجود إمامه ثم يسجد الثانية قبل رفع إمامه من السجدة الأولى، أو يسجد ويرفع ويسجد الثانية قبل سجود إمامه؛ فإن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته فقط، إلا أن يأتي بذلك بعد إمامه.

وهذا التفصيل الذي ذكرتُ هو المشهور من مذهب الحنابلة.

وقال بعض أهل العلم إنه متى سبق إمامَه عالمًا ذاكرًا فصلاته باطلة مطلقًا -أي: بجميع الأقسام السابقة-، أما إن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، ما عدا السَّبْق إلى تكبيرة الإحرام، إلا أن يزول عذره قبل أن يدركه الإمام، فإنه يلزم الرجوع ليأتي بما سبق فيه بعد إمامه، فإن لم يفعل عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإلا فلا.

وقد اختار هذا القول الشيخ عبدالرحمن السعدي؛ قال رحمه الله: الصحيح أن مسابقة الإمام عمدًا إذا كان المسابِق عالمًا بالحال والحكم: أنها مبطلة للصلاة بمجرد ذلك، سواء سبقه بركن أو ركنين، وسواء كان ذلك ركوعًا أو سجودًا أو غيرهما، وسواء أدركه الإمام أو رجع إلى ترتيب الصلاة؛ لأن النهي والوعيد يتناول هذا، وما نُهي عنه لخصوص العبادة كان من مفسداتها.

وأما القول بأن ذلك محرَّم، والإبطال يتوقف على السَّبْق بركن الركوع أو بركنين غيره؛ فهذا القول لا دليل عليه بوجه، وكما أنه خلاف النص فإنه خلاف نص الإمام أحمد، كما صرَّح بذلك في رسالته المشهورة، والله تعالى أعلم.

أيها الإخوة المستمعون، ومما سبق تبيَّن لنا خطر مسابقة الإمام، وأنها ربما تتسبب في بطلان الصلاة؛ فينبغي للمأموم الحذر من مسابقة إمامه، خاصةً وأنه قد ورد الوعيد على مَن فعل ذلك؛ كما في قول النبي : أَمَا يَخشى الذي يَرفع رأسه قبل الإمام؛ أن يحوِّل اللهُ رأسَه رأسَ حمار، أو يجعل صورتَه صورةَ حمار؟[7].

ويلاحَظ أن من الناس -هداهم الله- مَن قد اعتاد مسابقة الإمام، خاصةً في الركوع والسجود، ويقع ذلك منهم على سبيل التساهل والعادة، وهؤلاء على خطر في ألَّا تصح صلاتهم لأجْل تلك المسابقة.

والمطلوب من المأموم أن يحرص على متابعة إمامه من غير مسابقة ولا تخلُّف، فإن هذا هو مقتضى الائتمام الذي أرشد إليه النبيُّ في قوله: إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه...[8].

أيها الإخوة المستمعون، هذا ما تيسَّر عرضه في هذه الحلقة، ونستكمل الحديث عن بقية أحوال المأموم مع إمامه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

^1 رواه البخاري: 722، ومسلم: 414.
^2 رواه البخاري: 796، ومسلم: 409.
^3 رواه البخاري: 780، ومسلم: 410.
^4 رواه مسلم: 426.
^5 رواه أبو داود: 603، وأحمد: 8483.
^6 رواه البخاري: 691، ومسلم: 427.
^7, ^8 سبق تخريجه.
مواد ذات صلة