logo
الرئيسية/برامج إذاعية/مجالس الفقه/(12) برنامج مجالس الفقه- أهم المخالفات الشرعية في أسواق الأوراق المالية

(12) برنامج مجالس الفقه- أهم المخالفات الشرعية في أسواق الأوراق المالية

مشاهدة من الموقع

المقدم: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).

(مجالس الفقه) برنامجٌ يُذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، نتدارس فيه شيئًا من مسائل الفقه والأحكام التي يحتاج إليها المسلم وما دار في فلك ذلك، يصحبنا فيها ضيفنا الدائم فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس الجمعية الفقهية السعودية، فمرحبًا بكم شيخنا.

الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.

أبرز المخالفات الشرعية في أسواق الأوراق المالية

المقدم: أحسن الله إليكم شيخنا.

كان الحديث في الحلقة الماضية متعلقًا بالأوراق المالية، وذكرنا فيها جملةً من المسائل والأحكام، بقي معنا حقيقةً عنصرٌ مهمٌّ يتعلق بهذا الجانب، وهو: أبرز المخالفات الشرعية التي يمكن أن تقع في أسواق الأوراق المالية؛ كي يحذر منها المسلم ويتجنبها.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأسواق الأوراق المالية هي الأسواق التي يُتداول فيها الأوراق المالية؛ كالأسهم والسندات ونحوها، وهناك مجموعةٌ من المخالفات الشرعية التي تقع من بعض المتعاملين في هذه الأسواق، ونذكر جملةً من هذه المخالفات؛ لبيان الحكم الشرعي فيها، وأيضًا للتحذير من هذه المخالفات:

من أبرز هذه المخالفات:

نشر الأخبار والمعلومات الكاذبة للتأثير على الأسعار

أولًا: نشر أخبارٍ أو معلوماتٍ كاذبةٍ أو مضلِّلةٍ مؤثِّرةٍ في سعر السهم عن طريق وسائل الإعلام المختلفة ووسائل الاتصال الحديثة؛ وذلك لأجل رفع سعر السهم، أو لأجل خفضه؛ ليُحقِّق المضارب أرباحًا من فروقات الأسعار؛ كأن ينشر خبرًا عن استحواذ شركةٍ مساهمةٍ على شركةٍ أخرى، وهو يعلم أن الخبر سيُؤثِّر على سعر السهم ارتفاعًا أو انخفاضًا؛ مما يعود بالضرر على المضاربين الآخرين، ونشر هذه الشائعات والمعلومات المضلِّلة أمرٌ محرمٌ شرعًا؛ وذلك لأن فيه كذبًا وتضليلًا، وربما تكون المعلومات أحيانًا معلوماتٍ صحيحةً، وإن كانت المعلومات غير صحيحةٍ؛ فهو كذبٌ.

والنبي يقول: إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا [1]، سبحان الله! انظر إلى قبح الكذب، أن الذي يُكثر من الكذب، ولا يتورَّع عن الكذب، ويَكثر منه الكذب، يُكتب عند ربه وخالقه: فلان بن فلانٍ كذابٌ، نسأل الله العافية، يعني لو أن طفلًا لقي رجلًا وقال له: يا كذابٌ؛ لم يقبل منه، فكيف بمن يُكتب عند ربه وخالقه: فلان بن فلانٍ رجلٌ كذابٌ؟! بسبب عدم تورُّعه عن الكذب، وكثرة الكذب الذي يصدر منه.

قد تكون المعلومات غير كاذبةٍ، معلوماتٍ صحيحةً، لكن تجري المبالغة فيها والنفخ فيها؛ بغرض استغلالها للحصول على الأرباح، وهذا أيضًا محرمٌ شرعًا، ويُشبه التدليس: وهو إظهار المحاسن في المبيع وهو في الحقيقة خالٍ منها، يعني يُشبهه من بعض الوجوه؛ فإذنْ نشر الشائعات والمعلومات المضلِّلة؛ لأجل رفع سعر سهمٍ أو خفضه، هذا أمرٌ محرمٌ شرعًا.

احتكار السلع بغرض رفع السعر

أيضًا من المخالفات: الاحتكار؛ وذلك بشراء ورقةٍ ماليةٍ بكمياتٍ كبيرةٍ بقصد السيطرة على سوقها واحتكاره؛ لرفع السعر، ثم يعقبه ببيع كميةٍ كبيرةٍ؛ ليربح من بيعها بسعرٍ مرتفعٍ، فهذه المعاملة تشتمل على عددٍ من المحرمات؛ ومنها: الاحتكار: وهو أن يدخر السلعة حتى يرتفع ثمنها ثم يبيعها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: لا يحتكر إلا خاطئٌ [2]، والخاطئ: هو العاصي الآثم، وأيضًا هذه المعاملة فيها أكلٌ للمال بالباطل، وفيها خداعٌ للناس، والله تعالى يقول: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188].

إخفاء معلومات سرية لها أثر على السعر

أيضًا من المخالفات: إفشاء معلوماتٍ سريةٍ لها أثرٌ على سعر ورقةٍ ماليةٍ، ويقصد بذلك استغلال الشخص المطلِع؛ كالموظف، أو عضو مجلس الإدارة أو غيره، لمعلوماتٍ داخليةٍ خاصةٍ بالمنشأة، فيستغل هذه المعلومات بقصد التكسُّب من ورائها، أو نشرها لمن يتكسب من ورائها؛ كأن يكون لدى هذا الموظف أو عضو مجلس الإدارة معلومةٌ عن شركةٍ مدرجةٍ أنها ستُحقِّق أرباحًا تتجاوز التوقعات، وقبل نشر الخبر في الأسواق المالية يقوم الموظف بشراء أسهم الشركة قبل إعلان هذه الأرباح، أو قد يُفصح عن هذه المعلومة لشخصٍ آخر يستفيد منها، ويُعتبر إفشاء هذه المعلومات الداخلية واستغلالها من قِبَل الموظف خيانةً للأمانة، وإخلالًا بالمسؤولية التي تَفرض عدم إفشاء هذه المعلومات ونشرها، وخيانةُ الأمانة من الصفات المذمومة، وقد قال الله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

كتمان معلوماتٍ يجب الإفصاح عنها

أيضًا من المخالفات: كتمان معلوماتٍ يجب الإفصاح عنها، فيجب على المسؤولين بالشركات المدرجة؛ كمجلس الإدارة، وكبار التنفيذيين، الإفصاح عن المعلومات الهامة والمؤثرة في أداء الشركة وسعرها في الأسواق المالية؛ كصفقات الاستحواذ والاندماج والتمويل ونحو ذلك، وكتمان المعلومات التي يجب الإفصاح عنها، أو التأخر في نشرها بغرض استغلالها من قِبَل الموظف أو صديقه أو قريبه أمرٌ محرمٌ شرعًا؛ لأن هذا يدخل في الغش وفي خيانة الأمانة، وفيه تضليلٌ للعملاء وإضرارٌ بهم.

وقد ورد في الحديث: لا إيمان لمن لا أمانة له [3]، كما عند أحمد بسندٍ جيدٍ، وأيضًا يقول عليه الصلاة والسلام عن البائع والمشتري: فإنْ صَدَقَا وبيَّنا؛ بُورِك لهما في بيعهما [4].

فالصدق والبيان إذا كان مصاحبًا للبيع والشراء؛ تَحِل البركة في ذلك البيع والشراء، وهكذا أيضًا هذه الشركة، إذا كان القائمون عليها لديهم إفصاحٌ، ولديهم صدقٌ، ولديهم بيانٌ، ولديهم أمانةٌ؛ فإن البركة تحل بهذه الشركة، تكون هذه الشركة وأسهمها مباركةً، بخلاف ما إذا كانت هذه الشركة فيها كذبٌ وكتمانٌ؛ فإن البركة تُنزع منها ومن أسهمها.

العروض الوهمية للتأثير على سعر الافتتاح

وأيضًا من المخالفات: العروض الوهمية للتأثير على سعر الافتتاح، وهكذا العروض الوهمية للتأثير على سعر الإغلاق، وكذلك أيضًا رفع أو خفض سعر السهم؛ لغرض البيع أو الشراء، المقصود: أن يقوم المضارب بإدخال أوامر الشراء أو البيع دون وجود نيةٍ لتنفيذه؛ بغرض إيهام المتعاملِين بأن هناك طلب شراءٍ، أو عرض بيعٍ متزايدٍ على السهم؛ مما يدفعهم إلى الشراء فترتفع الأسعار، ثم يبيع أسهمه بسعرٍ مرتفعٍ، أو يدفعهم إلى البيع وتنخفض الأسعار، ثم يشتري أسهمًا جديدةً بسعرٍ منخفضٍ.

والعروض الوهمية التي لا يقصد المتعامل منها البيع أو الشراء، هي في الحقيقة نوعٌ من التغرير والخداع والنَّجْش، وهي من الصفات السيئة التي جاء الإسلام بالتحذير منها وحماية المجتمع من آثارها السيئة، وقد نهى النبي عن النجش. والنَّجْش: هو أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها، ولكنه يريد إلحاق الضرر بالمشتري، أو يريد نفع البائع، أو يريد الأمرين جميعًا، والتغرير: هو الإيهام بوسيلةٍ قوليةٍ أو فعليةٍ كاذبةٍ؛ لترغيب أحد المتعاقدين في العقد وحملِه عليه.

فهذه أبرز المخالفات التي تقع في أسواق الأوراق المالية، فعلى المتعاملين في هذه الأسواق أن يحرصوا على أن يتأدبوا بآداب الإسلام، وأن يتعاملوا في هذه الأسواق بالصدق والبيان وبالوضوح، وأن يبتعدوا عن الكذب، ويبتعدوا عن التضليل، ويبتعدوا عن الأمور التي يكون فيها تغريرٌ أو خداعٌ أو تضليلٌ أو إيهامٌ ونحو ذلك، فحتى لو استطاع هذا الذي يقوم بذلك بأن يقوم بهذه الأمور: بإيهامٍ أو تضليلٍ أو تغريرٍ أو خداعٍ، وحصَّل أرباحًا؛ فإن هذه الأرباح لا تَحِلُّ له، والنبي يقول: وإنْ كَذَبَا وكتما؛ مُحقت بركة بيعهما [5]، هذه التعاملات غير المشروعة سببٌ لمحق البركة، فإذا أراد من يتعامل بالأسهم البركة؛ فعليه أن يحرص على أن يكون صادقًا، وأن يكون واضحًا، وأن يكون أمينًا، وأن يبتعد عن مثل هذه الأساليب.

بعض الناس -سبحان الله!- يستغل ذكاءه في هذه الأساليب المحرمة: في التغرير، في الخداع، في الإيهام، في التضليل؛ لأجل أن يُحصِّل أكبر قدرٍ من الأرباح، ربما أنه يُحصِّل هذا الربح، لكن لا يُبارَك له فيه، ويكون من الكسب المحرم، فهذه الجوانب أرى أنها إذا غُرست في نفوس المتعاملين في هذه الأسواق المالية؛ فإن هذا ينعكس على الأسواق المالية عمومًا، وتكون هذه الأسواق بعيدةً عن هذه السلوكيات والتعاملات المحرمة.

هذه السلوكيات وهذه التعاملات في الحقيقة أضرَّت أناسًا كثيرين، كم من إنسانٍ دخل سوق الأسهم وخسر فيه؛ بسبب سوء سلوك بعض المتعاملين! يأتون بهذه الحيل، وبهذا الخداع وهذا التضليل وهذا الإيهام، أو إفشاء معلوماتٍ، أو استغلال الحصول على معلوماتٍ، وهم يربحون على حساب الآخرين، لكن لو أن المتعاملين في هذه الأسواق المالية حرصوا على تطبيق تعاليم الإسلام؛ من الصدق والأمانة والبيان والوضوح، والبعد عن التضليل، والبعد عن التغرير، والبعد عن هذه التعاملات المحرمة؛ فإن هذه الأسواق تكون أسواقًا نافعةً للجميع، وأسواقًا مباركةً تَحِل فيها البركة، وإن صدقا؛ فالقاعدة في هذا: هو قول النبي : فإن صدقا وبيَّنا؛ بورك لهما في بيعهما [6]؛ ولهذا فالمسؤولية تقع على أرباب التأثير والتوجيه في إرشاد المتعاملين في هذه الأسواق المالية؛ بأن يلتزموا بتعاليم الإسلام، وأن يبتعدوا عن السلوكيات المحرمة؛ من الخداع والتضليل والعروض الوهمية، واستغلال ذكائهم أو خبرتهم أو منصبهم الوظيفي في الحصول على أكبر قدرٍ من الأرباح بطريقةٍ غير مشروعةٍ، ويكون ذلك على حساب المساهمين الآخرين.

المقدم: أحسن الله إليكم شيخنا وشكر الله لكم، وهذه في الحقيقة موعظةٌ مهمةٌ في هذا الجانب، وإذا استشعر المرء قول النبي : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه [7]؛ ابتعدَ عن كثيرٍ من هذه التعاملات المحرمة شرعًا، والتي فيها إضرارٌ بإخوانه.

حكم التوصيات

ما يُعرَف شيخنا بـ”التوصيات”، هل هي داخلةٌ في المخالفات؟

الشيخ: هذه غير داخلةٍ في المخالفات، التوصيات التي تكون عن جهاتٍ معتبرةٍ، وتكون عبر دراساتٍ ونحو ذلك، هذه غير داخلةٍ؛ لأنها تكون بناءً على دراساتٍ من متخصصين وخبراء، وهي تبقى توقعاتٍ، توقعاتٍ بكذا وكذا، وأن السعر العادل للسهم كذا، فهذه لا تدخل في السلوكيات الممنوعة.

المقدم: حتى ولو أخذ عليها أجرةً؟

الشيخ: حتى لو أخذ عليها أجرةً، الآن بعض المصارف أو الشركات المالية لديها توصياتٌ لكن بأجرٍ، وتكون هذه التوصيات من خبراء في هذا المجال مبنيةً على دراستهم لواقع أسهم هذه الشركة، وأنهم ربما يتوقعون ارتفاعًا أو انخفاضًا، وأن هذا هو السعر العادل، أو أنه ليس السعر العادل لهذا السهم، فهذا مجرد تحليلٍ، هذا تحليلٌ لا يدخل في السلوكيات الممنوعة، ولا يدخل في التعاملات المحرمة.

نشأة الأوراق النقدية

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم هذا التوضيح والبيان، ولعلي أنتقل إلى موضوعٍ آخر وهو متعلقٌ بالأوراق النقدية.

كنا شيخنا قد تكلمنا قبل قليلٍ عما يتعلق بالأوراق المالية، ندخل الآن إلى الأوراق النقدية، ولا شك أن الأوراق النقدية الآن أصبحت رائجةً ويتعامل الناس بها، ولا يكاد ينفك الناس عنها، سنأخذ جملةً من المسائل والأحكام المتعلقة بذلك، لكن قبل أن نتكلم عن الجانب الفقهي؛ نود أن نعرف شيخنا نشأة هذه الأوراق النقدية، كيف خرجت، وكيف نشأت، وكيف أصبحت في أيدي الناس بهذه الصورة التي عليها؟

الشيخ: كان الناس قديمًا يتعاملون بالمقايضة، ثم بعد ذلك وُجدت النقود، والنقود موجودةٌ من قديم الزمان، وقد كانت في عهد النبي تسمى بالدنانير والدراهم؛ الدنانير: تُمثِّل الذهب، والدراهم: تُمثِّل الفضة، وورد ذكر الدنانير والدراهم في القرآن الكريم؛ كما في قوله : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران:75]، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ، فورد ذكر الدينار في القرآن الكريم، وورد ذكر الدراهم في قول الله في سورة يوسف: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [يوسف:20]؛ فإذنْ ورد ذكر الدنانير والدراهم في القرآن الكريم.

وكانت العرب في الجاهلية وصدر الإسلام يستعملون نقود الفرس والروم، وفي عهد عمر بن الخطاب -مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية- أضاف نقوشًا إسلاميةً على تلك العملات المتداولة، وضرب فُلُوسًا على طراز عملة هرقل وسجَّل اسمه عليها، وأضاف عبارة “الحمد لله” على بعض الدراهم، وعلى بعضها “محمدٌ رسول الله”، وفي عهد عثمان نَقَشَ على النقود كلمة “الله أكبر”، وأول من ضرب النقود في الإسلام: هو عبدالملك بن مروان رحمه الله، كما أشار إلى ذلك الطبري، وسبب ذلك: سوء العلاقات بينه وبين الروم في قصةٍ طويلةٍ، وأمر عبدالملك بأن يُكتب على النقود: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثم أصبحت الأوراق النقدية تُضرَب وتُسَكُّ إلى وقتنا الحاضر، وتُسمَّى بعدة أسماءٍ بحسب جهات الإصدار؛ فتسمى (ريالاتٍ)، وتسمى (دولاراتٍ)، وتسمى (دنانير)، وتسمى (يورو)، وتسمى (جنيهاتٍ).. إلى غير ذلك من الأسماء.

التوصيف الفقهي للأوراق النقدية

المقدم: أحسن الله إليكم شيخنا، وهذا البرنامج هو برنامجٌ في الفقه، ونستضيف فيه شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، ولا يزال الحديث في هذه الأوراق النقدية، وأنتقل الآن إلى الجانب الفقهي، ما التوصيف الفقهي لهذه الأوراق النقدية التي بأيدينا؟

الشيخ: هذه الأوراق النقدية لما خرجت في أول الأمر؛ اختلف فيها العلماء اختلافًا كثيرًا، اختلفوا في التكييف الفقهي لها:

  • فقال بعضهم: هي سنداتٌ بدَينٍ على جهة مُصْدِرها.
  • وقال آخرون: هي عَرْضٌ من العروض، إلا أنه لا يُباع منها حاضرٌ بمؤجلٍ.
  • وقال بعضهم: الأوراق النقدية مثل الفلوس، فما ثبت للفلوس من أحكامٍ؛ ثبت للأوراق النقدية، ويعنون بذلك الفلوس التي ذكرها الفقهاء.
  • وقال بعضهم: الأوراق النقدية بدلٌ لما استُعيضت عنه، وهما النقدان: الذهب والفضة؛ فيكون حكمهما حكم الذهب والفضة، ولكن هذا القول مبنيٌّ على القول بأن الأوراق النقدية مغطاةٌ غطاءً كاملًا بالذهب والفضة، وهذا ليس واقعًا الآن، الآن الأوراق النقدية ليست كلها مغطاةً بالذهب والفضة، ربما جزءٌ منها مغطًّى، لكن يبقى جزءٌ -وربما يكون الجزء الأكبر- غير مغطًّى.

ومن العلماء من ذهب إلى أن الأوراق النقدية نقدٌ قائمٌ بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وهو الذي استقرت عليه الفتيا في العالم الإسلامي، وهو الذي أقرته المجامع الفقهية والهيئات العلمية، وهو قول عامة العلماء المعاصرين اليوم، أن التكييف الفقهي للأوراق النقدية: أنها نقدٌ قائمٌ بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة، ويترتب على ذلك أحكامٌ:

أولًا: جريان الربا في هذه الأوراق، والعملة الورقية قد أصبحت ثمنًا، وتقوم مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تقوم الأشياء؛ إذنْ يجري فيها الربا، وتقوم فيه عِلَّة الثمنية كقيام الثمنية في الذهب والفضة؛ فإذنْ تأخذ أحكام النقود في جميع الالتزامات، وكذلك أيضًا يترتب على هذا: أنه لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعضٍ أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى؛ من ذهبٍ أو فضةٍ أو غيرهما نسيئةً مطلقًا، فلا يجوز بيع ريالٍ سعوديٍّ بدولارٍ من غير تقابضٍ، لا يجوز بيع ريالٍ سعوديٍّ بعملةٍ أخرى عمومًا نسيئةً بدون تقابضٍ، ولا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعضٍ متفاضلًا؛ لا يجوز مثلًا: بيع مئة ريالٍ سعوديٍ بمئةٍ وعشرةٍ مثلًا، حتى ولو كان ذلك يدًا بيدٍ بالتفاضل، لكن يجوز بيع بعضه ببعضٍ من غير جنسه مطلقًا بشرط التقابض، فيجوز مثلًا بيع الريالات بالدولارات، لكن بشرط التقابض، يجوز بيع الريالات بالجنيهات بشرط التقابض، وتجب الزكاة في الأوراق النقدية إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من الذهب والفضة.

هل الريال الورقي له حكم الريال المعدني؟

المقدم: لكن -أحسن الله إليكم- قبل الحديث عن الزكاة -إن أذنتم- في مسألة الربا، إذنْ نقول: إن الريالات مثلًا في السعودية، هذا نقدٌ مستقلٌّ بذاته، الدولارات نقدٌ مستقلٌّ، الدينار مثلًا الكويتي نقدٌ مستقلٌّ، وهكذا، إذا وقع التبايع بالريالات، لكن ما يسمى بـ”القرش” هذا، أو المعدنية مع الريالات الورقية هل تأخذ نفس الحكم؟

الشيخ: هذه محل خلافٍ بين العلماء المعاصرين، والأقرب -والله أعلم- أنه لا فرق بين الريال الورقي والمعدني؛ لأن القوة الشرائية لهما واحدةٌ، فالقوة الشرائية للريال المعدني هي نفسها القوة الشرائية للريال الورقي، لا فرق بينهما، إلا أن مادة هذا الورق ومادة هذا المعدن الذي يظهر: أنه لا فرق بين الريال الورقي وبين الريال المعدني.

حكم العملة إذا اتحد المسمَّى واختلف البلد المُصْدِر

المقدم: إذا اتحد المسمى ولكن اختلف البلد المُصْدِر؛ مثل: الدينار الكويتي يُباع بالدينار من بلدٍ آخر، هل يختلف الحكم؟ هل نعتبرها جنسًا واحدًا؟ أم تبقى أجناسًا مختلفةً؛ لأن البلد المُصدِر مختلفٌ؟

الشيخ: تبقى أجناسًا، إذا كانت العملة من بلدٍ؛ تُعتبر جنسًا، بغض النظر عن الاسم؛ فمثلًا: ريالٌ وريالٌ، يعني: ريالٌ سعوديٌّ، وريالٌ قطريٌّ أو يمنيٌّ، هذا جنسٌ وهذا جنسٌ، دينارٌ كويتيٌّ، دينارٌ أردنيٌّ، هذا جنسٌ وهذا جنسٌ، فيكون جنسًا باعتبار بلد المَنشأ، فإذا اختلف بلد المنشأ؛ تكون قد اختلفت الأجناس.

حكم شراء العملة القديمة بأغلى من ثمنها

المقدم: هنا أيضًا من الأمور التي وقعت في زماننا وكثر السؤال عنها: مَن يشتري العملة التي تكون قديمةً، بعض العملات من نفس البلد ولكنها أصبحت شيئًا من التراث، فيشتريها بأغلى من ثمنها، فما حكم ذلك؟

الشيخ: إذا أصبحت العملة تُراثيةً ولا يَتعامل بها الناس؛ يعني أُبطل التعامل بها وأصبحت تُراثيةً؛ هذه تُصبح مثل بقية السلع، لا يُشترط فيها هذه الشروط، تباع بأيِّ قيمةٍ، ولا يُشترط لها التقابض، تُصبح كأنها إناءٌ أو أي سلعةٍ من السلع؛ لأنه بطل اعتبارها ثمنًا، وبطل اعتبارها نقدًا، فأصبحت عَرْضًا من العُروض، وسلعةً من السلع.

المقدم: إذا كان التعامل بها لازال باقيًا.

الشيخ: إذا كان التعامل بها لازال باقيًا؛ فهذه يُشترط فيها الأحكام التي ذكرنا، إذا لم يبطل التعامل بها؛ يُشترط فيها الأحكام التي ذكرنا.

حكم الزكاة في الأوراق النقدية

المقدم: أحسن الله إليكم.

أيضًا كذلك شيخنا مما يتصل بهذا الجانب: ما يتعلق بوجوب الزكاة في هذه الأوراق النقدية، هل فيها زكاةٌ ابتداءً أم لا؟ وإذا قلنا بالزكاة فيها؛ فما النصاب المقدَّر فيها شرعًا؟ وما القدر الواجب إخراجه؟

الشيخ: نعم، هذه الأوراق النقدية يجب أن تُزكَّى إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول.

أما النصاب: فنصاب الذهب: عشرون مثقالًا، ويعادل (85 جرامًا)، ونصاب الفضة: مئتا درهمٍ، ويعادل (595 جرامًا).

والأقرب في تقديري: نصاب الأوراق النقدية: أنها تُقدَّر بأدنى النصابين من الذهب أو الفضة، هذا هو الذي أقره “مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي”، وأيضًا “هيئة كبار العلماء” في المملكة العربية السعودية، وهو الذي عليه أكثر العلماء المعاصرين: أن نصاب الأوراق النقدية يُقدَّر بأدنى النصابين من الذهب أو الفضة؛ وذلك لأنه هو الأقرب للتعامل في عهد النبي ، فإن معظم تعاملات الناس في عهد النبوة كانت بالدراهم وليست بالدنانير، ولكونه أيضًا هو الأحظُّ للفقراء والمساكين، والأبرأُ للذمة.

وفي الوقت الحاضر أصبحت الفضة أرخص بكثيرٍ من الذهب؛ وعلى هذا: يكون نصاب الأوراق النقدية في الوقت الحاضر: هو نصاب الفضة، ونصاب الفضة نحن ذكرنا أنه مئتا درهمٍ، يعني (595 جرامًا)، معنى ذلك: ننظر؛ جرام الفضة كم يساوي؟ ونضربه في (595)، فلا يمكن تحديد رقمٍ معينٍ بنصاب الورق النقدي؛ لاختلاف سعر الفضة وتفاوته من يومٍ إلى يومٍ، بل أحيانًا يتفاوت في الساعة، خلال ما بين ساعةٍ وساعةٍ يتفاوت سعر الذهب والفضة.

لكن هناك مواقع على الشبكة العالمية على الإنترنت تُعطي سعر الجرام من الذهب والفضة على مدار الساعة، فيُؤخذ منها سعر الجرام من الفضة، ويُضرَب في (595 جرامًا)؛ فيخرج مقدار نصاب الأوراق النقدية، وبذلك نستطيع أن نُحدِّد نصاب الورق النقدي.

وهناك من العلماء المعاصرين من قال: إن نصاب الأوراق النقدية يُحدَّد بالذهب، لكن هذا قولٌ مرجوحٌ؛ لأن غالب تعاملات الناس في عهد النبي ، كانت بالدراهم التي هي من الفضة، وليس من الذهب؛ ولهذا فالأقرب: هو التحديد بالفضة، وهو أيضًا الأحظُّ للفقراء والمساكين.

أُنبِّه هنا أيضًا إلى قضيةٍ متعلِّقةٍ بزكاة الأوراق النقدية: وهي أن الأوراق النقدية إذا بلغت نصابًا وحال عليها الحول وهي عند الإنسان؛ فتجب فيها الزكاة، بغض النظر عن الشيء الذي ادُّخِرَت من أجله، حتى لو ادَّخرها الإنسان لأجل زواجٍ وحال عليها الحول تجب فيها الزكاة، ادَّخرها لأجل بناء مسكنٍ وحالٍ عليها الحول؛ تجب فيها الزكاة، ادَّخَرها لأجل نفقةٍ وحال عليها الحول وقد بلغت النصاب؛ تجب فيها الزكاة، مادام أنها قد بلغت نصابًا وحال عليها الحول؛ فتجب فيها الزكاة؛ ولذلك من كان عنده رصيدٌ في البنك وبلغ النصاب -والنصاب تقريبًا في هذه الأيام: ألفٌ وخمسمئة ريالٍ، وربما يزيد أو ينقص عن هذا الرقم- ومضى عليه سنةٌ كاملةٌ؛ يجب عليه أن يُزكِّي هذا المبلغ، يُزكِّي هذا الرصيد.

فبعض الناس يغفل عن هذا، فتجد أن عنده رصيدًا في البنك ولا يُزكِّي، يقول: الزكاة على التجار، أنا ماذا عندي، مادام قد بلغ نصابًا وحال عليه الحول؛ ففيه الزكاة، فالواجب أن تُخرج ربع العشر (2.5%).

طريقة حساب مقدار الزكاة

المقدم: أحسن الله إليكم، وأذكر أن لكم طريقةً في هذا بعمليةٍ حسابيةٍ يسيرةٍ يستطيع أن يعرف ربع العشر.

الشيخ: نعم، أي مبلغٍ نقديٍّ تريد معرفة مقدار زكاته، اقسمه على (40)، اقسم المبلغ النقدي على أربعين؛ يخرج لك ربع العشر؛ فعلى سبيل المثال: أربعون ألفًا، إذا قسمناها على أربعين؛ الناتج كم؟ ألف ريالٍ، ففي الأربعين ألفًا: ألفٌ، في الثمانين ألفًا: ألفا ريالٍ، في مئة ألفٍ: ألفان وخمسمئةٍ.

القاعدة في هذا: أي مبلغٍ نقديٍّ تريد معرفة زكاته: اقسمه على (40)؛ يخرج لك مقدار الزكاة.

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم شيخنا.

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام هذه الحلقة، وقد أخذنا جملةً من المسائل والأحكام المتعلِّقة بالأوراق النقدية، أتقدم بالشكر الجزيل لضيفنا الدائم فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، على هذا الطرح الماتع والمفيد، شكر الله لكم شيخنا.

الشيخ: وشكرًا لكم وللإخوة المستمعين.

المقدم: كما أشكر أيضًا من قام بتسجيل هذه الحلقة.

إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله ، ومع موضوعٍ فقهيٍّ جديدٍ، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 6094، ومسلم: 2607.
^2 رواه مسلم: 1605.
^3 رواه أحمد: 12567.
^4, ^5 رواه البخاري: 2079، ومسلم: 1532.
^6 سبق تخريجه.
^7 رواه البخاري: 13، ومسلم: 45.
مواد ذات صلة
zh