logo
الرئيسية/برامج إذاعية/مجالس الفقه/(11) برنامج مجالس الفقه- الأوراق المالية والشركات المساهمة

(11) برنامج مجالس الفقه- الأوراق المالية والشركات المساهمة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).

(مجالس الفقه) برنامجٌ يُذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، نتحدث فيه عن المواضيع الفقهية وبعض المسائل وما يدور في فلك الفقه.

باسمي وباسمكم جميعًا أرحب بضيفنا الدائم، فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية، فمرحبًا بكم شيخنا.

الشيخ: أهلًا، حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.

الأوراق المالية

المقدم: أحسن الله إليكم.

شيخنا، في هذه الحلقة سيكون الحديث -بإذن الله ​​​​​​​– عن موضوعٍ مهمٍّ: وهو ما يتعلق بالأوراق المالية، نأخذ شيئًا من أحكامها والمسائل التي تُهِمُّ المسلم فيها، لكن قبل ذلك نحتاج لأن نعرف ما المراد بالأوراق المالية وما تعريفها.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فالأوراق المالية: هي صكوكٌ تُمثِّل مبالغ نقديةً أو أصولًا عينيةً قابلةً للتداول بالطرق التجارية، وتُمثِّل حقًا للمساهمين أو المقترضين.

وهذه الأوراق أبرزها: الأسهم والسندات، لكنها لا تنحصر في هذا، بل تشمل أيضًا وحدات الصناديق الاستثمارية، والصكوك، وحقوق الأولوية، ونحو ذلك، فهذا المصطلح إذا قيل: “أوراق مالية”؛ يشمل هذا، يشمل: الأسهم والسندات ووحدات الصناديق والصكوك ونحو ذلك.

الفرق بين الأوراق المالية والأوراق النقدية

المقدم: إذنْ مصطلح الأوراق المالية يختلف عن مصطلح الأوراق النقدية، بينهما فرقٌ؟

الشيخ: نعم، يختلف عن مصطلح الأوراق النقدية، وعن مصطلح الأوراق التجارية، فعندنا: أوراقٌ ماليةٌ، وأوراقٌ نقديةٌ، وأوراقٌ تجاريةٌ، وهذه كلها سنتكلم عنها بالتفصيل إن شاء الله بحلقات هذا البرنامج، والمتابِع لحلقات هذا البرنامج سيحصل على نبذةٍ عن كل واحدةٍ من هذه الأوراق إن شاء الله تعالى.

المراد بالأسهم والسندات

المقدم: أحسن الله إليكم، ذكرتم قبل قليلٍ: أن مصطلح “الأوراق المالية” يندرج تحته الأسهم والسندات، وهذا يقودنا إلى أن نعرف ما المراد بالأسهم، وما المراد بالسندات.

الشيخ: الأسهم: هي صكوكٌ تُمثِّل حصصًا في رأس مال شركةٍ متساوية القيمة، غير قابلةٍ للتجزئة، وقابلة للتداول بالطرق التجارية، وتُمثِّل حقوق المساهمين في الشركات التي أسهموا في رأس مالها؛ وبهذا يتبيَّن: أن هذه الأسهم من خصائصها: أنها متساوية القيمة، وتُشكِّل -في مجموعها- رأس مال الشركة، وتَساوي قيمتها يقتضي تساوي الحقوق بين المساهمين، وأيضًا تَساوي مسؤولية الشركاء، وأيضًا عدم قابلية السهم للتجزئة، وقابلية السهم للتداول، هذه هي الأسهم، وهي الآن أصبحت معروفةً ومشهورةً، ولها أسواقٌ خاصةٌ بها.

أما بالنسبة للسندات: فهي ما يُعرف للجمهور بغرض استثمار رءوس أموالهم فيها مقابل فائدةٍ نِسْبِيَّةٍ مضمونةٍ، فهذا هو تعريفها الاقتصادي، لكن باعتبارها ورقةً من الأوراق المالية، السند: صَكٌّ يتضمَّن تعهُّدًا من المصرف أو الشركة أو نحوهما لحامله بسداد مبلغٍ مقرَّرٍ في تاريخٍ معينٍ نظير فائدةٍ؛ بسبب قرضٍ عقدته شركةٌ أو هيئةٌ قد تحتاج إلى مالٍ لتوسيع أموالها.

ويُلاحظ أن السندات -بهذا التعريف- لا تنفَكُّ عن الفائدة الربوية، فلو وُجدت بدون فائدةٍ ربويةٍ؛ لكانت قرضًا حسنًا، لكن القرض الحسن غير واردٍ في الجملة بتعاملات المصارف، فالمصارف مؤسساتٌ ربحيةٌ، وليست جمعياتٍ خيريةً، فالقرض الحسن غير واردٍ في الجملة ومن حيث الأصل.

المقدم: أحسن الله إليكم، إذنْ يُفهَم من ذلك أن حقيقة السندات: أنها قرض بفائدةٍ؟

الشيخ: نعم، السندات -بصيغتها المعروفة- قرضٌ بفائدةٍ، ولها بدائل سنتكلم عنها بعد قليلٍ.

المقدم: وبناءً على ذلك: ما الحكم الشرعي لهذه السندات؟

الشيخ: السندات مادام أننا قلنا في تكييفها: إنها لا تنفَكُّ عن الفائدة الربوية، فهي محرمةٌ باتفاق عامة العلماء المعاصرين؛ وذلك لأنها مشتملةٌ على فائدةٍ ربويةٍ، والقرض بفائدةٍ محرمٌ بإجماع العلماء، نقل الإجماع غير واحدٍ من أهل العلم؛ وعلى هذا: السندات التي تكون بقروضٍ مباشرةٍ مع فوائد ربويةٍ هذه محرمةٌ، لكن في الآونة الأخيرة اتجهت المصرفية الإسلامية إلى إيجاد بدائل لهذه السندات؛ وذلك بإيجاد صكوكٍ منضبطةٍ بالضوابط الشرعية تُؤدِّي الغرض الذي من أجله تنشأ السندات؛ مثل: صكوك الإجارة، وصكوك المضاربة، وصكوك المشاركة، ونحو ذلك.

فإذنْ الصكوك هي البديل المباح للسندات المحرمة، كما ذكرنا في الحلقة السابقة: أن المحرم يُوجَد له بدائل، خاصةً في أبواب المعاملات، في أبواب المعاملات دائرة الحلال أو دائرة المباح واسعةٌ، المحرم محدودٌ، الأصل في المعاملات الحِلُّ والإباحة؛ ولهذا عندما نقول في أبواب المعاملات: إن هذه المعاملة محرمةٌ، ففي الغالب يوجد لها بديلٌ مباحٌ، فهذه السندات قلنا: إنها محرمةٌ؛ لأنها قرضٌ بفائدةٍ، لكن المصرفية الإسلامية في الوقت الحاضر أَوجَدَت بدائل لها بالصكوك التي تكون بصيغةٍ من الصيغ الجائزة شرعًا؛ مثل: صكوك المضاربة، وصكوك الإجارة، وصكوك المشاركة، ونحو ذلك.

المقدم: لكن -أحسن الله إليكم- في صورة البديل الشرعي، وهو الصكوك، كيف تكون طبيعة المعاملة هنا؟

الشيخ: تكون طبيعة المعاملة بطبيعة هذه الصكوك، يعني تبعًا لطبيعة هذه الصكوك؛ إذا كانت مضاربةً؛ تكون بضوابط المضاربة في الفقه الإسلامي، إذا كانت صكوك إجارةٍ؛ تكون بضوابط الإجارة في الفقه الإسلامي، إذا كانت بالمشاركة؛ تكون بضوابط المشاركة في الفقه الإسلامي، وهكذا.

والمؤسسات العلمية في العالم الإسلامي قامت بجهودٍ مشكورةٍ في وضع ضوابط لهذه الصكوك، المجامع الفقهية، والهيئات العلمية، وضعت ضوابط لهذه الصكوك، والآن تعمل بها الهيئات الشرعية في المصارف.

مصطلح: (الشركات المساهمة)

المقدم: أحسن الله إليكم.

أيضًا مما يتصل بهذا الموضوع شيخنا، وهذا مصطلحٌ أصبح دارجًا ومنتشرًا الآن، ولا يكاد ينفكُّ عنه الناس: وهو ما يعرف بـ”الشركات المساهمة”، هذه الشركات المساهمة كثيرةٌ ومتنوعةٌ، وموجودةٌ في أسواقنا المحلية والعالمية، ما المراد بها، وما تعريفها؟ وهل لها أهميةٌ في زماننا على الناحية الاقتصادية؟ وأثر ذلك على الحكم الشرعي الذي سنتكلم عنه بعد قليلٍ؟

الشيخ: الشركات المساهمة: هي الشركات التي لها رأس مالٍ مقسَّم إلى أسهمٍ متساويةِ القيمة، قابلةٍ للتداول، وغير قابلةٍ للتجزئة، ويكون لكل شريكٍ بحسب ما وضع من أسهمٍ، ولا يكون مسؤولًا إلا بمقدار ما وضع من أسهمٍ في الشركة، وهذه الشركات المساهمة تقوم بدورٍ كبيرٍ وفاعلٍ في المجال الاقتصادي، بل إن بعض الاقتصاديين عدَّها العمود الفقري للحياة الاقتصادية وقاعدةَ الصناعة والتجارة في الوقت الحاضر.

والأسهم -بمعناها الدارج الآن- لم تكن معروفةً من قبل، هي وليدة النهضة الصناعية الكبرى التي رافقت ظهور الآلة وبروز الشركات الكبرى في الإنتاج؛ وذلك أن المشروعات الضخمة، المشروعات التجارية والصناعية والزراعية، بدأت تنزِعُ لتضخيم رأس مالها؛ بُغية الحصول على أكبر قدرٍ من الإنتاج بأقل كلفةٍ ممكنةٍ، وهذه المشاريع الضخمة تعجز عنها الجهود الفردية، ويعجز عنها رأس المال الفردي في الغالب؛ لزيادة كلفتها، فتقوم بذلك الشركة، فأَسْهَمَ إصدار الأسهم وتكوين الشركات المساهمة في النمو الاقتصادي في كثيرٍ من بلدان العالم.

وتمتاز هذه الشركات المساهمة بمميزاتٍ؛ من أبرزها:

  • أولًا: أنه يمكن عن طريقها تجميع رءوس أموالٍ ضخمةٍ من مساهَماتِ صغار المستثمرين، فتقوم تلك الشركات بمشاريع كبيرةٍ في المجتمع؛ من تشييد المنشآت الضخمة، وإنشاء المصانع والمشاريع التجارية والصناعية والخدمية والزراعية ونحو ذلك، والتي يصعب تمويلها بأي طريقةٍ أخرى؛ ولهذا فإن صيغة الشركات المساهمة يقولون: هي من أهم المخترعات المالية الحديثة.
  • أيضًا تقوم هذه الشركات على استثمار الأموال دون حاجةٍ لوجود أصحابها؛ مما يسمح للكثيرين بالمشاركة فيها مع احتفاظهم بعملهم الأصلي؛ مما أدى إلى سهولة تداول الأموال.
  • وأيضًا تمتاز بزيادة الثروة الاقتصادية العامة؛ لأنه عندما تتدفق أموال الناس إلى الشركات المساهمة يستفيد منها المساهمون أولًا؛ حيث تزيد دخولهم بقدر زيادة الأرباح الناتجة من رواج الإنتاج والاستهلاك، ويستفيد منها الاقتصاد العام للبلد، فتخرج الأموال المعطلة لتجد سبيلها بواسطة هذه الشركات إلى المنتجين الذين يستثمرونها في مشاريع تعود بالنفع العام على البلد، فيكثر الإنتاج ويتحسن، وتكثر البضائع والسلع؛ ولهذا فإن فكرة الشركات المساهمة كان لها دورٌ كبيرٌ جدًّا في النهضة الصناعية والتجارية التي يعيشها العالم اليوم.

المقدم: أحسن الله إليكم.

نأتي إلى ما يهمنا في هذه الحلقة، وهو ما يتعلق بالجانب الفقهي: ما التوصيف الفقهي لحقيقة هذا السهم إذا تملَّكه الإنسان؟

الشيخ: الشركة المساهمة هي مجموعة أسهمٍ، السهم حقيقته: حصةٌ في رأس مال الشركة، ومجموع الأسهم يشكِّل الشركة؛ فمثلًا: هذه الشركة، شركة (أ)، فيها مليون سهمٍ، كل مساهمٍ يُعتبر أحد مُلَّاك الشركة، بعض الناس مثلًا يملك سهمًا واحدًا، بعضهم يملك عشرة أسهمٍ، بعضهم مئة سهمٍ، بعضم ألف سهمٍ، بعضهم أكثر، فمن مُلَّاك هذه الشركة؟ مُلَّاكها هم هؤلاء المساهمون، والسهم: هو حصةٌ في رأس مال هذه الشركة.

والشركة في الفقه الإسلامي مبناها عن الوكالة، فالشريك وكيلٌ عن صاحبه بالتصرف، ولهذا فإن تصرُّفَ كل واحدٍ من الشريكين أو الشركاء يَنفُذ في الشركة بحكم المِلك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه.

المقدم: إذنْ هي حصةٌ مُشاعَةٌ.

الشيخ: حصةٌ مشاعةٌ في رأس مال شركةٍ.

حكم الدخول في الشركات المساهمة

المقدم: أحسن الله إليكم، مما يتصل بهذا الموضوع: ما يتعلَّق بحكم دخول الإنسان في هذه الشركات المساهمة وتملُّك أسهمها.

الشيخ: هذه الشركات المساهمة -أولًا من حيث تكييفها الفقهي- لا تخلو من حالين:

  1. إما أن نقول: إنها شركة عِنَانٍ، إذا قلنا: إن مجلس الإدارة يأخذ مكافئةً (أجرةً) ولا يكون مساهمًا؛ لأن مجلس الإدارة يعمل بالوكالة عن جميع الشركاء، فتكون شركة عنانٍ.
  2. وإما أن نقول: إنها شركة عِنانٍ ومضاربةٍ، إذا قلنا: إن مجلس الإدارة يجب أن يكون مساهمًا ويأخذ مكافأته بنسبةٍ من الربح؛ لأن مجلس الإدارة سيتكفَّل بالعمل في مقابل نصيبٍ من الربح.

وأما بالنسبة لحكم الدخول في هذه الشركات: فسواءٌ كان في تملُّك أسهمها أو في تداول أسهمها، الأصل في الشركة المساهمة الخالية من الربا والأمور المحرمة: أنها جائزةٌ شرعًا.

ويمكن تقسيم الشركات المساهمة -من حيث طبيعة العمل الذي تقوم به- إلى ثلاثة أقسامٍ:

  • القسم الأول: أن يكون العمل الذي تمارسه الشركة مباحًا، فلا تتعامل بالربا إقراضًا ولا اقتراضًا، بل منضبطةً بالضوابط الشرعية في جميع تعاملاتها؛ كأن تكون شركةً زراعيةً أو صناعيةً أو تجاريةً، أو نحو ذلك، فهذا النوع من الشركات لا بأس بتملُّك وتداول أسهمها، ويسميها بعضهم بـ”الأسهم النقية”، أو “أسهم الشركات التي خلت قوائمها المالية من التعاملات المحرمة”.
  • مقابل هذا النوع من الشركات: الشركات التي يكون العمل الذي تُمارسه محرمًا؛ مثل: شركات تصنيع الخمور، ونحو ذلك، فهذه تحرم المساهمة فيها، يحرم تملُّك أسهمها وتداولها، وهذا باتفاق العلماء.
  • القسم الثالث: أن يكون العمل الذي تقوم به الشركة في الأصل مباحًا، لكن هذه الشركة تتعامل بأمورٍ محرمةٍ؛ مثل: الاقتراض أو الإقراض الربوي، فيكون عندها قروضٌ ربويةٌ، أو يكون عندها إيراداتٌ محرمةٌ؛ مثل: العمل في تجارةٍ أو صناعةٍ أو زراعةٍ، أو نحو ذلك من التعاملات المباحة، ولكن يكون لديها قروضٌ ربويةٌ، أو يكون لديها إيراداتٌ محرمةٌ، هذا النوع من الشركات يسمى: “الشركات المختلطة”، في الأصل تعاملها مباحٌ، هي شركةٌ زراعيةٌ، شركةٌ صناعيةٌ، شركةٌ تجاريةٌ، لكن لديها قروضٌ ربويةٌ، لديها إيراداتٌ محرمةٌ، فهل يجوز تملُّك أسهمها، وهل يجوز تداول أسهمها أو لا يجوز؟ في هذا قولان مشهوران للعلماء المعاصرين:
    * فمن العلماء المعاصرين من قال: إنه يجوز بشرط أن يتخلَّص المساهم من القدر المحرم، وهذا القول ذهبت إليه عامة الهيئات الشرعية في المصارف، على خلافٍ بينهم في تحديد نسبة القرض الربوي، وتحديد نسبة الإيراد المحرم.
    * القول الثاني: تحريم المساهمة في هذه الشركات مطلقًا، سواءٌ كان بتملُّك أسهم هذه الشركات أو بتداولها، وهذا ذهبت إليه المجامع الفقهية.

القائلون بالجواز استدلوا بعدة أدلةٍ ترجع لأمرين:

  • الأمر الأول: الاستدلال ببعض القواعد التي ذكرها الفقهاء؛ مثل: قاعدة “إذا اختلط الحلال بالحرام وكان المحرَّم محرَّمًا لكسبه؛ لم يحرم الجميع”، وقاعدة: “يَثبُت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا”، وقاعدة: “للأكثر حكم الكل”، هذه القواعد تدل على أن المعوَّل عليه عند اختلاط الحلال بالحرام هو الأكثر، فيقول أصحاب هذا القول: هذا النوع من الشركات نسبة الحرام فيها قليلةٌ مقارنةً بالمباح؛ فيكون الحكم للأكثر، وهو المباح، قالوا: والنبي كان يتعامل مع اليهود، وقد ذكر الله تعالى أنهم أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة:42]، واختلطت أموالهم الحلال بالحرام، ومع ذلك كان النبي يُبايعهم ويشتري منهم [1]، ويقبل منهم الهدية [2]، ولما دعوه لوليمةٍ؛ أجاب دعوتهم [3]، مع أن أموالهم مختلطةٌ .
  • ودليلهم الثاني: قالوا: إن هذه الشركات المساهمة تقوم بأعمالٍ كبيرةٍ وتُشكِّل عنصرًا اقتصاديًّا مهمًّا، فلا غنًى للأُمَّة عنها؛ مثل مثلًا: شركات الكهرباء والإسمنت والألبان والاتصالات ونحو ذلك، هي تقوم بأعمالٍ مهمةٍ للمجتمع، ولو قيل بعدم جواز الدخول في هذه الشركات؛ لتعطلت مصالح الناس، فعموم البلوى يقتضي القول بالجواز مع التطهير.

وأما أصحاب القول الثاني، القائلون بالتحريم، فيقولون: إن المساهم يُعتبر أحد مُلَّاك هذه الشركة، فجميع أعمال الشركة تُنسب إليه؛ لأنه -كما ذكرنا- السهم يُمثِّل حصةً شائعةً في رأس مال الشركة، وجميع الأسهم تُشكِّل رأس مال هذه الشركة، وأعمال أي مؤسسةٍ أو شركةٍ تُنسَب إلى مُلَّاكها، ومادام هذا المساهم هو أحد مُلَّاك هذه الشركة؛ فتُنسب له أعمال هذه الشركة، ومنها: التعاملات المحرمة من القرض الربوي، ونحو ذلك، فيكون هذا المساهم قد تعامل بالمحرم بطريق الوكالة.

والأقرب والله أعلم: هو القول الثاني؛ لقوة دليله، ولأنه هو الأحوط والأبرأ للذمة، لكن تبقى المسألة اجتهاديةً، والقول الأول أيضًا قال به علماء كبارٌ، وقال به أيضًا بعض مؤسسات الفتوى في العالم الإسلامي، فيبقى القول الأول له اعتباره، وتكون هذه المسألة اجتهاديةً، لكن من أخذ بالقول الأول ودخل في أسهم الشركات المختلطة؛ لا بد من مراعاة التطهير، وهو أن يقوم بالتطهير، وذلك بمعرفة القدر المحرَّم على السهم، ثم يضربه في عدد الأسهم، ويتصدق به في وجوه البر بنية التخلص.

المقدم: أحسن الله إليكم، هذا التقسيم الجميل -شيخنا- يقودنا إلى سؤالٍ: وهو أن المتعامل البسيط، الذي يدخل في المساهمة في هذه الشركات، كيف له أن يعرف هذه الشركة هل هي من القسم الأول أو الثاني أو الثالث، وما الطريقة في ذلك؟

الشيخ: هناك بعض القوائم التي تُفصِح عن هذا؛ وذلك بأن تقرأ القوائم المالية للشركة، قوائم لبنوكٍ، وقوائم لشركاتٍ، وقوائم حتى لبعض طلبة العلم، فبإمكان من يريد الدخول في هذه الشركات ومعرفة واقع الشركة؛ أن يدخل لهذه القوائم وينظر؛ فإذا كانت نسبة التطهير صفرًا، يعني: لا يوجد لديها قروضٌ، أو قال: نسبة التطهير صفرٌ؛ معنى ذلك: أنها من الشركات التي تسمى “الشركات النقية”، أو التي خَلَت قوائمها المالية من التعاملات المحرمة، لكن إذا قيل: نسبة التطهير كذا؛ فمعنى ذلك: أنها من الشركات المختلطة.

حكم الدخول في شركات الأسهم الخارجية

المقدم: أحسن الله إليكم.

هناك نوعٌ من التعاملات بدأ يتعامل به كثيرٌ من الناس في وقتنا المعاصر: وهو الدخول في شركات الأسهم، ولكن ليست المحلية، وإنما الخارجية، بعضها أسهمٌ لشركاتٍ في بلدانٍ غير إسلاميةٍ، فما الحكم في مثل هذا التعامل؟

الشيخ: على المسلم أن يحرص على مسألة الحلال والحرام، والشركات التي عندنا ربما داخل المملكة العربية السعودية كثيرٌ منها عندها لجانٌ شرعيةٌ، ويمكن للإنسان أن يعرف واقعها، وهل عندها قروضٌ ربويةٌ أو نحو ذلك بسهولةٍ، لكن مثل شركات الأسهم الدولية ربما يكون فيها صعوبةٌ في معرفة هل هي من الشركات النقية أم لا؛ لذلك لا بد من التأكد من كونها من الشركات النقية؛ فلذلك التعامل بهذه الأسهم يحتاج إلى مزيد عنايةٍ ممن يتعامل، لكن قد يوجد هناك بعض القوائم التي تُصنِّف حتى هذه الشركات الدولية، وتُبيِّن ما لديها من قروضٍ، فإذا دخل الإنسان ووجد أنها ليس لديها قروضٌ -وربما يكون هذا قليلًا بالنسبة للشركات العالمية- هنا يجوز له الدخول فيها باتفاق العلماء، إذا كان لديها قروضٌ أو إيراداتٌ محرمةٌ؛ فهنا لا بد من التطهير عند مَن يُجيز ذلك، المجيزون لذلك يشترطون التطهير؛ وذلك بالتخلص من القدر المحرم.

زكاة الأسهم

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم.

شيخنا أيضًا من المسائل المهمة المتعلِّقة بالشركات المساهمة، ويكثر السؤال عنها حقيقةً: مالك السهم، كيف يُزكِّي هذا السهم إذا حال عليه الحول؟

الشيخ: هذه الأسهم الأصل أن فيها الزكاة، وأنه تجب زكاة الأسهم على أصحابها، هذا من حيث الأصل، لكن المساهم لا يخلو؛ إما أن يكون متاجرًا، ويسميه بعضهم مضاربًا أو مستثمرًا، فإن كان متاجرًا مضاربًا بهذه الأسهم يبيع ويشتري فيها، فيجب عليه أن يُزكِّيها؛ وذلك بأن ينظر إلى القيمة السوقية في المحفظة عند تمام الحول، ويُخرج ربع العشر (2.5%)، فينظر مثلًا متى افتتح هذه المحفظة؟ افتتحها مثلًا في منتصف رجبٍ، فإذا كان منتصف رجبٍ من العام الذي بعده؛ يدخل لهذه المحفظة، وينظر إلى قيمتها السوقية ويُزكِّيها، يُخرج (2.5%)، هذا إذا كان مضاربًا يبيع ويشتري فيها.

المقدم: أحسن الله إليكم، هنا في هذه الجزئية يحسب ذلك إذا كان بمجرد دخوله بهذا المال قد بلغ نصابًا؟

الشيخ: إذا كان قد بلغ نصابًا، الغالب من يدخل في مضارباتِ الأسهم أنه يكون قد بلغ نصابًا في الغالب، النصاب تقريبًا أقل من ألفٍ وخمسمئة ريالٍ، في الغالب أن الذين يدخلون في مضاربات الأسهم بمبالغ أكثر من هذا بكثير.

أما المستثمر الذي يريد الإفادة من رَيع هذه الأسهم وأرباحها فقط، ولا يضارب بها، أو أنه اشترى هذه الأسهم وتركها، أو أنه مثلًا كان يُضارب فيها ثم رأى أنها خسرت فتركها، ومضى على ذلك سنةٌ فأكثر، فإن كانت الشركة تُزكِّي -كما هو عليه الحال عندنا في المملكة العربية السعودية- فتكفي زكاة الشركة، ولا يلزم المساهم في هذا الحال أن يُزكِّي؛ لأن المال لا يُزكَّى مرتين.

أما إذا كانت الشركة لا تُخرِج الزكاة -كما هو الحال في كثيرٍ من الشركات المساهمة التي هي خارج المملكة العربية السعودية- فهنا يلزم المساهِم أن يُزكِّي؛ وذلك بأن يسأل المَعنِيِّين في الشركة عن مقدار الوعاء الزَّكَوي للسهم، ويضربه في عدد الأسهم.

فإذنْ نُلخِّص الكلام في زكاة الأسهم:

نقول: لا يخلو أن يكون المساهم مضاربًا أو مستثمرًا؛ فإن كان متاجرًا -أي مضاربًا يبيع ويشتري في هذه الأسهم- فهنا يلزمه الزكاة، بغض النظر عن زكاة الشركة؛ وذلك بأن ينظر للقيمة السوقية للمحفظة عند تمام الحول ويُخرج ربع العشر (2.5%).

أما إذا كان مستثمرًا لا يبيع ويشتري فيها، وإنما تركها؛ فهنا إن كانت الشركة تُزكِّي -كما هو عليه الحال عندنا في المملكة- فتكفي زكاة الشركة، أما إذا كانت الشركة لا تُزكِّي؛ فيَسأل عن مقدار الوعاء الزَّكَوي للسهم، ويضربه في عدد الأسهم ويُخرج الزكاة.

بقي أن يقال: إذا كانت الشركة تُزكِّي، لماذا لا نخصم هذه الزكاة بالنسبة للمضارب، وهذا في الحقيقة سؤالٌ وجيهٌ، لكن لو أمكن معرفة عدد الأيام التي بقي فيها هذا المضارب في هذه الشركة، وخُصمت من مقدار الزكاة؛ فيُمكن هذا، لكن هذا فيه صعوبةٌ، يعني يعرف الإنسان عدد الأيام التي بقي فيها في هذه الشركة، وينظر إلى مقدار زكاة هذه الشركة، ويَخصم ما يُقابل عدد هذه الأيام من زكاة هذه الشركة، فيمكن هذا، لكن هذا فيه صعوبةٌ؛ لأن المضارب يبيع ويشتري ولا يبقى مدةً طويلةً؛ يومًا أو يومين أو ثلاثةً، أو أسبوعًا أو أسبوعين، يدخل يبيع هذه الشركة ويشتري شركةً أخرى، فهذا فيه صعوبةٌ، لكن لو أمكن ضبطه؛ فيمكن أن يُخصم عدد الأيام التي بقي فيها هذا المضارب، يخصم زكاتها من زكاته هو.

المقدم: يعني يُقصد هنا يا شيخنا: إذا وافق بقاؤه في وقت إخراج الشركة للزكاة، أم على سبيل العموم؟

الشيخ: على سبيل العموم، يعني مثلًا: هذا الشخص بقي في هذه الشركة مدة شهرٍ، ثلاثين يومًا، ثم باعها، وهو يبيع ويشتري، فهذه الثلاثون يومًا يحسب زكاتها في الثلاثين يومًا ويخصمها من زكاة المحفظة إذا أمكن ذلك، مع أن هذا فيه عسرٌ وفيه صعوبةٌ؛ ولذلك يقال لعموم الناس: المضارب يُزكِّي المحفظة كلها، يُزكِّي المحفظة بقيمتها السوقية، هذا من حيث الأصل.

المقدم: أحسن الله إليكم، هناك بعض التساؤلات حول هذا، يقول: إذا بقيتُ في شركةٍ من الشركات، وصادف بقائي فيها وقتَ إخراج الشركة للزكاة؛ فهل يُعفيني هذا من إخراج الزكاة، وهو مُضارِبٌ؟

الشيخ: وهو مضاربٌ لا يُعفيه؛ لأن الزكاة موزَّعةٌ على عدد أيام السنة، زكاة الشركة موزَّعةٌ على عدد أيام السنة، لا يُعفيه، لكن لو حسب عدد الأيام وخصمها من مقدار زكاته؛ فهذا ممكنٌ.

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم.

وإلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام هذه الحلقة، وكان الحديث فيها عن بعض المسائل والأحكام المتعلقة بالأوراق المالية، أتحفنا في ذلك فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، فشكر الله لكم شيخنا على هذا الطرح الماتع والمفيد.

الشيخ: وشكرًا لكم وللإخوة المستمعين.

المقدم: كما أتقدم بالشكر الجزيل لمن قام بتسجيل هذه الحلقة.

إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله ، ومع موضوعٍ فقهيٍّ جديدٍ، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 2916.
^2 رواه أبو داود: 4511.
^3 رواه أحمد: 13201، بنحوه.
مواد ذات صلة
zh