عناصر المادة
المقدم: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).
(مجالس الفقه) برنامجٌ يُذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، نتداول فيه شيئًا من مسائل الفقه والأحكام التي يَحتاج إليها المسلم، والنوازل المعاصرة في ذلك.
يصحبنا في هذا البرنامج ضيفنا الدائم فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية، فمرحبًا بكم شيخنا.
الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.
المقدم: أحسن الله إليكم.
الأوراق التجارية
كنا شيخنا قد تحدثنا في الحلقة الماضية والتي قبلها عن الأوراق المالية، ثم جاء الحديث عن الأوراق النقدية، واليوم بإذن الله سيكون حديث الحلقة عن الأوراق التجارية، وأبرز المسائل والأحكام المتعلِّقة بذلك، لكن قبل الدخول في مسائل وأحكام الأوراق التجارية؛ نحتاج أن نعرف ما المراد بالأوراق التجارية؟
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد كان الحديث في الحلقات السابقة عن الأوراق المالية والأوراق النقدية، وبقي الحديث عن الأوراق التجارية، فهذه مصطلحاتٌ: أوراقٌ ماليةٌ، أوراق نقديةٌ، أوراق تجاريةٌ، والمتابِع لهذا البرنامج سيعرف الفرق بين هذه المصطلحات، وسبق الحديث مفصَّلًا عن الأوراق المالية وعن الأوراق النقدية، والآن نتحدث عن الأوراق التجارية.
والأوراق التجارية: هي صكوكٌ قابلةٌ للتداول، تُمثِّل حقًّا نقديًّا، وتستحق الدفع لدى الاطلاع أو بعد أجلٍ قصيرٍ، ويجري العرف على قبولها كأداة للوفاء، وتقوم مقام النقود في المعاملات.
وهذه الأوراق التجارية هي: الكمبيالة، والشيك، والسند لأمرٍ، لكن هل هي على سبيل الحصر، أو على سبيل المثال؟
هذا مما تختلف فيه الأنظمة؛ فبعضها يجعلها على سبيل الحصر، وبعضها يجعلها على سبيل المثال، نظام الأوراق التجارية الموجود عندنا في المملكة العربية السعودية جعلها على سبيل الحصر، أي أن الأوراق التجارية تنحصر في هذه الثلاثة: الكمبيالة، والسند لأمرٍ، والشيك، وقد تبع في ذلك النظام العالمي للأوراق التجارية الموحد المسمى بـ”قانون جنيف الموحد للأوراق التجارية”، وإنما أشرت لهذا القانون؛ لأنه يُعتمَد عليه في نظام الأوراق التجارية الموجود عندنا في المملكة اعتمادًا كبيرًا، لكن يختلف عنه فيما كان مخالفًا للشريعة الإسلامية، وقد نصت المادة السادسة لنظام الأوراق التجارية في المملكة على أن اشتراط فائدة الكمبيالة يُعتبر كأن لم يكن.
أنواع الأوراق التجارية
المقدم: أحسن الله إليكم، إذنْ نستطيع أن نعرف -من خلال الطرح الذي ذكرتموه قبل قليلٍ- أن الأوراق التجارية أنواعها ثلاثةٌ؟
الشيخ: نعم، هي هذه الأنواع الثلاثة: الكمبيالة، والسند لأمرٍ، والشيك.
المقدم: هذه المعاملات هل لها أصولٌ معروفةٌ قديمًا عند المسلمين، أم هي مما استجد في واقعنا المعاصر؟
الشيخ: أصولها معروفةٌ لدى المسلمين، وإن كانت بتنظيمها الموجود الآن ليست معروفةً بهذا الشكل، لكن أصول هذه الأوراق كانت معروفةً لدى المسلمين، قد عرف المسلمون التعامل بما يُشبه السَّفاتِج من عصر الصحابة ، وقد رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه كان يأخذ الوَرِق من التجار بمكة على أن يكتب لهم بها إلى الكوفة، وكان عبدالله بن الزبير يأخذ من قومٍ بمكة دراهم ويكتب لهم بها إلى أخيه مصعب بن الزبير، فمثل هذه الرقاع التي يكتبون فيها تُشبه في أصولها الأوراق التجارية، وجاء في “صحيح مسلمٍ” أن صكوكًا خرجت للناس في زمن مروان بن الحكم يُكتب فيها مقدار الطعام؛ بمعنى أنه يُكتب بأن فلانًا يستحق كذا من الطعام، وفلانًا يستحق كذا من الطعام، فتبايعها الناس قبل أن يستوفوها -أي قبل أن يستوفوا ما تُمثِّله من طعامٍ- فدخل زيد بن ثابتٍ وأبو هريرة رضي الله عنهما على الخليفة مروان بن الحكم، فقالا له: يا مروان، أتُحِلُّ الربا؟! قال: وما ذاك؟ قال هذه الصكوك تبايعها الناس، ثم باعوها قبل أن يستوفوها، فبعث مروان بن الحكم الحرس ليتبعوها وينزعوها من أيدي الناس ويردُّوها إلى أهلها.
فهذه الصكوك أوراقٌ تَصدر من ولي الأمر بالرزق لمستحقِّه، فيكتب: لفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا من الطعام، فقد كانت الدولة في ذلك الوقت تدفع صكوكًا لجنودها وعمالها في مقابل رواتبهم المستحقة، فكان بعض الناس يتبايع تلك الصكوك قبل قبض الطعام، فكان إنكار زيد بن ثابتٍ وأبي هريرة؛ لأجل تبايعها قبل استيفاء وقبض الطعام، لا لأجل كتابة تلك الصكوك؛ يعني هما أقرَّا كتابة تلك الصكوك، وكان عليها عمل المسلمين في زمن الصحابة، ولكن الإنكار من زيدٍ وأبي هريرة؛ لأجل تبايع هذه الصكوك قبل القبض واستيفاء الطعام؛ وهذا يدل على أن أصول هذه الأوراق التجارية كانت معروفةً لدى المسلمين، وإن كانت بالتنظيم الحالي ليست موجودةً بهذا الشكل، لكن أصولها كانت معروفةً لدى المسلمين من زمن الصحابة .
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم.
حكم التعامل بالأوراق التجارية
نأتي الآن شيخنا إلى ما يتعلق بالجانب الفقهي من هذه الأوراق التجارية، نبتدئ بحكم التعامل بها من حيث الأصل.
الشيخ: التعامل من حيث الأصل جائزٌ؛ لأن هذه الأوراق التجارية -كما ذكرنا- هي الكمبيالة والسند لأمرٍ، وهذه تُمثِّل قروضًا أو ديونًا على من يكتبها للمستفيد، وكذلك الشيك، عندما يُحرِّر الإنسان شيكًا هو يُحرِّر شيكًا لمستفيدٍ ويُحِيله على البنك، والأصل في هذه التعاملات الحِل والإباحة، فهي من حيث حكم التعامل: الأصل في الحكم أنه جائزٌ.
المقدم: أحسن الله إليكم.
خصم الأوراق التجارية
مما يكثر السؤال عنه في هذه المعاملة: ما يُعرف بـ”خصم الأوراق التجارية”، فما صورتها ابتداءً؟ ثم ما حكم خصم الأوراق التجارية من الناحية الشرعية؟
الشيخ: “خصم الأوراق التجارية”، هذه مسألةٌ مشهورةٌ، ومعناها: اتفاقٌ يُعجِّل به البنكُ الخاصمُ لطالبِ الخصم قيمةَ ورقةٍ تجاريةٍ مخصومًا منها مبلغٌ يتناسب مع المدة الباقية حتى استيفاء قيمة الحق عند حلول أجل الورقة، وذلك في مقابل أن ينقل طالب الخصم إلى البنك هذا الحق على سبيل التملك، وأن يضمن له الوفاء عند حلول أجله.
فهذه العملية المصرفية يقوم بموجبها حامل الورقة بنقل ملكيتها إلى المصرف قبل موعد الاستحقاق بطريق التظهير مقابل تعجيل المصرف قيمتها له، لكن مع خصم عمولةٍ يأخذها البنك، وهذا في الحقيقة إنما يَرِد على النوعين الأولين: على الكمبيالة، والسند لأمرٍ، أما الشيك: فهو واجب الدفع لدى الاطلاع؛ فلا يَرِد عليه الخصم.
فالخصم إذنْ يَرِد على الكمبيالة، ويَرِد على السند لأمرٍ إذا كانا مؤجلين، نوضح هذا بمثالٍ: هذا شخصٌ أُعطي كمبيالةً بثمنٍ مؤجلٍ: ادفعوا لأمر فلان بن فلانٍ مبلغًا قدره كذا، يَحِل في موعدٍ مؤجلٍ؛ مثلًا: بعد سنةٍ من الآن، فبعض الناس يقول: أنا لن أنتظر هذا الموعد، فيذهب للبنك ويقول: هذه الكمبيالة، وهذا السند لأمرٍ، صُرِف لي ولا يُستحَق إلا في هذا التاريخ، وأنا الآن بحاجةٍ لسيولةٍ نقديةٍ، فأعطني قيمة هذه الكمبيالة، أو قيمة هذا السند، بعد خصم عمولةٍ لك، بعد خصم عمولة للبنك، فهنا مثلًا لو كانت قيمة الكمبيالة مليون ريالٍ، وهذا المليون مستحقٌّ بعد سنةٍ، يذهب هذا المستفيد من هذه الكمبيالة للبنك ويقول: فيها مليون ريالٍ، عجِّلوا قيمتها لي الآن، أعطوني الآن تسعمئة وخمسين ألفًا، وخمسون ألفًا تكون للبنك مقابل تعجيلها لي الآن، هذا معنى الخصم.
فالمستفيد من الكمبيالة والسند لأمرٍ، يطلب من البنك أن يُعجِّل له قيمة الكمبيالة أو السند لأمرٍ مقابل عمولةٍ يتقاضها البنك، فما حكم هذا الخصم؟ هل هو سائغٌ شرعًا أو غير سائغٍ؟ هذه المسألة اختُلف فيها اختلافًا كثيرًا، وقد تكلمتُ عنها بالتفصيل في كتاب “أحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي” في نحو ستين صفحةً تقريبًا، وذكرت فيها سبع تخريجاتٍ، لكن لا يُناسب الحديث عن هذه التخريجات بالتفصيل في هذا البرنامج، لكن أنتهي للقول الراجح، القول الذي توصلتُ إلى رجحانه: أن هذا الخصم لا يجوز، وأنه في حقيقته قرضٌ بفائدةٍ.
وعلى هذا: فهذا الخصم محرمٌ ولا يسوغ شرعًا، هذا هو الذي انتهيت إليه بعد بحثٍ طويلٍ لهذه المسألة، لكن يبقى النظر بعدما قلنا بتحريم خصم الأوراق التجارية، ما هو البديل؟ وينبغي لطالب العلم إذا ذكر أمرًا محرمًا -خاصةً في أبواب المعاملات التي دائرة المباح فيها واسعةٌ- أن يحرص على أن يذكر البدائل المباحة، وهذا هو هدي النبي ؛ مثلًا: لما أُتي له بتمرٍ بُرْنِيٍّ من نوعٍ جيدٍ؛ قال: أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟، قالوا: لا، نبيع الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، قال: أوَّه! هذا عين الربا، لكن أرشد عليه الصلاة والسلام للبديل، أرشد للمَخرج: ولكن بِعْ التمر الرديء بالدراهم، واشترِ بالدراهم جَنِيبًا [1]، يعني: تمرًا جيدًا، يعني بدل أن تبيع صاعين بصاعٍ؛ تبيع صاعين بدراهم، وتشتري بالدراهم صاعًا من التمر الجيد، فلاحظ هنا أن النبي أرشد إلى المخرج بعدما ذكر الحكم بالتحريم، فلما ذكرنا أن خصم الأوراق التجارية محرمٌ؛ فنُحِبُّ أن نشير إلى البدائل.
المقدم: أحسن الله إليكم، قبل ذكر البدائل -إن أذنتم- هلَّا وضحتم لنا شيخنا وللمستمع الكريم ما وجهُ كون هذه المعاملة في حقيقتها قرضًا بفائدةٍ، ثم إن المحظور فيها أنها تشتمل على قرضٍ بفائدةٍ.
الشيخ: الهدف الحقيقي لعملية الخصم: هو القرض، المستفيد من هذه الورقة التجارية -سواءٌ كانت كمبيالةً أو سندًا لأمرٍ- كأنه يقول للبنك: أقرضني قيمة هذه الورقة وخذها فيما بعد بفائدةٍ، خذها بفائدةٍ، فهو يُعطيه عمولةً على ذلك، هذه قيمتها مليونٌ، يقول: أقرضني تسعمئةٍ وخمسين وسأردُّها عليك مليونًا، لكن بهذه الطريقة: بأن تستوفي مني قيمة الورقة التجارية.
أبرز البدائل المباحة لخصم الأوراق التجارية
من أبرز البدائل لخصم الأوراق التجارية: بيع الورقة التجارية للمصرف بعوضٍ غير نقديٍّ، أو بعَرْضٍ من العروض، فيقول مثلًا: هذه الورقة كمبيالةٌ فيها مئة ألف ريالٍ، مثلًا، أبيعكم قيمة هذه الكمبيالة، أو ما تحتويه هذه الكمبيالة، بسيارةٍ، فهنا تكون المسألة من قَبيل بيع الدين لغير من هو عليه بالعين، بيع الدين، يعني: الذي تُمثِّله الكمبيالة، لغير من هو عليه بالعين، فهذه الكمبيالة تُمثِّل دينًا، وتلك السيارة تمثل عينًا، وبيع الدين لغير من هو عليه بعينٍ جائزٌ في أرجح قولي العلماء، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وقولٌ عند الحنابلة، واختاره الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم، رحمهما الله تعالى، وهذا يعتبر مخرجًا يستطيع به حامل هذه الكمبيالة أن يَحصل على غرضه من غير وقوعٍ في المحظور الشرعي.
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم هذا البيان.
قبض الأوراق التجارية
شيخنا، أيضًا من المسائل التي تتعلق بالأوراق التجارية: قبض الأوراق التجارية، كيف يكون؟
الشيخ: قبض الأوراق التجارية، أولًا معنى القبض: حيازة الشيء والتمكُّن منه، سواءٌ أكان قبضًا حقيقيًّا أو حكميًّا.
وقد ورد القبض في الشرع مطلقًا، ولم يُحَد بحَدٍّ معينٍ، وليس له حدٌ في اللغة العربية، والقاعدة: “أن ما ورد مطلقًا ولا حد له في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع فيه للعرف”.
قبض الأوراق التجارية: أولًا قبض الكمبيالة والسند لأمرٍ، هذه الأوراق مستحقة الوفاء بعد مدةٍ معينةٍ، فهي مؤجلةٌ؛ ولذلك فإن تسلُّمها لا يُعتبر قبضًا لمحتواها؛ وعلى ذلك: فكل ما يُشترط فيه التقابض من الطرفين؛ كالصرف، أو من طرفٍ واحدٍ؛ كالسَّلَم، لا يجوز أن يُحرَّر به هذا النوع من الأوراق التجارية؛ مثال ذلك: لا يجوز بيع الذهب بكمبيالةٍ مؤجلةٍ، أو بسندٍ لأمرٍ مؤجلٍ، وأما الشيك: فالشيك واجب الدفع لدى الاطلاع، والشيك -نظامًا- ممنوعٌ تأجيله، والأنظمة تُجرِّم تأجيل الشيك، وهو واجب الدفع لدى الاطلاع.
لكن هل يُعتبر تسلُّم الشيك بحكم القبض لمحتواه؟
في هذه المسألة ثلاثة أقوالٍ للعلماء المعاصرين:
- فمنهم من قال: إن تسلُّم الشيك يُعتبر قبضًا لمحتواه مطلقًا، وقالوا: إن الشيك له قوةٌ، ومحاطٌ بضماناتٍ كبيرةٍ تجعل القابض له مالكًا لمحتواه، ويستطيع أن يتصرف فيه، فيبيع به ويهب ويشتري، ونحو ذلك، فيترتب على هذا عند أصحاب هذا القول: أنه يجوز أن يُشترى بهذا الشيك ذهبٌ أو فضةٌ.
- يقابل هذا القول: القول الثاني: وهو أن تَسَلُّم الشيك لا يعتبر قبضًا لمحتواه مطلقًا؛ وذلك لأنهم يقولون: الشيك وإن أُحيط بضماناتٍ تدعم الثقة به؛ إلا أنها ليست كافيةً للحكم بأن تسلُّمه في معنى القبض لمحتواه؛ لأن الشيك ربما يكون بدون رصيدٍ، وربما يكون التوقيع غير مطابقٍ، وربما قد يُعارِض صاحب الرصيد في صرف الشيك فلا يُصرف، إلى غير ذلك من الاحتمالات، قالوا: مما يؤيِّد هذا: أنه لو ضاع الشيك؛ لأمكن لصاحبه أن يرجع للبنك، ولو كان في معنى القبض لمحتواه؛ لما كان له الرجوع على البنك؛ بناءً على هذا القول: أصحاب هذا القول يرون أنه لا يجوز أن يُحرَّر بهذا الشيك ما يُشترط فيه التقابض؛ كالذهب والفضة، ومن أبرز من قال بهذا القول: الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى.
- والقول الثالث: القول بالتفصيل: وهو أن الشيك إن كان مصرفيًّا أو مصدَّقًا؛ فإن تسلُّمه بمعنى القبض لمحتواه، أما إذا لم يكن مصرفيًّا ولا مصدَّقًا؛ فإن تسلُّمه ليس في معنى القبض لمحتواه، وهذا ذهب إليه أكثر العلماء المعاصرين، و”اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية” برئاسة سماحة شيخنا عبدالعزيز بن بازٍ رحمه الله ذهبوا إلى هذا القول.
فالشيك المصرفي يتضمن حجز المبلغ الذي تضمنه الشيك للمستفيد؛ فلا يستطيع أن يتصرف فيه الساحب، فأصحاب هذا القول جمعوا بين وجهة أصحاب القول الأول والثاني، وقالوا: إن الشيك إذا كان غير مصدقٍ أو غير مصرفيٍّ؛ فيَرِد عليه الاحتمالات التي ذكرت قبل قليلٍ، ربما يكون بدون رصيدٍ، ربما يكون التوقيع غير مطابقٍ، إلى غير ذلك، أما إذا كان مصدَّقًا؛ فلا تَرِد عليه هذه الاحتمالات، ويكون في معنى القبض لمحتواه، وهذا القول -والله أعلم- هو الأظهر والأقرب، التفريق بين الشيك المصرفي المصدَّق، والشيك غير المصرفي.ومما يدل لهذا: أننا نجد أن الناس في الصفقات الكبيرة يتعاملون بالشيكات المصدَّقة ولا يتعاملون بالنقد؛ يعني مثلًا: لو اشتريت بيتًا بمليونٍ، وأردت أن تدفع المليون نقدًا للبائع؛ في الغالب لا يقبل، يقول: أعطني شيكًا مصدَّقًا؛ معنى هذا: أن الناس يُفضِّلون الشيك المصدَّق على النقد في الصفقات الكبيرة؛ وهذا يدل على الثقة به، وعلى أنه في قوة القبض لمحتواه.
والأقرب والله أعلم: التفريق بين الشيك المصدَّق والشيك غير المصدَّق؛ وعلى هذا نقول بالنسبة لما يُشترط فيه التقابض، وهو الذهب والفضة: يجوز أن تشتري الذهب والفضة بالشيك إذا كان مصدَّقًا، ولا يجوز إذا كان الشيك غير مصدَّقٍ.
أما تعليل من قال: إن الشيك ربما لو ضاع؛ أمكن الإنسان أن يرجع لصاحبه حتى لو كان مصدَّقًا، فقبض الشيك المصدق ليس قبضًا لمحتواه، نقول: طبيعة الشيك هكذا، طبيعة الشيك: أنه حُرِّر اسم المستفيد فيه؛ وبالتالي لا يمكن صرفه إلا لصاحبه، وإذا ضاع؛ يمكن الرجوع إلى البنك أولًا لإيقافه، والطلب من الساحب أن يُحرِّر بدلًا منه، أما الأوراق النقدية فطبيعتها أنها لحاملها؛ ولهذا لو أن الشيك كُتب فيه: “لحامله”، وهذا ليس ممنوعًا نظامًا، لكن الناس لا يستعملونه، فإنه إذا ضاع؛ يضيع على حامله الذي هو المستفيد، لكن كلامنا الذي ذكرته في الخلاف في هذه المسألة، في معظم الدول التي لا تكون الشيكات غير المصدَّقة محاطةً بضماناتٍ قويةٍ، لكن في بعض الدول الشيكات غير المصدَّقة محاطةٌ بحمايةٍ كبيرةٍ جدًّا، وبضماناتٍ قويةٍ، فهي عندهم أنها في قوة الشيكات المصدَّقة، فيمكن أن يقال في البلدان التي تُحاط فيها الشيكات غير المصدقة بضماناتٍ قويةٍ جدًّا، ويثق الإنسان بها، ويستطيع أن يشتري بيتًا مثلًا بمبلغٍ كبيرٍ عن طريق هذه الشيكات غير المصدَّقة، يمكن أن يقال: إنها تأخذ حكم الشيكات المصدقة، والحكم يدور مع عِلَّته وجودًا وعدمًا.
المقدم: أحسن الله إليكم، ويمكن أن يُستدل على قوة هذه الشيكات في بعض البلدان من خلال ثقة الناس في التعامل بها، هل يقال بهذا: إذا وَثِقَ الناس في التعامل بالشيكات غير المصدقة؛ فهذا دليلٌ على قوتها؟
الشيخ: نعم، الناس لا يمكن أن يثقوا بها إلا إذا أُحيطت بضماناتٍ قويةٍ جدًّا، فإذا أُحيطت بضماناتٍ قويةٍ جدًّا؛ هنا تأخذ حكم الشيكات المصدقة.
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم هذا البيان.
بيع المرابحة للآمر بالشراء
لعلنا -إن أذنتم شيخنا- أن ننتقل إلى محورٍ آخر: وهو معاملةٌ يكثر السؤال عنها، ومن المعاملات التي استُجدت، وحاجة الناس إليها كبيرةٌ، وموضوعنا أو برنامجنا (مجالس الفقه) يدور في فلك هذه المسائل التي تَمَس الحاجة إليها، ومع شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان: مسألة: “بيع المرابحة للآمر بالشراء”، هذه المسألة كثر الحديث عنها، وحاجة الناس إليها كبيرةٌ، إن أذنتم شيخنا قبل أن ندخل في هذه المسألة، أن نُفرِّق بينها وبين بيع التقسيط، وما المقصود بهما؟
بيع التقسيط وحكمه
الشيخ: بيع التقسيط معناه: أن يبيع الشخص بضاعةً أو سلعةً بثمنٍ مؤجلٍ يُسدَّد بأقساطٍ معلومةٍ، ويزيد في قيمة البضاعة مقابل الأجل؛ مثال ذلك: رجلٌ باع سيارةً قيمتها نقدًا مئة ألفٍ، باعها على شخصٍ بثمنٍ مؤجَّلٍ بمئةٍ وعشرةٍ، أو بمئةٍ وعشرين، على أن يدفع المشتري له أقساطًا معلومةً، فقيمتها نقدًا مئة ألفٍ، وقيمتها مؤجلةً مئةٌ وعشرةٌ، أو مئةٌ وعشرون، بسبب التقسيط، وبسبب تأجيل الثمن، فهذا البيع بالتقسيط عند أكثر أهل العلم أنه جائزٌ شرعًا، بل حُكِي الإجماع على جوازه، وممن حكى الإجماع: الحافظ بن حجرٍ رحمه الله، وكأنه لم يعبأ بمخالفة من خالفه من الظاهرية، لم يُعلم عن أحدٍ من المتقدمين أنه قال بتحريم بيع التقسيط، أو البيع المؤجل، سوى الظاهرية، لكن تبعهم على ذلك بعض المعاصرين، وهم مسبوقون بالإجماع، فالقول الذي عليه عامة أهل العلم: هو جواز بيع التقسيط والبيع المؤجل.
ومما يدل لذلك: قول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، ولم يشترط الله تعالى أن تكون المداينة بسعر الوقت الحاضر، ومعلومٌ أن الدَّين يصحبه الزيادة في الثمن.
وأيضًا من الأدلة: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي أمره أن يُجهِّز جيشًا، فنفدت إبل الصدقة، فأمره أن يشتري البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة إلى إبل الصدقة [2]، أخرجه أبو داود بسندٍ صحيحٍ، فقد زِيدَ هنا في الثمن إلى أن تأتي إبل الصدقة، إلى غير ذلك من الأدلة، والقول الذي عليه عامة أهل العلم: هو جواز بيع التقسيط.
المقصود ببيع المرابحة للآمر بالشراء
المقدم: أحسن الله إليكم، هذا بيانٌ للمقصود ببيع التقسيط وحكمه، نذهب بعد ذلك إلى بيع المرابحة للآمر بالشراء، ما المقصود به وصورته؟
الشيخ: “المرابحة” معروفةٌ عند الفقهاء بهذا المصطلح، ولكن “المرابحة للآمر بالشراء” هذا مصطلحٌ معاصرٌ، وتسمى: “المرابحة المركبة”، و”المرابحة للوعد بالشراء”، وتسمى: “المرابحة للآمر بالشراء”، وكلها مصطلحاتٌ متقاربةٌ.
وصورتها: أن يأتي رجلٌ يريد سلعةً معينةً ليس عنده نقدٌ ليشتري هذه السلعة، فيذهب إلى مؤسسةٍ أو مصرفٍ، أو حتى إلى فردٍ من الناس، ويطلب أن يشتري له تلك السلعة، ثم يشتريها ممن اشتراها بالتقسيط، فيقول مثلًا: أنا أريد سيارةً، اذهبوا واشتروا لي هذه السيارة، وإذا اشتريتموها؛ سوف أشتريها منكم، ويُعطيهم مواصفات هذه السيارة، فيذهب البنك أو المؤسسة، أو حتى فردٌ، ويشتري هذه السيارة، فإذا اشتراها؛ باعها لهذا الراغب بالشراء بثمنٍ مقسطٍ، هذه تسمى: “المرابحة للآمر بالشراء”.
هذه كانت معروفةً لدى الفقهاء السابقين، وإن استحدثوا التسمية فقط، وإلا فكانت هذه الصورة معروفةً، ذكرها ابن القيم في “إعلام الموقعين”، بل ذكرها قبله الإمام الشافعي في “الأم”، فهذه موجودةٌ ومعروفةٌ عند الفقهاء وإن لم تُسَمَّ بهذا الاسم.
وهي لا تخلو من حالين:
- الحال الأولى: أن يتعاقد ذلك الرجل مع المصرف أو المؤسسة أو الفرد تعاقدًا مباشرًا لشراء تلك السلعة.
- والحالة الثانية: ألا يحصل تعاقدٌ سابقٌ، وإنما مجرد وعدٍ غير ملزمٍ.
أما الحالة الأولى: وهي أن يتعاقد مباشرةً، فهي محرمةٌ؛ لأن المصرف أو المؤسسة أو الفرد قد باع ما لا يملك وما ليس عنده، وقد قال النبي : لا تبع ما ليس عندك، وكان أصل هذا الحديث: حديث حكيم بن حزامٍ ، قال: يا رسول الله، يأتينا الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، أفأبتاعه له من السوق؟ قال له النبي : لا تبع ما ليس عندك [3]، أخرجه أبو داود وابن ماجه بسندٍ جيدٍ، وكذلك أخرجه الترمذي وقال: “حديثٌ حسنٌ صحيحٌ”، ثم أيضًا بيعها بهذه الطريقة في معنى الحيلة على الربا والقرض الربوي.
أما الحالة الثانية: وهي ألا يحصل تعاقدٌ سابقٌ، وإنما يحصل مجرد وعدٍ من المصرف أو المؤسسة أو الفرد بشراء تلك البضاعة التي يَعِدُهم هذا الرجل بأنه سوف يشتريها منهم، فهذا على سبيل الوعد؛ يعني كأنه يقول: إذا اشتريتم هذه السلعة بهذه المواصفات؛ أعدكم أنني سوف أشتريها منكم، فهل هذا يجوز؟
هذه هي “المرابحة للآمر بالشراء” في صورتها الشائعة، واختَلف فيها العلماء على قولين: فمنهم من قال بتحريمها، وأن هذه حيلةٌ على الربا، وأكثر العلماء المعاصرين قالوا بجوازها، وصدر فيها قرارٌ من “مجمع الفقه الإسلامي الدولي”، وأيضًا كان شيخنا عبدالعزيز بن بازٍ رحمه الله يُفتي بالجواز، ولكن يُقيِّدون الجواز بشرطين:
- الشرط الأول: أن يكون الاتفاق المبدئي بينهما مجرد وعدٍ بالبيع والشراء، هذا الوعد غير ملزمٍ للطرفين، لكل منهما أو لأحدهما الخيار في إتمام ذلك البيع من عدمه، يترتب على هذا أن السلعة لو تلفت بعد الوعد بالشراء وقبل إبرام العقد؛ فهي من ضمان ذلك الموعود بالشراء منه؛ من مصرفٍ أو مؤسسةٍ أو فردٍ؛ لأنه لا يوجد لدينا عقدٌ الآن، وإنما هو وعدٌ، وفرقٌ بين الوعد والعقد، فالوعد مجرد إبداء الرغبة في الشيء، أما العقد فهو ارتباطٌ مُنَجَّزٌ ملزِمٌ.
- والشرط الثاني: ألا يقع العقد بينهما إلا بعد تملُّك الموعود بالشراء منه للسلعة وقبضها.
فإذا تحقق هذان الشرطان؛ فالأصل الحِل والإباحة:
- الشرط الأول: أن يكون الاتفاق المبدئي بينهما على سبيل الوعد.
- والشرط الثاني: ألا يقع العقد بينهما إلا بعد تملُّك الموعود منه بالشراء للسلعة وقبضها.
فإذا تحقَّق هذان الشرطان؛ فلا بأس بذلك؛ لأن الأصل في العقود الحِل والإباحة، وهذا القول فيه توسعةٌ على الناس، وليس كل إنسانٍ يجد من يقرضه.
وأما قول من قال من المانعين: إن هذه حيلةٌ على الربا، فلا يُسلَّم، هذا توصلٌ للمباح بطريقٍ مشروعٍ، ورأيتَ النبي لما قالوا: إنا نبيع الصاع بالصاعين، قال: أوَّه! هذا عين الربا، ولكن بِع الجَمْع بالدراهم، واشترِ بالدراهم جَنِيبًا [4]، فأرشد عليه الصلاة والسلام إلى مخرجٍ، ولم يعتبر هذه حيلةً.
فإذنْ المرابحة للآمر بالشراء بهذين الشرطين لا تُعتبر حيلةً، وهي مخرجٌ شرعيٌّ، وفيها توسعةٌ على الناس، وأكثر العلماء المعاصرين على جوازها.
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم شيخنا هذا البيان، ونسأل الله جل وعلا أن يكفينا بحلاله عن حرامه، وأن يُغنينا بفضله عمن سواه.
إلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام هذه الحلقة، فأسأل الله جل وعلا أن يجزي شيخنا الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان خير الجزاء على ما قدم، فشكر الله لكم شيخنا.
الشيخ: والشكر لكم وللإخوة المستمعين.
المقدم: كما أتقدم بالشكر الجزيل لمن قام بتسجيل هذه الحلقة.
إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله ، ومع موضوعٍ جديدٍ، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.