عناصر المادة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).
(مجالس الفقه) برنامجٌ يُذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، نتناول فيه جملةً من المسائل والأحكام والقضايا المتعلقة بالفقه الإسلامي وما دار في فَلَكِه.
يصحَبُنا في هذه الحلقات ضيفنا فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس الجمعية الفقهية السعودية، فمرحبًا بكم شيخنا.
الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.
الأصل في أبواب المعاملات
المقدم: أحسن الله إليكم.
شيخنا، كنا قد تكلمنا في الحلقة الماضية عن مدخلٍ للمعاملات المالية المعاصرة، وذكرنا جملةً من المسائل والقضايا المتعلقة بذلك، ولا يزال الحديث موصولًا في هذا الباب، ولعل من القضايا الكبرى في المعاملات المالية: البحث عن الأصل في المعاملات المالية؛ بحيث يقال: ما الأصل في أبواب المعاملات؟
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقبل الإجابة عن هذا السؤال: أريد أن أُنَبِّه إلى أن التأصيل ومعرفة الأصل في الأبواب مفيدٌ لطالب العلم؛ وذلك لأن هذا الأصل يُرجع إليه في المسائل الخلافية، وفي المسائل التي لم يَرِد فيها نصٌ، ونحو ذلك، وعند الاختلاف يُرجع للأصل، ويطالَب بالدليل الذي يأتي بخلاف الأصل؛ فمثلًا عندما يقال: الأصل في العبادات الحظر والمنع، فمن قال: إن هذه العبادة مشروعةٌ يطالَب بالدليل؛ مثلًا عندما نقول: الأصل صحة الصيام، فمن يقول: إن هذا يُفسِد الصيام؛ يطالب بالدليل، عندما نقول: إن الأصل صحة النكاح واستمراره؛ لا يُفتى بوقوع الطلاق إلا بأمرٍ واضحٍ يَنقل عن هذا الأصل، ويُحرِّم هذه المرأة على زوجها، ويُبِيحها لزوجٍ آخر إذا كان طلاقه ثلاثًا، وهكذا، فهذا الأصل يُفيد، ومهمٌّ لطالب العلم، وعندما نأتي لأبواب المعاملات؛ فعامة أهل العلم على أن الأصل فيها الإباحة، وأن الأصل فيها الحل؛ وهذا يدل على أن دائرة المعاملات دائرةٌ واسعةٌ، وأن ما أباحه الله تعالى أكثر بكثيرٍ مما حرمه؛ ولهذا على المسلم أن يحرص على أن يعرف مواضع التحريم، والمواضع التي فيها إشكالاتٌ شرعيةٌ، وسيجد من البدائل المباحة الكثير؛ لأن دائرة المباح أوسع بكثيرٍ من دائرة المحرم في أبواب المعاملات؛ ولهذا إذا اختلف اثنان في معاملةٍ من المعاملات؛ أحدهما يقول: إن هذه المعاملة حرامٌ، والآخر يقول: إن هذه المعاملة حلالٌ، الذي يطالَب بالدليل: الذي يقول: إنها حرامٌ، أما الذي يقول: إنها حلالٌ، لا يُطالب بالدليل؛ لأن معه الأصل.
على العكس من ذلك: العبادات، كما ذكرنا، لو اختلف اثنان وقال أحدهما: إن هذه العبادة مشروعةٌ، وقال الآخر: إن هذه العبادة غير مشروعةٍ، فالذي يطالَب بالدليل: الذي يقول: إنها مشروعةٌ؛ لأن الذي يقول: إنها غير مشروعةٌ، معه الأصل، وهو أن الأصل في العبادات: الحظر والمنع، إلا ما دل الدليل على مشروعيته؛ ولهذا يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: العادات الأصل فيها: العفو -أي الإباحة- فلا حظر منها إلا ما حرم الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:59]؛ ولذلك ذمَّ الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه الله، فنجد في القرآن الكريم -عندما نقرأ في سورة المائدة والأنعام- الإنكار الشديد على من حرم ما أباح الله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]، مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ [المائدة:103]، فتجد الإنكار على من حرم ما أحل الله: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ [النحل:116]، والآيات في هذا كثيرةٌ، فتحريم الحلال لا يقل خطورةً على تحليل الحرام، بل ربما يكون تحريم الحلال أشد؛ لأن تحريم الحلال ناقلٌ عن الأصل، وهو الإباحة وبراءة الذمة؛ فلذلك على المسلم ألا يقول: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، إلا بدليلٍ من كتاب الله أو سنة رسوله ، لا يقول: هذا الأمر حلالٌ أو حرامٌ حتى يغلب على ظنِّه أن هذا هو شرع الله ، وإلا دخل في مواضع الذَّمِّ التي ذكرها الله في شأن الذين يُحرِّمون أو يُحلِّلون بغير علمٍ.
الجميع بين الأصل في المعاملات الإباحة والتشديد في تحريم الربا
المقدم: أحسن الله إليكم وجزاكم خيرًا.
شيخنا، هذا -في الحقيقة- يُبيِّن لنا فضل العلم وشرف العلم، وأن المرء إذا أصبح عالمًا بمسائل الحلال والحرام؛ استطاع أن يُوجد البدائل العديدة، بل ربما الأجود من تلك المعاملة المحرمة التي حرمتها الشريعة عليه لمصلحته، ولأمرٍ عائدٍ إليه بالنفع بإذن الله .
شيخنا، أنتقل إلى جزئيةٍ متعلِّقةٍ بهذا الموضوع، إذا تقرَّر أن الأصل في المعاملات هو الحِلِّ والإباحة؛ نجد أيضًا أن الشريعة الإسلامية شددت كثيرًا في مسائل الربا، وأَوْلَت هذا الأمر عنايةً فائقةً، والنصوص المحذِّرة في شأنه كثيرةٌ، فكيف لنا أن نجمع بين تشديد الشريعة الإسلامية في شأن الربا، مع أن الأصل في المعاملات هو الحل والإباحة؟
الشيخ: نعم، الأصل في المعاملات الحل والإباحة، لكن نجد أن الشريعة الإسلامية شددت في شأن الربا، وحذَّرت منه تحذيرًا بليغًا، حتى إن الله آذَنَ آكل الربا بالحرب: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]؛ لأن متعاطي الربا -سواءٌ كان معطيًا للربا أو آخذًا للربا- في حربٍ مع الله، فتح على نفسه جبهة حربٍ، فمن كان في حربٍ مع الله؛ فيتوقع أن تأتيه مصائب من أي جهةٍ، أو بأية طريقةٍ؛ مصائب إما في صحته، أو مصائب في ماله، أو مصائب في أسرته، أو مصائب في أي شيءٍ؛ لأنه فتح على نفسه جبهة حربٍ مع الله سبحانه، ولَعَن النبي آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه [1]، كما جاء في “صحيح مسلمٍ”، واللعن يقتضي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وعدَّ النبي الربا من السبع الموبقات [2].
فالربا محرمٌ في جميع الشرائع السماوية؛ وذلك لضرره العظيم على الفرد وعلى المجتمع، فإن الربا يزيد الفقير فقرًا والغني غنًى، حتى يكون المجتمع على طبقتين: طبقة أغنياء ينهشون أموال الفقراء، وطبقة فقراء يزدادون فقرًا؛ ولهذا منعت الشريعة من الربا؛ لما فيه من الظلم، ولما فيه من المفاسد الكبيرة على المجتمعات، ولما يترتب عليه من فُشُوِّ الظلم، خاصةً على الطبقة الفقيرة؛ ولهذا -كما ذكرنا- هو محرمٌ في جميع الشرائع السماوية.
ذكر القرطبي رحمه الله في “الجامع لأحكام القرآن” قصةً لطيفةً في هذا، يقول: إن رجلًا جاء إلى الإمام مالك بن أنسٍ يستفتيه، فقال له: إني رأيت البارحة رجلًا سكران يقفز يريد أن يصطاد القمر، فلما رأى هذا المنظر، رأى رجلًا يقفز يريد أن يصطاد القمر؛ بسبب سكره، رجلٌ مخمورٌ ذهب عقله، فتأثر هذا الذي رآه فقال: امرأته طالقٌ إن كان يَدخل جوف ابن آدم شيءٌ أخبث أو أشر من الخمر، ثم بعد ذلك ذهب إلى لإمام مالكٍ يستفتيه: هل يقع طلاق امرأته أو لا يقع؟ فلما استفتى الإمام مالكًا؛ استعظم هذا السؤال، قال: ارجع حتى أتأمل وأنظر في مسألتك، أتاه من الغد، فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد من اليوم الثالث، فقال الإمام مالكٌ: امرأتك طالقٌ، إني تأملت كتاب الله وسنة نبيِّه؛ فلم أر شيئًا أشر ولا أخبث من الربا؛ لأن الله آذَنَ فيه بالحرب.
فكأن الإمام مالكًا يقول: أنت قلت: إن امرأتك طالقٌ إن كان يدخل جوف ابن آدم شيءٌ أخبث من الخمر، هناك شيءٌ أخبث من الخمر، وهو الربا، فأفتاه بوقوع طلاق امرأته؛ فهذا يدل على أن الربا خطره عظيمٌ، وأن إثمه عظيمٌ، وأنه أعظم في الإثم من الخمر.
وقال بعض العلماء: إن الربا أعظم في الإثم من الزنا، واستدلوا بأحاديث تُروى في هذا: درهم ربًا أشدُّ من ستٍّ وثلاثين زنيةً [3]، والربا سبعون بابًا أيسرها أن ينكح الرجل أمه [4]، وكنت قد كتبت ذلك في كتاب “فقه المعاملات المالية المعاصرة”، ثم بعد ذلك ظهر لي أن الأحاديث المروية في هذا كلها لا تثبت من جهة الصناعة الحديثية، وأن الأدلة تدل على أن الزنا أعظم إثمًا من الربا، كما ذكر ذلك ابن الجوزي وغيره، قال: “فأين درهم ربًا يقع في الإثم من نطفةٍ حرامٍ يكون منها ولدٌ وتختلط به الأنساب؟!”، إلى غير ذلك من مفاسد الزنا؛ فلذلك في الطبعة الجديدة في كتاب “فقه المعاملات المالية المعاصرة” لا توجد هذه المقارنة، أو أنني ذكرت: أن الزنا أعظم في الإثم من الربا، فالزنا أشدُّ وأعظم في الإثم من الربا، لكن الربا أعظم في الإثم من شرب الخمر.
الربا شدَّدَت فيه الشريعة، وسدت جميع الذرائع الموصلة إليه ولو من وجهٍ بعيدٍ؛ ولهذا جاء في “السنن” من حديث سعد بن أبي وقاصٍ أن النبي سُئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال عليه الصلاة والسلام: أينقص الرطب إذا يَبِس؟، قالوا: نعم، قال: فلا إذنْ [5]، يعني لو أردت أن تبيع كيلو رطبٍ بكيلو تمرٍ مع التقابض، لاحظ، كيلو رطبٍ بكيلو تمرٍ مع التقابض، لا يجوز، حتى مع التقابض والتماثل، لماذا؟ لأن هذا الرطب سوف يَنقص إذا يَبِس، مع أن التفاوت يسيرٌ جدًّا، ومع ذلك منع النبي منه؛ هذا يدل على تشديد الشريعة في شأن الربا.
وكذلك أيضًا مسألة العِينة، العِينة: هي أن يبيع شيئًا بثمنٍ مؤجلٍ، ثم يشتري هذا الشيء بأقل منه نقدًا، فحتى لو حصل هذا بغير مواطأةٍ؛ أيضًا لا يجوز، من باب سد الذريعة، فالشريعة الإسلامية سدَّت الذرائع الموصلة إلى الربا؛ وهذا يدل على عظيم شأن الربا وعظيم إثمه عند الله ؛ ولهذا قال ربنا سبحانه: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة:276]، انظر إلى كلمة: يَمْحَقُ، المحق: هذه المادة (م ح ق) تدل على زوال الشيء شيئًا فشيئًا، ومنه: المُحَاقُ، والمحاق: هو الهلال في آخر الشهر، تجد أن ضوء القمر يذهب شيئًا فشيئًا إلى أن يصبح مُحاقًا؛ هكذا أيضًا الربا يمحقه الله ، هذا المرابي يمحقه الله شيئًا فشيئًا، يجد كل يومٍ النقص، لكن هذا المَحْق قد يكون لماله، قد يكون المحق لصحته، قد يكون المحق لاستقراره الأسري، قد يكون المحق لأمورٍ أخرى، عندما يقول ربنا: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا؛ فمعنى ذلك: أنه لا بد أن يتحقق المحق قطعًا؛ ولهذا لا تجد مرابيًا -حتى وإن كان عنده ثروةٌ- سعيدًا، لا تجد مرابيًا سعيدًا ومفلحًا ومتميزًا وينطق بالحكمة كما قال العلماء، يقولون: لا يمكن أن تجد المرابي ينطق بالحكمة؛ لأن الله آذَنه بالحرب، ويمحق الله الربا؛ كما قال سبحانه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275]، فالربا شدَّدتْ فيه الشريعة الإسلامية؛ لعظيم خطره وعظيم ضرره على الأفراد والمجتمعات.
الفرق بين الحلال والحرام في المعاملات دقيقٌ جدًّا
المقدم: أحسن الله إليكم وشكر الله لكم.
شيخنا الأستاذ الدكتور سعد بن تركي الخثلان، أنتم شيخنا لكم عنايةٌ خاصةٌ بجانب المعاملات المالية، ولكم في هذا أبحاثٌ ورسائل كثيرةٌ ومشاركاتٌ عدةٌ، وأنتم كذلك عضوٌ في عددٍ من اللجان المتعلقة بالصناعة المالية، أود أن أسأل عن أمرٍ دقيقٍ في هذا الموضوع، وهو المقولة التي يتداولها الناس: أن الفرق بين الحلال والحرام في المعاملات المالية هو فرقٌ دقيقٌ، بل لربما بعض الناس -من شدة خفاء هذا الفرق- يستنكر التفريق بين معاملتين، وكيف يُقرِّر الفقهاء في إحداهما أنها محرمةٌ، وفي الأخرى أنها جائزةٌ؟
الشيخ: نعم، هذا صحيحٌ، الفرق بين الحلال والحرام في المعاملات دقيقٌ، ودقيقٌ جدًّا، وهذا الفرق الدقيق جعل بعض المشركين يقولون: لا فرق بين البيع والربا، لا فرق، ما الفرق بين البيع والربا؟ كلها واحدٌ، أنزل الله قوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275]، فردَّ الله عليهم وقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، نظير ذلك بعض الناس يقول: لا فرق بين هذه المعاملة الحلال والمعاملة الحرام، أو يقول: لا فرق بين تعاملات هذا المصرف الإسلامي وهذا البنك الربوي، كلها واحدٌ، وربما أن بعضهم يَخفى عليه الفرق، فالفرق بين الحلال والحرام قد يكون دقيقًا، بل أحيانًا الصورية تكون مؤثِّرةً، وأضرب لهذا مثالًا يتضح به المقال:
جاء في “الصحيحين” حديث أبي سعيدٍ وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمرٍ جَنِيبٍ، يعني: من النوع الجيد، فقال النبي : أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟، قالوا: لا يا رسول الله، إنا نبيع الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال النبي : أوَّه! هذا عين الربا، لا تفعل، ثم أرشد عليه الصلاة والسلام إلى مخرجٍ سهلٍ يتحقَّق به الغرض من غير وقوعٍ في المحرام، قال: ولكن بِعْ -يعني: التمر الرديء بدراهم- واشترِ بالدراهم جنيبًا [6]، يعني: بِعْ هذا التمر الرديء بدراهم، واشترِ بالدراهم تمرًا جيدًا.
فإذا بعت تمرًا رديئًا بتمرٍ جيدٍ مباشرةً؛ يعني: تفاضل، يعني: صاع بصاعين مثلًا، هذا عين الربا، لكن إذا بعت التمر الرديء بدراهم، ثم اشتريت بالدراهم تمرًا جيدًا، فهذا مخرجٌ شرعيٌّ أرشد إليه النبي ، مع أن النتيجة واحدةٌ، النتيجة: هي أنني أحصل على تمرٍ جيدٍ مقابل هذا التمر الرديء، لكن إذا بعت التمر الرديء بتمرٍ جيدٍ مع التفاضل مباشرةً، هذا عين الربا، إذا بعت التمر الرديء بدراهم واشتريت بالدراهم تمرًا جيدًا؛ فهذا مخرجٌ أرشد إليه النبي ؛ فهذا يدل على دقة الفرق بين الحلال والحرام.
وأيضًا أحيانًا تكون الصورية مؤثِّرةً، قد يقول قائلٌ: ما الفرق؟! النتيجة واحدةٌ، صاعٌ بصاعين مباشرةً، أو تبيع الصاعين بدراهم وتشتري بالدراهم صاعًا، النتيجة واحدةٌ، وبعضهم لو لم يَرِد هذا الحديث؛ لقال: هذه حيلةٌ على الربا، لكن النبي أرشد إلى ذلك؛ فهذا يدل على أن الفرق بين الحلال والحرام فرقٌ دقيقٌ، وأن بعض المسائل قد لا تظهر فيها الحكمة بشكلٍ واضحٍ لكثيرٍ من الناس، قد لا تظهر، وإن كان كما قال ابن القيم: “ما من حُكمٍ إلا ولله تعالى فيه حكمةٌ”، لكن بعض المسائل -خاصةً مسائل المعاملات ومسائل الربا- قد لا تكون الحكمة فيها جليةً ظاهرةً، وإلا تبيعُ صاعًا بصاعين، هذا عين الربا، تبيع صاعين بدراهم وتشتري بالدراهم صاعًا، هذا مخرجٌ أرشد إليه النبي ، ما الحكمة؟ لماذا هذا حرامٌ وعينُ الربا، وهذا حلالٌ؟ النبي أرشد لذلك، أرشد لبيع الصاعين بدراهم وتشتري بالدراهم تمرًا جيدًا.
هذا يدل على أن الفرق بين الحلال والحرام في مسائل المعاملات فرقٌ دقيقٌ، وأيضًا يدل على أن بعض الأمور قد يظنها بعض الناس حيلةً على الربا وهي ليست كذلك.
أيضًا هذا يدل على أهمية التفقُّه في الدين، وأن مِن ثمرة التفقُّه في الدين: أن الإنسان يستطيع أن يَحصل على غرضه بطريقٍ مباحٍ؛ يعني مثلًا: في المثال الذي ذكرناه يستطيع أن يحصل على تمرٍ جيدٍ مقابل تمرٍ رديءٍ بطريقةٍ جائزةٍ: وهي أن يبيع التمر الرديء بدراهم، وأن يشتري بالدراهم تمرًا جيدًا، في وقتنا الحاضر: إنسانٌ يريد أن يحصل على سيولةٍ نقديةٍ لأيِّ غرضٍ؛ لزواجٍ، أو لبناء مسكنٍ، أو لأي غرضٍ من الأغراض، ويريد أن يأخذ هذه السيولة من بنكٍ من البنوك، إن أخذها دراهم بدراهم مع الزيادة؛ فهذا ربًا، لو قال مثلًا: أقرضوني مئة ألفٍ بمئةٍ وعشرةٍ مباشرةً، دراهم بدراهم، هذا ربًا صريحٌ، لكن يستطيع أن يحصل على السيولة بطريقةٍ جائزةٍ شرعًا، وذلك عن طريق المرابحة، أو عن طريق التورُّق، أو عن طريق مثلًا التأجير مع الوعد بالتمليك، أو بأية صيغةٍ، يقول للبنك: اشتروا لي هذه السلعة، فيشتري له البنك، ويبيعها له بثمنٍ مؤجَّلٍ، ثم هو يبيعها في السوق، أو يبيعها لطرفٍ ثالثٍ نقدًا، وبذلك يحصل على ما أراد من سيولةٍ نقديةٍ، ويمكن أيضًا في بعض الصور -خاصةً في السلع الدولية- أن يُوكِّل البنك في بيعها، بشرط أن يوجد شهادة تخزينٍ، أو شهادة تعيينٍ، أو شهادة ملكيةٍ، فإذا حصل التعيين أيضًا، جاز أن يُوكِّل البنك، وهذه من الصور الجائزة للتورُّق المنظم؛ لأن التورُّق المنظم ليست جميع صوره محرمةً كما -إن شاء الله- سيأتينا في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله.
فبعض صور التورُّق محرمةٌ، وهي التي منعتها المجامع الفقهية و”هيئة كبار العلماء”، ولكن بعض الصور جائزةٌ، فمن ثمرة التفقُّه في الدين: أن الإنسان يستطيع أن يحصل على غرضه بطريقٍ مباحٍ، والإنسان غير المتخصص في العلوم الشرعية بإمكانه أن يسأل، بعض الناس يقول: أنا أريد أن أحصل على سيولةٍ نقديةٍ، ما هي الطريقة؟ اسأل أحد المشايخ، خاصةً مَن لهم عنايةٌ واهتمامٌ بالمعاملات المعاصرة، اطرح عليه هذا السؤال، وهو سيدلك على أفضل طريقةٍ لتحصل على سيولةٍ نقديةٍ عن طريق المصارف بطريقةٍ شرعيةٍ من غير أن تقع في الربا، ومن غير أن تقع في المحظور الشرعي.
المقدم: أحسن الله إليكم، ولعل أيضًا من المسائل الشائعة في هذا الباب، والتي يُفرَّق فيها بين أمرين: ما يفعله بعض النساء، يكون لديها ذهبٌ قديمٌ، وتذهب إلى محلات الذهب، وتريد أن تشتري بدله ذهبًا جديدًا بنفس القيمة، لكن يختلف الوزن، فيقال لهن: الحيلة الشرعية في ذلك: أن تبعن هذا الذهب القديم بدراهم، وتشترين بالدراهم ذهبًا جديدًا.
الشيخ: نعم، صحيحٌ، إذا كان عند امرأةٍ حُلِيٌّ قديمٌ، وتريد أن تبيعه وتحصل على حُلِيٍّ جديدٍ، إن باعت الحُلِيَّ القديم بحُلِيٍّ جديدٍ مباشرةً؛ فستقع في الربا؛ لأنه لا يمكن أصلًا أن يقبل صاحب المحل أن يشتري حليًّا قديمًا بنفس وزن الحلي الجديد، لا بد من التفاضل، لكن ما المخرج؟ المخرج: أن تبيع المرأة الحلي القديم بدراهم، وتشتري بالدراهم حليًّا جديدًا، لكن لا يَشترِط عليها صاحب المحل أن تشتري منه، تبيع الحلي القديم بدراهم، ثم إذا استلمت الدراهم هي حرة؛ إن أرادت أن تشتري من هذا المحل أو من غيره، وبذلك تستطيع أن تُحصِّل غرضها بالحصول على حُلِيٍّ جديدٍ مقابل هذا الحلي القديم بطريقةٍ شرعيةٍ، ومن غير أن تقع في المحرم.
وهذا يدل على أن المهم: أن يوجد لدى المسلم ولدى المسلمة الاهتمام بالحلال، إذا اهتم المسلم بالحلال وسأل واستفسر؛ فسيجد إجاباتٍ تُمَكِّنه من أن يحصل على غرضه بطريقةٍ جائزةٍ، وبطريقةٍ بعيدةٍ عن الربا، وبعيدةٍ عن الحرام، لكن بعض الناس يُؤتى من جهة التقصير وقلة الاهتمام، بعض الناس يريد الطريق الأسهل، لا يهمه مسألة الحلال والحرام؛ ولهذا تجد أنه يذهب إلى البنك يريد قرضًا ربويًّا، يرى أنه أسهل، يأخذ مثلًا مئة ألفٍ بمئةٍ وعشرةٍ مباشرةً، لكن لو أنه سأل واهتم وقال: ما هي الطريقة الشرعية؟ ما هي الطريقة الجائزة لكي أحصل على سيولةٍ نقديةٍ بطريقةٍ مباحةٍ؟ فسيجد بدائل كثيرةً يستطيع أن يُحصِّل بها غرضه من غير أن يقع في المحرم.
المقدم: أحسن الله إليكم، ولعل هذا السعي والجهد الذي يبذله هو باب من أبواب العبودية بتوخي الحلال بإذن الله .
الشيخ: نعم، والعبودية تشمل جميع مجالات الحياة، العبودية كما عرَّفها ابن تيمية رحمه الله هي: “اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة”، لا تقتصر فقط على الشعائر التعبدية فيما بين العبد وبين ربه من الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما تشمل جميع جوانب الحياة؛ لذلك هي تدخل في أبواب المعاملات.
الاجتهاد الجماعي
المقدم: أحسن الله إليكم.
أيضًا -شيخنا- مما يتعلق بعناية الفقهاء بمسائل المعاملات المالية، ولاسيما المعاصرة: ما وُجد في زماننا هذا من الاجتهاد الجماعي، فهلَّا سلطتم الضوء على المقصود بالاجتهاد الجماعي الموجود في زماننا، وهل يمكن التعريف بأبرز مؤسسات الاجتهاد الجماعي، ولاسيما أنكم عضوٌ في عددٍ من هذه المؤسسات؟
الشيخ: نعم، النوازل والمسائل المعاصرة أفضل طريقةٍ لمعرفةٍ أحكامها أن تكون عن طريق الاجتهاد الجماعي، الاجتهاد الجماعي أقرب للتوفيق وإصابة الحق من الاجتهاد الفردي، خاصةً في وقتنا الحاضر الذي تعقَّدت فيه كثيرٌ من المسائل، وأصبحت تحتاج إلى تصويرٍ من المختصين، والاجتهاد الجماعي أقرب للتوفيق من الاجتهاد الفردي، وأقرب إلى إصابة حكم الله ورسوله في النازلة أو في الواقعة، والإنسان مهما بلغ من العلم، ومهما كان عنده من الفقه؛ قد يذهل حتى عن أيسر المسائل؛ فمثلًا: لما توفي النبي -ويقولون: إن المصيبة إذا كانت شديدةً أول مراحلها عدم التصديق- بعض الصحابة لم يصدق أن النبي مات، وأنكر موت النبي ، بعضهم من أكابر الصحابة؛ كعمر ، قال: إن النبي لم يمت، إنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ، حتى جاء أبو بكرٍ الصديق وقبَّل ما بين عيني النبي ، وقال: بأبي وأمي يا رسول الله، طِبْت حيًّا وميتًا! ثم قال لعمر : أنصت، وقام وصعد على المنبر، وقرأ قول الله : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144]، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، وقال: من كان يعبد الله؛ فإن الله حيٌّ لا يموت، ومن كان يعبد محمدًا؛ فإن محمدًا قد مات، يقول عمر وكثيرٌ من الصحابة : والله لكأن هذه الآية نزلت تلك الساعة، فما يُسمع بشرٌ إلا ويتلوها [7].
هذا إذا كان عمر، إذا كان كثيرٌ من أكابر الصحابة ذهل عن هذا المعنى؛ فقد يحصل الذهول من العالم وإن كان كبيرًا؛ ولذلك المسائل المعاصرة والنوازل ينبغي أن تكون عن طريق الاجتهاد الجماعي، وكان هذا هو منهج السلف رحمهم الله، كان عمر إذا نزلت نازلةٌ يجمع فقهاء الصحابة ويستشيرهم، ومن ذلك: لما خرج إلى الشام، وأُخبر بوقوع الطاعون بأرض الشام، فاستشار الصحابة ، دعا أولًا المهاجرين واستشارهم فاختلفوا، ثم دعا الأنصار واستشارهم فاختلفوا، ثم دعا من كان من مشيخة قريشٍ ومهاجرة الفتح فلم يختلفوا في أن يرجع، وألا يُقدِم الصحابةَ على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس وأخبرهم: إني عازمٌ على الرجوع، فقال أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟! قال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نحن نفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كان لك إبلٌ هبطت واديًا له عُدْوَتان: إحداهما خَصِيبةٌ، والأخرى جدباء، أليست إن رَعَتْ الخصيبة؛ رَعَتْها بقدر الله، وإن رَعَت الجدباء؛ رعتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبدالرحمن بن عوفٍ -وكان متغيبًا لبعض حاجته- وقال: إني سمعت رسول الله يقول: إذا وقع الطاعون بأرضٍ؛ فلا تَقدموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها؛ فلا تخرجوا منها فرارًا منه، فحمد الله عمر والمسلمون وكبَّروا ثم انصرفوا [8].
هذا مثالٌ للاجتهاد الجماعي، فقد كان عمر يجمع الناس ويستشيرهم، ولم يكن ينفرد برأيه، وهكذا صحابة النبي من بعده.
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم.
شيخنا، إن أذنتم أن يكون الحديث عن أبرز مؤسسات الاجتهاد الجماعي، وتسليط الضوء على شيءٍ منها في الحلقة القادمة بإذن الله .
وإلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام حلقتنا في هذا اليوم، أسأل الله جل وعلا أن يجزي ضيفنا فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية، فشكر الله لكم شيخنا.
الشيخ: والشكر لكم وللإخوة المستمعين.
المقدم: الشكر كذلك لمن قام بتسجيل هذه الحلقة.
إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحاشية السفلية
^1 | رواه مسلم: 1598. |
---|---|
^2 | رواه البخاري: 2766، ومسلم: 89. |
^3 | رواه أحمد: 21957، بنحوه. |
^4 | رواه ابن الجارود في المنتقى: 704، والدينوري في المجالسة وجواهر العلم: 1590، والبيهقي في شعب الإيمان: 5132، 5133. |
^5 | رواه أبو داود: 3359، والترمذي: 1225، وابن ماجه: 2264، وقال الترمذي: حسن صحيح. |
^6 | رواه البخاري: 2302-2303، ومسلم: 1593، بنحوه. |
^7 | رواه البخاري: 3667، 3669، وابن ماجه: 1627، بنحوه. |
^8 | رواه البخاري: 5729، ومسلم: 2219. |