logo
الرئيسية/برامج إذاعية/مجالس الفقه/(9) برنامج مجالس الفقه- أبرز مؤسسات الاجتهاد الجماعي في عصرنا ومناهج الفتيا

(9) برنامج مجالس الفقه- أبرز مؤسسات الاجتهاد الجماعي في عصرنا ومناهج الفتيا

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).

(مجالس الفقه) برنامجٌ يُذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، نتناول فيه جملةً من المسائل والأحكام والقضايا المتعلقة بالفقه الإسلامي وما دار في فَلَكه.

يصحبنا في هذه الحلقات ضيفنا فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس الجمعية الفقهية السعودية، فمرحبًا بكم شيخنا.

الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.

أبرز مؤسسات الاجتهاد الجماعي في وقتنا المعاصر

المقدم: أحسن الله إليكم شيخنا، كان الحديث في الحلقة الماضية يتناول ما يتعلق بالاجتهاد الجماعي، ولاسيما في مسائل المعاملات المالية المعاصرة والنوازل الفقهية على سبيل العموم، وقد ذكرتم تأصيلًا لهذا الأمر من فعل السلف قديمًا، وأشرتم إلى شيءٍ من هذا المعنى، يمتد الحديث لبيان أبرز مؤسسات الاجتهاد الجماعي في وقتنا المعاصر، ولا سيما أنكم -شيخنا- عضوٌ في عددٍ من هذه المؤسسات المتعلقة بالاجتهاد الجماعي، فلو سلطتم الضوء على شيءٍ من هذا شكر الله لكم.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

ففي الحلقة السابقة أُشيرَ إلى أن الاجتهاد الجماعي أقرب إلى التوفيق وإلى إصابة حكم الله ورسوله في النوازل والقضايا المستجدة والوقائع، وأن هذا المنهج هو المنهج الذي سار عليه صحابة النبي وتابِعوهم والتابعون لهم بإحسانٍ، وقد كانوا إذا نزلت نازلةٌ؛ اجتمع فقهاء الصحابة وتشاوروا وصدروا عن رأيٍ.

كان عمر إذا وقعت واقعةٌ أو نزلت نازلةٌ؛ جمع علماء الصحابة واستشارهم ثم صدروا عن رأيٍ، ومن قبله أبو بكرٍ الصديق، ومن بعده عثمان وعليٌّ ، ومن بعدهم أئمة الإسلام؛ ولهذا أخرج الدارمي عن المسيب بن رافع قال: كانوا -أي صحابة النبي – إذا نزلت بهم قضيةٌ ليس لرسول الله  فيها أثرٌ؛ اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا [1].

فهذا المسيب بن رافعٍ ينقل عن صحابة النبي أنهم كانوا إذا نزلت بهم نازلةٌ؛ فإنهم يجتمعون ويتشاورون فيما بينهم، ثم يصدرون فيها عن رأيٍ واحدٍ.

فهذا هو منهج الصحابة ، والغالب أنهم يُوفَّقون للحق ولحكم الله ورسوله؛ لأن التشاور أمره عظيمٌ في دين الإسلام، وقد أمر الله تعالى به فقال: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159]، قال الحسن: قد علم أنه ما به إليهم حاجةٌ، لكن أراد أن يَسْتَنَّ به من بعده.

النبي هو أعظم البشر وأحسنهم رأيًا، ليس بحاجةٍ لأنْ يستشير غيره أصلًا، وهو مؤيَّدٌ بالوحي، ولكن الله تعالى أمره بأن يستشير أصحابه  حتى يَسْتَنَّ به مَن بعده؛ ولهذا يقول الحسن أيضًا: “ما تشاور قومٌ قطُّ بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يشغلهم”، وفي لفظٍ: “إلا عزم الله لهم الرشد، أو بالذي ينفع”؛ وذلك لأن الاجتماع والتشاور بين أهل العلم يفتح باب الحوار والنقاش، ويطرح كلُّ عالمٍ ما لديه في هذه المسألة، وربما يكون أحد العلماء يحفظ فيها أثرًا، أو يحفظ فيها حديثًا خَفِيَ على غيره، وربما يكون له منزَعٌ في المسألة أو استنباطٌ خَفِيَ على غيره، وربما أن غيره يستدل بدليلٍ فيأتي عالمٌ ويُبيِّن له أن هذا الاستدلال لا يستقيم، فبذلك تتقارب الأفهام وتضيق هُوَّة الخلاف، هذا هو منهج السلف في التعامل مع النوازل ومع القضايا المعاصرة؛ أن العلماء يجتمعون ويتحاورون ويتناقشون، ويتشاورون فيما بينهم، ثم يَصدُرون عن رأيٍ في تلك النوازل وفي تلك القضايا المعاصرة، هذا هو المنهج الذي سار عليه علماء الإسلام في العصور الماضية.

وإذا كان الاجتهاد الجماعي هو الطريق الأمثل للنظر في النوازل والقضايا المستجدة في العصور السابقة؛ فهو في عصرنا الحاضر آكَد، لماذا؟ لتشعُّب النوازل والقضايا وتعقُّدها، ونحن الآن -كما يقال- في عصر التخصص، فالفقيه الراسخ في العلم مهما كان عليه من الفقه، ومهما كان عليه من الرسوخ في العلم؛ يبقى أنه في وقتنا الحاضر بحاجة للمتخصصين بالنوازل المراد بحثها، إذا كانت النازلة مثلًا طبيةً بحاجةٍ للأطباء؛ لكي يُصوِّروا هذه النازلة ويُبيِّنونها، إذا كانت النازلة مثلًا في الاقتصاد؛ بحاجة للاقتصاديين، إذا كانت في الفلك بحاجةٍ إلى الفلكيين، وهكذا.

ولذلك مؤسسات الاجتهاد الجماعي في الوقت الحاضر -التي سنُشير لها بعد قليلٍ- عندما تبحث نازلةً من النوازل تستعين بالمختصين، وتجد أن هذه المؤسسات تجمع أبرز الفقهاء، وكذلك أيضًا تدعو أبرز المتخصصين في تلك النوازل المراد بحثها، والمتخصصون يصوِّرون تلك النوازل ويوضِّحونها، ويذكرون ما استجد فيها، -آخر ما توصل إليه علماء تلك المجالات- ويعرضونها على فقهاء الشريعة، فيكون تصوُّرها واضحًا، هذا بخلاف ما إذا كان النظر فرديًّا مهما كان عليه العالم من الرسوخ والفقه، لكن من جهة التصوُّر ربما تخفى عليه هذه النوازل وهذه المسائل المستجدة، فهو إذنْ بحاجةٍ إلى هؤلاء المتخصصين لأجل تصوير تلك النوازل، وهذا يُبيِّن لنا أهمية الاجتهاد الجماعي عند النظر في النوازل والمسائل المستجدة والقضايا المعاصرة.

المقدم: أحسن الله إليكم، إذنْ يُلحَظ في هذا: أن العالم قد يُؤصِّل تأصيلًا صحيحًا في المسألة من حيث الاستدلال، ومن حيث بيان الحكم، لكن يدخل عليه النقص من حيث التصوُّر.

الشيخ: نعم؛ ولذلك أقول: أكثر ما تكون الأخطاء في المسائل المعاصرة في النوازل؛ من جهة التصور، تجد بعض العلماء عنده رسوخٌ في العلم فيما يتعلق بمعرفة الحكم الشرعي ودليله، لكن عندما تأتي نازلةٌ؛ يكون الخطأ في التصور، لا تُصوَّر له تصويرًا دقيقًا؛ فيكون الحكم بناءً على ذلك التصوير غير الدقيق، فيقع الخطأ في الحكم في تلك النازلة؛ ولذلك من المهم أن تُصوَّر النازلة للفقيه تصويرًا دقيقًا وجيدًا، وأن يكون التصوير أيضًا من أكثر من متخصصٍ؛ لأن أحيانًا بعض المتخصصين ربما يصوِّرونها من زاويةٍ، لكن يُغفِل زوايا أخرى، لكن إذا وُجد أكثر من متخصصٍ -والأحسن أن يكون هذا في مؤسسات الاجتهاد الجماعي، حضر هؤلاء المتخصِّصون وصوَّروا تلك النوازل للفقهاء، وبينوا لهم طريقة هذه النوازل، وآخر ما تُوُصِّل إليه فيها- يكون تصوُّر الفقهاء لتلك النوازل تصورًا دقيقًا، كما يقول العلماء: “الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره”.

لاحظ أن التصوُّر هو الأساس، هو الأصل، الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، إذا كان التصور خاطئًا؛ يكون الحكم خاطئًا، فحتى يكون الحكم صحيحًا؛ لا بد أن يكون التصور صحيحًا.

المقدم: أحسن الله إليكم، وهذا كما ذكر ابن القيم حينما قال: يجب على العالم فقه الواقع، وفقه الواجب في هذا الواقع، إذا أذنتم شيخنا أن نأخذ إلْمَاحةً يسيرةً حول أبرز مؤسسات الاجتهاد الجماعي في زماننا، والتي لها إسهامٌ في الفقه الإسلامي، ولاسيما في النوازل.

الشيخ: نعم، مؤسسات الاجتهاد الجماعي لها حضورٌ في الوقت الحاضر والحمد لله، الأمة الإسلامية لا تزال بخيرٍ ولله الحمد، والعلماء يجتمعون ويتشاورون ويتباحثون، ومؤسسات الاجتهاد الجماعي تقوم بجهدٍ مشكورٍ في هذا، ومن أبرز مؤسسات الاجتهاد الجماعي: “المجامع الفقهية”، وهناك عدة مجامع في العالم؛ من أبرزها: “مجمع الفقه الإسلامي الدولي”، التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، وهذا المجمع مقرُّه جدة، ويَعقِد دورةً كل عامٍ، هذا من حيث الأصل، وأحيانًا قد يكون كل عامين، وأحيانًا -ربما لبعض الظروف- ثلاثة أعوامٍ أو أكثر، لكنه غالبًا كل عامٍ، ويضم ممثِّلين عن جميع دول العالم الإسلامي، فيكون لكل دولةٍ ممثِّلٌ، وأيضًا خبراءَ وباحثين، ويسبق الدورة استكتابٌ لباحثين يبحثون في تلك النوازل المراد مناقشتها، وأيضًا يُدعَى مختصون في تلك النوازل؛ من أطباء إذا كانت المسألة طبيةً، واقتصاديين إذا كانت اقتصاديةً أو غير ذلك.

وقد صدرت قراراتٌ كثيرةٌ لهذا المجمع، ونُشرت هذه القرارات، وأيضًا نُشرت بحوثه، وهو يُعتبر من أبرز مؤسسات الاجتهاد الجماعي.

كذلك أيضًا: “المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي”، وهو تابعٌ لرابطة العالم الإسلامي، وصدر له قراراتٌ عديدةٌ في عدة نوازل وقضايا، وله مجلةٌ دوريةٌ مُحَكَّمةٌ تُنشر فيها قراراته، وتنشر بعض البحوث المقدمة للمجمع.

وهناك مجامع، لكن يغلب عليها أنها محليةٌ؛ مثل: “مجمع الفقه الإسلامي” بالسودان، و”مجمع البحوث الإسلامية” في مصر، و”مجمع الفقه الإسلامي” في الهند، وهناك أيضًا: “مجمع فقهاء الشريعة” في أمريكا، فهذه أبرز المجامع.

هناك أيضًا من الهيئات أو المؤسسات العلمية: “هيئة كبار العلماء” في المملكة العربية السعودية، وتضمُّ واحدًا وعشرين عضوًا، وتنعقد مرتين في السنة، وربما أيضًا تنعقد أكثر من ذلك إذا استدعى الأمر هذا، تكون دورة طارئة، لكن الدورات المعتادة: مرتين في السنة، وتبحث كثيرًا من النوازل والقضايا، ومنها المعاملات المالية المعاصرة، ويتفرَّع عنها: “اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء”، وهي متفرعةٌ من “هيئة كبار العلماء”، وتجتمع مرتين في الأسبوع، ويُعرَض عليها أيضًا الكثير من المسائل والنوازل والقضايا والمعاملات المعاصرة.

أيضًا من مؤسسات الاجتهاد الجماعي: “هيئة المراجعة والمحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية”، ومقرها في البحرين، ولها جهودٌ كبيرةٌ مميزةٌ في وضع المعايير الشرعية للمعاملات المالية المصرفية المعاصرة، لكنها خاصةٌ بالمعاملات المصرفية، وتتميَّز هذه الهيئة بأن القضية التي تُطرح تُناقش في أكثر من هيئةٍ وأكثر من مجلسٍ، فعندما تُطرح قضيةٌ للنقاش؛ يُستكتب لها أحد الباحثين، ثم يُناقش من قبل اللجنة الشرعية، ويقوم الباحث بالتعديلات التي تراها اللجنة إن وُجدت، ثم بعد ذلك تُعرض مسودة هذا المعيار على المجلس الشرعي، وبعد سلسلةٍ طويلةٍ من النقاش والمداولة والدراسة يَصدر في ذلك معيارٌ ملخَّصٌ ومختصرٌ، فصدر عددٌ من المعايير في أبرز المعاملات المالية المصرفية، وأيضًا معيارٌ في الزكاة، ومعيارٌ في الوقف، وهذه المعايير -الحقيقة- تعطِي معلوماتٍ مركَّزةً، وتفيد طلاب العلم، وتفيد خاصةً الهيئات الشرعية في المصارف عمومًا؛ ولذلك الآن معظم دول الخليج العربي وبعض المصارف جعلت المرجع لها في هيئاتها الشرعية هي هذه المعايير، معايير “هيئة المراجعة والمحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية” التي تسمى: “أيوفي”، جعلتها هي المرجع.

ولذلك نطرح فكرةً، نقول: لو عُمِّمت هذه المعايير على جميع أبواب الفقه؛ فسيكون لها نفعٌ عظيمٌ وفائدةٌ كبيرةٌ؛ لأن هذه المعايير الآن مقتصرةٌ على المعاملات المالية المصرفية، ومع ذلك حصل لها هذا النفع الكبير وهذه الفائدة العظيمة، فلو أنها عُمِّمت على جميع أبواب الفقه؛ فسيكون نفعها كبيرًا.

أيضًا من المؤسسات التي تُعنَى بالاجتهاد الجماعي: الهيئات الشرعية في المصارف، ولها جهودٌ متميزةٌ في بحث القضايا والنوازل المتعلِّقة بالمعاملات المصرفية، على اختلافٍ فيما بينها، بعض هذه الهيئات يكون مستواها العلمي والرقابي عاليًا، وبعضها يكون دون ذلك، لكنها في الجملة تُقدِّم اجتهادًا جماعيًّا في مسائل دقيقةٍ، ومسائل مصرفيةٍ يَجتهد فيها الفقهاء في تلك الهيئات وفي تلك اللجان.

المقدم: أحسن الله إليكم، ما يخُصُّ الهيئات الشرعية في المصارف، هل قراراتها الفقهية منشورةٌ ومبذولةٌ؟

الشيخ: بعضها منشورٌ؛ مثلًا: بعض قرارات الهيئة الشرعية لمصرف “الراجحي” بعضها منشورٌ، كذلك “البلاد” أيضًا، نشر بعضها وبعضها غير منشورٍ؛ ولذلك لو نُشِرت جميعها؛ فسيتفيد منها طلاب العلم، ويستفيد منها الناس عمومًا.

المقدم: أحسن الله إليكم، هل يمكن أيضًا أن يدخل في إسهامات الاجتهاد الجماعي، أو المؤسسات الجماعية: وجود المراكز المتخصصة -في زماننا- في بحث المسائل والنوازل الفقهية، أو وجود الجمعيات المتخصصة في ذلك؟

الشيخ: نعم، هذه أيضًا ينبغي أن يكون لها جهودٌ في هذا، الجمعيات والمراكز يُفترض أن يكون لها جهودٌ أيضًا في الاجتهاد في هذه المعاملات، وعندنا مثلًا في “الجمعية الفقهية السعودية” يُستكتب بعض الباحثين في بعض المعاملات المعاصرة، وأيضًا “مجلة الجمعية”، كذلك أيضًا بعض البحوث في هذه المجلة في معاملاتٍ ماليةٍ معاصرةٍ، وكذلك أيضًا الجمعيات الأخرى والمراكز الأخرى؛ مثل: “مركز التميز البحثي في الفقه والقضايا المعاصرة” في جامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، له أيضًا جهودٌ كبيرةٌ في هذا، وهكذا أيضًا بقية المراكز العلمية تُسهم في هذا.

أيضًا كليات الشريعة، خاصةً أقسام الفقه، لها إسهامٌ في هذا الجانب، خاصةً في الرسائل العلمية (رسائل الماجستير والدكتوراه)، فبعض هذه الأقسام تُشجِّع على الرسائل العلمية في المعاملات المالية المعاصرة، وسُجِّلت رسائل علميةٌ كثيرةٌ في مسائل معاصرةٍ، وفي قضايا معاصرةٍ، وفي معاملاتٍ ماليةٍ معاصرةٍ، عندنا مثلًا: قسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، له مشروعٌ عظيمٌ في النوازل في أبواب الفقه عمومًا، من باب الطهارة إلى باب الإقراض، وأيضًا له عنايةٌ بالمعايير الشرعية التي تحدثنا عنها قبل قليلٍ في عددٍ من الرسائل العلمية، ورسائل الدكتوراه في المعايير الشرعية، وأيضًا كان هناك عدة رسائل دكتوراه أيضًا في المنتجات المالية.

فهذه الأقسام العلمية لها إسهامٌ كبيرٌ في تصوير وبيان الحكم الشرعي في المسائل المالية المعاصرة.

المقدم: أحسن الله إليكم، ولعل هذا الأمر يمكن أن نُطلِق من خلاله دعوةً إلى المهتمين -ولاسيما في بلادنا المباركة- للحرص على إنشاء ما يتعلَّق بالقطاع الثالث من الجمعيات أو المراكز الخيرية المتخصصة في هذا المجال؛ حتى تُسهم في إثراء المادة الفقهية، والساحةُ بحاجةٍ.

أهمية ممارسة طالب العلم لفقه النوازل المعاصرة

المقدم: شيخنا -أحسن الله إليكم- بعد أن أشرنا إلى أهمية ومجال الدراسة الفقهية لهذه النوازل والمسائل المعاصرة؛ أود أن أسمع منكم في قضيةٍ مهمةٍ متعلقةٍ بهذا الجانب، وهي: أهمية الممارسة في هذا المجال، هل من الأمور المهمة لطالب العلم أو للدارس لفقه المعاملات -لا سيما المالية المعاصرة- أن يكون ممارسًا مزاولًا للواقع ومطلعًا عليه أثناء دراسته وبحثه؟

الشيخ: ممارستها لا شك مهمةٌ جدًّا، وتُعطي طالب العلم تصورًا أوضحَ ودقيقًا للواقع، وأُشبِّه هذا بمن يَدرُس في كليةٍ شرعيةٍ، وبمن يمارس القضاء، بمن يَدرُس القضاء تنظيرًا بكليةٍ شرعيةٍ، وبمن يتخرج من هذه الكلية ويُمارِس القضاء تطبيقًا، فيجد الفرق الكبير والشاسع بين دراسة القضاء نظريًّا، وبين ممارسته عمليًّا؛ هكذا أيضًا بالنسبة لهذه المعاملات المالية، ممارستها لا شك أنها تختلف اختلافًا كبيرًا عن التنظير، فالممارسة تستدعي من طالب العلم التصور الدقيق، التصور الواضح، وأيضًا مراعاة جميع الجوانب المترتبة على تقرير أمرٍ من الأمور، أو حكمٍ من الأحكام، فقد يرى طالب العلم تنظيرًا، رأيًا في مسألةٍ، لكن يترتب عليه مفسدةٌ أعظم، وهنا مراعاة هذه المفاسد، والموازنة بين المصالح والمفاسد، هذه أكثر مَن يتصورها: الممارس، أكثر من يتصور هذه الأمور: الممارس؛ وهذا يدل على أهمية الممارسة لطالب العلم؛ ولذلك أفضل من يُفتي في المعاملات المالية المعاصرة: الممارسون لها، خاصةً في اللجان والهيئات الشرعية في المصارف الإسلامية.

هل تغير الفتوى في المسألة يعد تناقضًا؟

المقدم: أحسن الله إليكم.

مما يتصل بهذا الجانب شيخنا: أن كثيرًا من المعاملات المالية المعاصرة متجدِّدةٌ ومتطوِّرةٌ، ويحدث فيها تغييرٌ؛ ولذلك يَصدر أحيانًا قراراتٌ، مسائل فقهيةٌ، فيها فتوى، ثم بعد ذلك يتغيَّر الاجتهاد فيها، فهل هذا نوعٌ من التناقض في الفقه الإسلامي، أم تناقضٌ عند العالم حينما يُفتي بالجواز ثم يُفتي بالمنع أو العكس كذلك؟

الشيخ: ليس هذا من التناقض، بل إن هذا هو المطلوب، المطلوب للمفتي: أن يكون متجدِّدًا، وأن يراعي الأحوال، وأنه كلما اتضح له شيءٌ؛ ينبغي أن يُراعي هذا الشيء الذي اتضح له واستجد في فُتياه، هذا أمرٌ نجده عند أئمة الإسلام، فنجد الأئمة الأربعة؛ مثلًا نجد الإمام أبا حنيفة له تراجعاتٌ، ذهب لرأيٍ، ثم رجع عنه إلى رأيٍ آخر، كذلك الإمام مالكٌ، له رأيٌ، ثم رجع عنه إلى رأيٍ آخر، الشافعي له مذهبٌ قديمٌ ومذهبٌ جديدٌ، مذهبٌ بأكمله، مذهبٌ قديمٌ كان في العراق، ثم المذهب الجديد في مصر، الإمام أحمد والروايات عنه كثيرةٌ، كثيرًا ما يرجع الإمام أحمد؛ كنت أقول بكذا حتى تبيَّن لي؛ فأقول أنا الآن بكذا.

فكون المفتي -إذا اتضح له الأمر- يتراجع، هذا لا يُعد تناقضًا، بل إن هذا يُعتبر كمالًا؛ ويدل على تجرده وعلى حرصه على توخِّي الحق.

بعض المسائل المستجدة والنوازل، والمسائل المعاصرة -خاصةً في بداياتها- قد لا تكون واضحةً الوضوحَ الكامل، ثم مع مرور الوقت تُثْرَى بالنقاش، وتتضح أكثر فأكثر، فتتضح للعالم بشكلٍ جليٍّ وأوضح، هنا لا يمنع أن يتراجع وأن يُفتي بفتوى أخرى؛ بناءً على ما اتضح واستجد له في تلك النازلة والمسألة المعاصرة، إذا كان أئمة الإسلام يتراجعون في مسائل قديمةٍ، في مسائل مثلًا متعلقةٍ بالصلاة والزكاة، وليست في نوازل؛ فما بالك بهذه النوازل؟!

فالحق ضالَّة المؤمن، فإذا اتضح الحق للعالم؛ يجب عليه أن يرجع، ولا يُعتبر هذا من قَبيل التناقض، بل إن هذا دليلٌ على حرصه على الحق وتوخِّيه له.

مناهج الفتيا في المسائل المعاصرة

المقدم: أحسن الله إليكم.

لو أردنا أن نسلط الضوء على المناهج الموجودة أو المعتبرة في دراسة المعاملات المالية والفتيا فيها؛ نجد أحيانًا عددًا من المدارس أو المنهاج في ذلك، فهل يمكن أن نأخذ شيئًا من هذا؟

الشيخ: مناهج الفتية في المسائل المعاصرة عمومًا، والمسائل المالية على وجه الخصوص، لا تخرج عن ثلاثة مناهج: إما التشدد، أو التساهل، أو التوسُّط والأخذ بما دل عليه الدليل.

منهج التشدد

أما المنهج الأول: وهو التشدُّد والمبالغة في الاحتياط، فنجد أن بعض المفتين يتشدد في المسائل المالية ويُفتي بالمنع في كثيرٍ منها، مع أنه ربما لا يكون متصوِّرًا للمسألة تصورًا دقيقًا، بل ربما تجد أن بعضهم -عندما يُسأل عن مسألةٍ- يقول: إن كان فيها ربًا؛ فإنها محرمةٌ، المستفتي لا يعلم إن كان فيها ربًا، الذي ينبغي للمفتي أن يتصور المسألة تصورًا دقيقًا، ثم يحكم بنفسه، هل فيها ربًا أو محظورٌ شرعيٌّ أم لا؟ ثم يُفتي السائل -بناءً على ذلك- بأن هذه المسألة حلالٌ أو حرامٌ، إذا كان ليس عنده تصوُّر؛ فيقول: لا أعلم، أو يقول: الله أعلم.

منهج التساهل

وفي مقابل هذا المنهج: منهجُ من يتساهل في هذه المسائل، وربما يتأثَّر بضغط الواقع، وبحجة التيسير على الناس من غير دليلٍ، وهذا مسلكٌ خطيرٌ؛ فإن دين الله ​​​​​​​ لا يخضع لأهواء الناس، لكنه جاء ليرفع الناس إلى ميزان الحق والعدل والمصلحة الحقيقية، وشريعة الله لم يضعها المجتمع؛ حتى تخضع لظروفه وأوضاعه، وإنما هي شريعة الله ؛ لتبقى في الناس إلى قيام الساعة.

فإذنْ منهج التشدد، ومنهج التساهل، كلا المنهجين خطأٌ، وإنما الصواب: هو المنهج الثالث، وهو النظر للقضايا والمسائل المعاصرة حسبما يقتضيه الدليل الشرعي والقواعد الشرعية من غير تشدُّدٍ ولا تساهلٍ، وكما يقول سفيان رحمه الله: “التشدد كلٌّ يحسنه، وإنما العلم: الرُّخَصُ عن الثقات”، والتشدد والتساهل كلاهما طَرَفٌ.

منهج التوسط

والوسط: هو النظر في المسائل حسبما يقتضيه الدليل الشرعي والقواعد الشرعية؛ ولذلك فعندي أنه لا يقال: إن الصواب هو الوسط، ليس دائمًا الوسط هو الصواب، وإنما الصواب: هو ما يقتضيه الدليل الشرعي؛ فإذا شدَّد الدليل في المسألة؛ نشدِّد فيها؛ فمثلًا: مسائل الربا، نجد أن الشريعة شدَّدت فيها تشديدًا كبيرًا، فينبغي التشديد في كل ما كان متعلقًا بالمسائل والقضايا التي فيها ربًا، لكن ما جَعَلَت الشريعة فيه سعةً؛ ينبغي أن يُتساهل فيه، ودائرة المعاملات دائرةٌ واسعةٌ، وكما ذكرنا في حلقةٍ سابقةٍ: أن الأصل في المعاملات: هو الحِلُّ والإباحة، إلا ما دل الدليل على منعه؛ فعلى هذا: ينبغي في مسائل المعاملات أن يُنظَر في هذا الأصل، وهو أن الأصل فيها الحِلُّ؛ مثلًا: إنسانٌ أراد أن يحصل على سيولةٍ نقديةٍ من بنكٍ من البنوك بطريقةٍ منضبطةٍ بالضوابط الشرعية؛ بطريق المرابحة، بطريق التورُّق، بطريق التأجير مع الوعد بالتمليك، لا ينبغي أن يُشدَّد فيها؛ لأن هذا فيه فائدةٌ لجميع الأطراف، فيه فائدةٌ لهذا المتموِّل، فيه فائدةٌ للمصرف، فيه فائدةٌ للمجتمع عمومًا؛ فينبغي إذنْ أن نسير على حسب ما يقتضيه الدليل من غير تشددٍ ومن غير تساهلٍ.

هناك أيضًا أمرٌ مهمٌّ: وهو عند النظر في هذه المسائل ينبغي أن تُربَط بمقاصد الشريعة، وأن تكون الفتوى متفقةً مع مقاصد الشريعة، ولا تُخالف مقصدًا من مقاصد الشريعة، وهذا المعنى كان يُركِّز عليه الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم، رحمهما الله تعالى، كانا على عنايةٍ كبيرةٍ بمقاصد الشريعة، وهذه تُفيد المفتي، وتُفيد طالب العلم عند الترجيح بين المسائل الخلافية، حيث يربطها بمقاصد الشريعة.

كذلك أيضًا: النظر إلى المآلات، هذا مهم جدًّا عند الفتيا وعند النظر للقضايا والنوازل والمسائل المعاصرة، لا بد من استحضار تلك المآلات التي ربما تؤدي لها تلك الفتوى.

الإرشاد إلى البدائل المشروعة

المقدم: أحسن الله إليكم.

هل كذلك أيضًا من المنهج السليم في الفتوى: الإرشاد إلى البديل الشرعي حينما تكون المعاملة محرمةً؟

الشيخ: نعم، هذا صحيح، ينبغي للمفتي إذا ذكر أمرًا محرمًا: أن يذكر البدائل ما أمكن، والنبي لما أُتِيَ بتمرٍ من نوعٍ جيدٍ؛ قال: أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟، قالوا: لا، نبيع الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، قال: أوَّهْ! هذا عين الربا، لكنه أرشد للمخرج، قال: بِعْ الجَمْع بالدراهم، واشترِ بالدراهم الجَنِيب [2]، يعني: بِعْ التمر الرديء بالدراهم، واشتر بالدراهم تمرًا جيدًا.

فأرشد للمخرج، فينبغي عند ذكر أمرٍ محرمٍ: أن تُذكَر البدائل المباحة ما أمكن.

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم شيخنا.

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام هذه الحلقة، وقد أخذنا سلسلةً من الحلقات في المدخل للمعاملات المالية المعاصرة، ولعلنا -إن شاء الله- في الحلقة القادمة نذكر موضوعًا جديدًا في مسائل المعاملات المالية إن شاء الله تعالى.

أشكر ضيفنا فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية، على ما قدَّم، شكر الله لكم شيخنا.

الشيخ: وشكرًا لكم وللإخوة المستمعين.

المقدم: كذلك أتقدم بالشكر الجزيل لمن قام بتسجيل هذه الحلقة.

الشكر لكم أنتم -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- على إنصاتكم واستماعكم.

إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله ، ومع موضوعٍ جديدٍ؛ أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه الدارمي: 116.
^2 سبق تخريجه.
مواد ذات صلة
zh