logo
الرئيسية/برامج إذاعية/مجالس الفقه/(10) برنامج مجالس الفقه- البيع والشراء عن طريق الوسائل الحديثة

(10) برنامج مجالس الفقه- البيع والشراء عن طريق الوسائل الحديثة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).

(مجالس الفقه) برنامجٌ يُذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، يَتحدث عن الفقه والمسائل المتعلقة به.

ومعنا في هذا البرنامج ضيفنا الدائم، فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية، فمرحبًا بكم شيخنا.

الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.

البيع والشراء عن طريق وسائل التواصل الحديثة

المقدم: أحسن الله إليكم شيخنا، في هذه الحلقة سيكون الحديث حول البيع والشراء ولكن فيما استجد من وسائل الاتصال الحديثة.

استجدت أمورٌ حديثةٌ يُجرى من خلالها البيع والشراء، ولعلنا في هذه الحلقة نتداول بعض المسائل المتعلقة بهذا الباب: نبتدئ أولًا بحكم إجراء البيع والشراء عن طريق هذه الوسائل.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإنه في عصرنا الحاضر، ومع التطور الكبير في وسائل التواصل، وجريان العمل بها في إبرام العقود لسرعة إنجاز المعاملات المالية، تَمَسُّ الحاجة إلى أن نتكلم عن الحكم الشرعي في إجراء العقود عن طريق تلك الوسائل الحديثة؛ كالهاتف مثلًا والجوال، وكذلك مثلًا تطبيقاتٍ عبر الإنترنت ونحو ذلك، وكيف يتم الإيجاب والقبول، وكيف يُعتبر خيار المجلس عند التعاقد عن طريق هذه الوسائل.

فأقول أولًا: يجوز إجراء عقود المعاملات المالية؛ كالبيع والتجارة ونحو ذلك، عبر هذه الوسائل الحديثة، ويكون العقد صحيحًا ومعتبرًا شرعًا إذا استوفى شروطه؛ وذلك لعدم وجود ما يقتضي فساده، ولأن المتعاقدَين لا يُشترط حضورهما في مكانٍ واحدٍ، والبيع -وهكذا الإجارة- من العقود اللازمة، ومعنى كونه لازمًا: أنه ليس لأحدٍ من المتعاقدَين الفسخ إلا برضا الطرف الآخر.

لكن البيع -والإجارة نوعٌ من البيع، هي بيع منافع- إنما يلزم عند التفرُّق من مكان التبايع، لقول النبي : البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا [1]، فكيف يكون البيع وكيف يكون التفرق أيضًا الذي يلزم به البيع عبر هذه الوسائل الحديثة؟

أقول: إبرام العقد واستخدام المكالمة الصوتية، أو المكالمة بالصوت والصورة، بين متعاقدين عبر الهاتف، أو عبر الجوال، أو عبر الوسائل التي تكون عن طريق الإنترنت، يأخذ حكم التعاقد بين حاضرَين؛ وعليه فتسري جميع أحكام التعاقد بين حاضرين؛ كاشتراط اتحاد المجلس، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد المتعاقدين عن التعاقد، والموالاة بين الإيجاب والقبول، بحسب العرف، إلى غير ذلك من الأحكام.

ومجلس العقد في هذه الصورة: هو زمن الاتصال بين المتعاقدين مادام الكلام في شأن العقد، فإذا انتهى الاتصال أو انقطع أو انتقل المتعاقدان لموضوعٍ آخر لا صلة له بموضوع الاتصال؛ انتهى خيار المجلس، إلا إذا كان الانقطاع يسيرًا عرفًا؛ كأن يكون الانقطاع مثلًا بسبب الشبكة ونحو ذلك ثم يعودان، فهذا الانقطاع غير مؤثِّرٍ، لكن لو كان الانقطاع باختيارهما، يعني انتهت المكالمة، انتهى التواصل؛ هنا يلزم العقد، وهكذا أيضًا لو انتقلا للحديث عن موضوعٍ آخر غير موضوع البيع، هنا أيضًا ينتهي العقد، وهكذا بالنسبة للإنترنت، إذا انتقل لصفحةٍ أخرى من الصفحات؛ كذلك أيضًا.

وإبرام العقد باستخدام المراسلة الكتابية عن طريق الهاتف أو البريد الإلكتروني أو التطبيق ونحو ذلك، يأخذ أحكام التعاقد بين غائبين عن طريق الرسالة، فيبدأ مجلس العقد من لحظة بلوغ الإيجاب إلى من وُجِّه إليه، وينتهي بصدور القبول منه؛ وعلى ذلك: فإجراء عقود البيع والشراء والإجارة ونحو ذلك من التعاقدات المالية عبر هذه الوسائل الحديثة؛ عبر الجوال، عبر الهاتف، عبر البريد الإلكتروني، عبر التطبيقات، عبر هذه الوسائل كلها؛ كله صحيحٌ، إجراء العقود صحيحٌ ولازمٌ، ويأخذ حكم وجود المتعاقدَين في مكانٍ واحدٍ، فمجلس العقد: هو زمن الاتصال بينهما، إذا انتهى هذا الاتصال؛ فإن مجلس العقد ينتهي وينقضي ويكون العقد لازمًا، والآن كثيرٌ من بيوعات الناس تتم عن طريق هذه الوسائل، الآن أصبح البيع والشراء عن طريق المتاجر الإلكترونية شائعًا، ويُتوقَّع في المستقبل أيضًا أن يكون أكثر شيوعًا؛ ولهذا نقول: إن إجراء هذه التعاقدات من البيع والشراء ونحو ذلك عبر وسائل التقنية الحديثة أمرٌ جائزٌ شرعًا ولا إشكال فيه.

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم، بل ربما -شيخنا- أحيانًا يتم البيع والشراء، وتتم المعاملة كاملةً دون أن يصدر حرفٌ لا من البائع ولا من المشتري؟

الشيخ: نعم صحيحٌ، هذا هو الواقع، ويُتوقع في المستقبل أن يشيع ذلك أكثر.

كيف يتحقق التقابض في المعاملات الشرعية؟

المقدم: أحسن الله إليكم.

فيما يتعلق بهذه الوسائل، هناك نوعٌ من البيُوعات لها قيودٌ خاصةٌ في الفقه الإسلامي؛ كالتي يُشترط فيها -على سبيل المثال- التقابض؛ كما لو اشترى الذهب أو نحو ذلك والفضة، فكيف يكون البيع من خلال هذه الوسائل؟ وهل يتحقق التقابض هنا؟

الشيخ: الذهب والفضة يُشترط عند شرائهما بالنقد: التقابض، فلا يجوز شراء الذهب والفضة عبر وسائل الاتصال الحديثة بدون تقابض في مجلس العقد؛ لأن علة الربا في الذهب والفضة وعملةِ الشراء واحدةٌ، هي الثمنية، فيُشترط التقابض في المجلس، لكن التقابض الحكمي يقوم مقام التقابض الحقيقي؛ لأن التقابض الحقيقي إذا كان البيع والشراء عبر هذه الوسائل متعذِّرٌ؛ وحينئذٍ يكون التقابض الحكمي قائمًا مقام التقابض الحقيقي؛ كما يوجد مثلًا في بعض المصارف الإسلامية من بيع الذهب وشرائه وتداوله عبر الإنترنت، مع تسليم شهادةٍ لمن يشتري، أو يُوكِّل البنك في استلامها، فهذه الصورة أجازتها بعض الهيئات الشرعية، ويظهر أنه لا بأس بها؛ لوجود التقابض الحكمي، والتقابض الحكمي يقوم مقام التقابض الحقيقي.

إذنْ إذا وُجد تقابضٌ حقيقيٌّ أو تقابضٌ حكميٌّ؛ جاز بيع وشراء الذهب عبر وسائل التواصل الحديثة.

كيف يكون التقابض الحقيقي؟

التقابض الحقيقي يكون بألا يُجرى عقد البيع، وإنما الذي يريد بيع الذهب يرسل الذهب للراغب في الشراء، ثم بعد ذلك عندما يصل الذهب إلى منزله؛ يتم إجراء العقد، فالبائع أو مندوبه أو وكيله يُسلِّم الذهب، والمشتري يُسلِّم الثمن، فيكون التقابض حقيقيًّا يدًا بيدٍ.

المقدم: أحسن الله إليكم، يعني ما تم في البداية إنما هو إبداء رغبةٍ؟

الشيخ: إبداء رغبةٍ، هذه صورة التقابض الحقيقي، التقابض الحكمي يمكن أن يكون فيما لو تم دفع الثمن من قِبل المشتري، ودَفْعُ الذهب من قبل البائع في نفس الوقت، وهذا يمكن أن يكون عن طريق الوكلاء، عن طريق الوكيل، يُعيِّن المشتري وكيلًا له يقبض الذهب، وهو يدفع الثمن، والبائع أو وكيله يدفع الذهب لوكيل المشتري، وبذلك يتحقق أيضًا هذا التقابض.

فالوكالة تحُلُّ الإشكالية في مسائل التقابض، فالذي يريد شراء الذهب عبر هذه الوسائل يُعيِّن له وكيلًا، وهذا الوكيل يستلم الذهب وكالةً عنه، ويدفع المشتري الثمن، وبذلك يكون هذا البيع جائزًا شرعًا.

والمسلم إذا اهتم؛ سيجد من البدائل ما يُغنيه عن الوقوع في المحظور، يعني: بدل أن يشتري الذهب والفضة مباشرةً ويقع في المحظور الشرعي -وهو أنه اشترى ذهبًا أو فضةً بأوراقٍ نقديةٍ من غير تقابضٍ- يمكن أن تُحَلَّ هذه الإشكالية بأن يقال لهذا المشتري: اجعل لك وكيلًا، أو أن البائع يساعده في إيجاد وكيلٍ، يقول مثلًا: عندنا وكيلٌ تُوكِّله، فلانٌ تُوكِّله في أن يقبض الذهب نيابةً عنك، والبائع أو وكيله يُسلِّم الذهب، ووكيل المشتري يتسلم الذهب، ثم بعد ذلك وكيل المشتري يُرسل الذهب إليه، وبذلك يستطيع الإنسان أن يُحصِّل غرضه بطريقٍ مشروع، إذا وُجد الاهتمام بالحلال وتحصيل الحلال؛ فإن المسلم يستطيع أن يصل إلى غرضه بطريقةٍ مباحةٍ وبطريقةٍ مشروعةٍ، لكن المصيبة تأتي عندما لا يهتم الإنسان بمسائل الحلال والحرام ولا يُبالي بها، فهنا يقع في المحظور، وإلا فلو اهتم؛ فسيجد من البدائل ما يُحقِّق غرضه.

المقدم: أحسن الله إليكم، في هذا الموضوع تحديدًا هنا سؤالان:

السؤال الأول: هل هذا الحكم يشمل كذلك شراء الساعات التي تكون من الذهب والفضة، أم هو خاصٌّ فقط بالحلي؟

الشيخ: يشمل كل ما كان ذهبًا أو فضةً، الذهب والفضة إذا بِيعا بورقٍ نقديٍّ أو بنقودٍ؛ فلا بد فيهما من التقابض، فهذه الساعات إذا كانت من الذهب أو من الفضة؛ فإنها تأخذ حكم الحلي، لكن أحيانًا قد لا تكون الساعة كذلك، تكون عليها لمعةٌ تشبه الذهب لكنها ليست ذهبًا، هذه لا يُشترط فيها التقابض، وكذلك أيضًا الألماس مثلًا لا يُشترط فيه التقابض، يعني غير الذهب والفضة من المعادن لا يُشترط فيه التقابض.

حكم الشراء عبر التطبيقات

المقدم: أحسن الله إليكم.

هناك بعض التطبيقات -في هذا الخصوص- تُجعل بمثابة الأيقونة عند شراء الذهب أو الفضة: أن يُقِرَّ المشتري بأنه قد وَكَّل المتجر في قبض هذا الذهب، فهل مثل هذا يُعتبر مخرجًا شرعيًّا في هذه الصورة؟

الشيخ: قبل أن نتحدث عن الشراء عن طريق التطبيقات، أريد أن أُشير إلى مسألة “حكم الشراء عن طريق التطبيقات عمومًا”، فإذا أراد المشتري شراء سلعةٍ عن طريق تطبيق سوقٍ إلكترونيٍّ؛ فيبحث، هو يفتح التطبيق ثم يبحث عن السلعة التي يريد شراءها، فإذا ظهرت له، يجد عادةً ثلاثة أشياء: سعر السلعة، وصورًا أو نماذج للسلعة، ومواصفات السلعة، فإذا اطلع المشتري على ذلك، وقرَّر شراء السلعة؛ فإنه ينقر على أيقونة الموافقة في التطبيق، ثم يكمل إجراءات الشراء، ويكتب عنوانه ورقم هاتفه، ويُسدِّد ثمن السلعة عن طريق البطاقة البنكية، بحيث يتم خصم قيمة السلعة من حسابه المصرفي، ثم تقوم الشركة بشحن السلعة وتوصيلها إلى المشتري.

التكييف الفقهي في البيع عبر التطبيقات

والبيع بهذه الطريقة لا بأس به، لكن هل نقول: إن البيع والشراء هل هو بطريق الإيجاب والقبول اللفظيين؟ أو بطريق المعاطاة، يعني ما هو التكييف الشرعي أو التكييف الفقهي في البيع عبر التطبيقات؟

في الحقيقة: إن هذه الصيغ تختلف في حقيقتها عن صيغة الإيجاب والقبول اللفظيين، وعن الصيغة الفعلية للبيع التي هي المعاطاة التي قررها الفقهاء، لكنها أشبه ما تكون بصورة البيع عن طريق الرسالة، وإن كانت تختلف عنها من حيث عدم وجود مرسلٍ حقيقيٍّ من جهة البائع، وإنما تُعرَض السلعة عبر التطبيق أو الموقع، ويقوم المشتري بشرائها بطريقةٍ إلكترونيةٍ.

ومهما يكن الأمر؛ فالراجح أنه لا يختص الإيجاب والقبول في عقد البيع بألفاظٍ خاصةٍ، بل كل ما دل على الرضا من المتعاقدين فهو كافٍ في انعقاد العقد، سواءٌ كان قولًا أو فعلًا، كما اختار ذلك الإمام ابن تيمية وجمعٌ من المحققين من أهل العلم.

فلا إشكال إذنْ في صيغة البيع التي تتم عن طريق التطبيق، لكن تَرِد علينا هنا إشكاليةٌ: وهي تملُّك البائع للسلعة، هل يملكها أو لا؟ ولذلك نقول: الشراء عن طريق التطبيق له صورتان:

  • الصورة الأولى: أن يُقدِّم المشتري الثمن ويدفعه في مجلس العقد، وهذا تكييفه الفقهي: عقد سَلَمٍ؛ لأن حقيقة السَّلَم: عقدٌ على موصوفٍ في الذِّمة مؤجلٍ بثمنٍ مقبوضٍ في مجلس العقد، وهذا ينطبق تمامًا على هذا العقد؛ لأن السلعة المعقود عليها غير حاضرةٍ، وإنما هي موصوفةٌ، وفي ذمة البائع، والثمن مقدمٌ في مجلس العقد؛ فيكون هذا سَلَمًا، وتُشترط له شروط السَّلَم، ومِن أبرزها: تسليم رأس المال في مجلس العقد؛ فلا بد إذنْ أن يكون الثمن من المشتري مقدمًا، فإذا كان كذلك؛ فإنه يكون سَلَمًا، ويصح ولا إشكال.
  • الصورة الثانية: إجراء العقد مع مَن لا يملك السلعة، وإنما سوف يشتريها ثم يبيعها، وهذا في الحقيقة هو الغالب، وهذا لا يجوز؛ لأن صاحب التطبيق لا يملك السلعة وقت البيع؛ فيكون قد باع ما لا يملك، وقد نهى النبي عن بيع ما لا يملك [2]، لكن تصحيح هذه الصورة الممنوعة يسيرٌ، يكون ذلك بأحد البدائل الشرعية؛ ومنها:
    • أولًا: البديل الأول: السَّلَم، كما بيَّنا صورته قبل قليلٍ، بأن يطلب من المشتري أن يدفع الثمن مقدمًا، ويذكر مواصفات السلعة التي يريدها، وهذا الشخص يقوم ويُحضِر له هذه السلعة ويُرسلها إليه فيكون سَلَمًا.
    • البديل الثاني: إن كانت السلعة مما يُستصنع؛ فيُجرى العقد على الاستصناع، وعقد الاستصناع عقدٌ جائزٌ، ولا يُشترط فيه تسليم رأس المال في مجلس العقد على القول الراجح، وهو مذهب الحنفية، وهو الذي عليه الإجماع العَمَلي من المسلمين قرنًا بعد قرنٍ، وجيلًا بعد جيلٍ، وإن كان الجمهور يعتبرون الاستصناع نوعًا من السَّلَم، لكن الذي عليه عمل المسلمين هو مذهب الحنفية: وهو أن عقد الاستصناع عقدٌ مستقلٌّ، وأنه لا يُشترط فيه تسليم رأس المال في مجلس العقد.
    • البديل الثالث: إن لم يتيسر السَّلَم ولا الاستصناع؛ فهناك بديلٌ ثالثٌ: وهو الوعد بالشراء؛ بأن يَعِد المشتري صاحب التطبيق بشراء السلعة من التطبيق حال توفيرها وتملُّكِ من يريد البيع لها، فإذا كان على سبيل الوعد؛ فلا بأس، فتكون العملية إذنْ بين مريدِ الشراء وبين صاحب التطبيق على سبيل الوعد، فإذا مَلَك صاحب التطبيق السلعة؛ هنا بعد ذلك يجري عقد البيع بينه وبين هذا الراغب في الشراء.
    • البديل الرابع: بطريق الوكالة بأجرةٍ؛ وذلك بأن يطلب صاحب التطبيق وكالةً من العميل بأن يشتري له سلعةً بأجرةٍ، ولا يلزم أن تكون الوكالة مكتوبةً كتابةً رسميةً، بل يمكن أن يُطلِق صاحب التطبيق نموذج وكالةٍ، وإذا قَبِل الراغب في الشراء بهذا النموذج بأية صورةٍ؛ إما بتعبئة النموذج، أو يكون النموذج جاهزًا ويكون الراغب في الشراء فقط يضغط عليه، فيُوكِّل الراغب في الشراء صاحب التطبيق، فصاحب التطبيق يكون وكيلًا بأجرةٍ، يقول: اشتر لي هذه السلعة بهذه المواصفات.

فعندنا الآن أربعة بدائل لمن يبيع عن طريق هذه التطبيقات، إذا كان لا يملك السلعة:

  1. فإما أن يكون البيع بطريق السَّلَم.
  2. وإما أن يكون بطريق الاستصناع.
  3. وإما أن يكون بطريق الوعد غير المُلزِم.
  4. وإما أن يكون بطريق الوكالة بأجرةٍ.

هذه أربعة بدائل للصورة الممنوعة، لكن كون صاحب التطبيق يبيع السلعة مباشرةً وهو لا يملكها، هذا لا يجوز؛ لأنه باع ما لا يملك، ما هو الحل؟ الحل: أن يختار واحدًا من هذه البدائل الأربعة: السَّلَم، الاستصناع، الوعد، الوكالة، يختار واحدًا منها، وربما أيضًا لو تأملنا؛ نجد بدائل أخرى غير هذه، لكن هذه الآن أبرز البدائل الحاضرة في الذهن التي يمكن أن تُصحَّح بها هذه العملية، وكما ذكرت قبل قليلٍ: أن المسلم إذا اهتم بالحلال والحرام؛ فسيجد من البدائل المباحة ما يُغنيه عن الوقوع في المحرم.

المقدم: أحسن الله إليكم، فيما يخص هذه البدائل التي ذكرتموها -شيخنا- هل يُشترط أن يُبيِّن صاحب المتجر هذا البديل؛ بحيث يكون التعاقد واضحًا أمام المشتري أن العقد سيكون عن طريق صيغة السَّلَم أو صيغة الاستصناع أو الوكالة، أم المهم أن يكون حقيقة الحال في المعاملة هو الصورة الجائزة؟

الشيخ: المهم شرعًا هو واقع الحال، لكن كونه يُبيِّن، هذا أفضل وأحسن، ينبغي أن تشيع هذه المصطلحات الشرعية بين الناس، وأن تظهر وأن تبرز، هذا أفضل، لكن العبرة بالواقع، إذا أجرى العملية بطريق السَّلَم؛ أجراها بطريق الاستصناع، بطريق الوعد، بطريق الوكالة، فهو جائزٌ شرعًا وإن لم يُصرِّح بذلك، لكن الأفضل أنه يفصح عن هذا ويبين له؛ حتى يقتدي به أصحاب المتاجر الأخرى.

حكم شراء الذهب عبر التطبيقات

بقيت مسألة: شراء الذهب عن طريق التطبيقات التي سألتم عنها، فإذا لم يكن هناك تقابضٌ؛ فلا يجوز شراء الذهب والفضة عبر هذه التطبيقات، التقابض الحقيقي في المجلس غير ممكنٍ عبر هذه التطبيقات كما سبق؛ لأن السلعة المعقود عليها غير حاضرةٍ، إلا إذا وكَّل المشتري من يقبض عنه، لكن يمكن أن يكون ذلك بطريق التقابض الحكمي بتسليم شهادةٍ لمن يشتري، وأيضًا يكون هناك وكالةٌ كما تُجريه بعض المصارف الإسلامية في بيع وشراء الذهب عن طريق المصارف، فيمكن أن تُحَلَّ إشكالية التقابض عن طريق الوكالة، ووجود شهادةٍ لمن يشتري، شهادةُ تملُّكٍ لمن يشتري ذلك الذهب.

المقدم: أحسن الله إليكم، ما يتعلق بتوكيل المشتري لصاحب المتجر في شراء الذهب، هل له أن يُوكِّله في القبض عنه؟

الشيخ: له أن يُوكِّله، لكن بعض الفقهاء يمنع من ذلك؛ يقولون: إن الأحسن ألا يتولى شخصٌ واحدٌ طرفي العقد، وهذه المسألة محل خلافٍ بين الفقهاء، والراجح أنه لا بأس، والمحاباة هنا غير واردةٍ، فلا بأس أن يُوكِّله في القبض نيابةً عنه، لكن إن كان هناك وكيلٌ غير البائع؛ فهو أكمل، وفيه خروجٌ من الخلاف، وهو أحوط؛ ولذلك لو أن البائع الذي يبيع عن طريق المتجر يتفق مع شخصٍ -ولو عامِلٍ عنده في المحل أو نحو ذلك- يكون هو الوكيل عن العملاء، ويُرتِّب وكالةً بذلك؛ فيزول الإشكال، وتزول إشكالية القبض، وخاصةً فيما يُشترط فيه التقابض.

حكم إجراء البيع والشراء عبر التطبيقات في المساجد

المقدم: أحسن الله إليكم، فيما يخص التعامل بالبيع والشراء عن طريق هذه التطبيقات، تَرِد مسألةٌ ويكثر السؤال عنها في الحقيقة: وهي حكم إجراء هذه التعاملات من خلال هذه التطبيقات في المساجد، وهل يُعتبر من البيع والشراء داخل المسجد؟ فإن كان كذلك؛ فما البديل الشرعي في ذلك؟

الشيخ: هذه التطبيقات لها صورٌ، وبعض الصور قد تكون بيعًا، وبعضها تكون طلبًا وليس بيعًا؛ فعلى سبيل المثال: إذا كان مجرد طلبٍ، مَن كان في المسجد طلب طلبًا، خاصةً بالنسبة للمعتكفين في المسجد، يطلب مثلًا وجبة سحورٍ، فإذا كان مجرد طلبٍ -سواءٌ عن طريق الجوال أو عن طريق التطبيق- ولم يدفع الثمن، وإنما طلب طلبًا فقط؛ فهذا مجرد طلبٍ ولا يُعتبر شراءً؛ ولذلك لو أنه انسحب؛ لم يُلزَم بذلك، وهكذا أيضًا الذي طُلب منه هذه الوجبة، لو أنه ما سلَّمها؛ لا يُلزَم بالتسليم، وربما يتضح هذا أكثر فيما لو كانت السلعة المطلوبة قيمتها كبيرةٌ فحصل النزاع.

فالواقع: أنه إذا كان مجرد طلبٍ؛ لا تجري عليه أحكام العقد؛ لأنه ليس فيه إلزامٌ، هو مجرد طلبٍ، أنا أطلب منكم أن تُحضروا لي هذه السلعة، وإذا أحضرتموها؛ سوف أشتريها منكم، هذا المعتكف يطلب من المطعم وجبة سحورٍ؛ إما بالجوال، وإما عن طريق التطبيق، فإذا أتى مندوب التوصيل؛ يَخرج من المسجد ويُجري العقد، يدفع الثمن، ومندوب التوصيل يدفع الوجبة، وهنا يتم البيع والشراء خارج المسجد، ولا يجوز أن يكون داخل المسجد.

لكن بعض التطبيقات قد تكون بالفعل شراءً؛ وذلك فيما إذا دفع الثمن عن طريق هذا التطبيق، واستلم صاحب المحل الثمن، وكان ملزمًا بأن يدفع هذه السلعة، ولو أراد الآن هذا الذي دفع الثمن التراجع؛ لم يمكنه إلا بموافقةٍ أو إقالةٍ من صاحب التطبيق، هذا يُعتبر بيعًا وشراءً، هذا لا يجوز أن يكون داخل المسجد.

فإذنْ البيع والشراء عبر هذه الوسائل والتطبيقات إن كان مجرد طلبٍ؛ فلا بأس أن يكون داخل المسجد؛ لأنه ليس بيعًا ولا شراءً، أما إذا كان بيعًا وشراءً بالفعل، يدفع الثمن ويكون ملزمًا؛ فهذا لا يجوز أن يكون داخل المسجد، وعلى هذا المعتكف -عند إجراء عملية البيع والشراء- أن يخرج خارج المسجد ويُجري عملية البيع والشراء؛ لأن النبي نهى عن البيع والشراء في المسجد [3]، ولأن المساجد لم تُبنَ لهذا، وإن كان بعض العلماء يُخفِّف في هذه المسألة ويقول: إن المقصود بذلك الصفقات التجارية التي تُشغِل، أما هذه البيوعات اليسيرة فيُتسامح فيها، هذا صحيحٌ، قال به بعض الفقهاء، لكن عموم الحديث يقتضي منع البيع والشراء مطلقًا في المساجد، المساجد دُورٌ للعبادة، ليست محلًّا للبيع، وليست محلًّا للشراء، ولأنه لو سُمح أيضًا لمثل هذه الأشياء اليسيرة؛ ربما تَجر لأشياء كبيرةٍ فلا تنضبط؛ ولهذا فالأحسن أن نقول: إن الحديث يُؤخذ على عمومه، فلا يجوز البيع ولا الشراء داخل المسجد مطلقًا.

المقدم: أحسن الله إليكم، وما يخُصُّ المتعامل هنا بهذه التطبيقات، كيف له أن يُفرِّق بين أنواع التطبيقات هنا، ينظر إلى حقيقة المعاملة إذا كانت هل هي بيعٌ في ذات الأمر مباشرةً أو من قَبيل الوعد؟

الشيخ: إذا كان مجرد طلبٍ؛ لم يدفع شيئًا، لم يدفع ثمنًا ولا مبلغًا، مجرد طلبٍ، ويستطيع أن يُلغيه في أي وقتٍ، ولو أنَّ أيضًا الذي طُلب منه لم يُرسل؛ لا يلحقه ملامةٌ ولا يُلزَم؛ هذا مجرد طلبٍ، فهذا لا بأس أن يكون للمعتكف في المسجد، يعني الأمر واسعٌ، لكن إذا كان سوف يدفع الثمن، يدفعه مثلًا عن طريق (الفيزا) أو غيرها، والذي دفع له المبلغ ملتزمٌ بإحضار هذه السلعة، هذا بيعٌ وشراءٌ؛ فلا يجوز أن يكون داخل المسجد.

المقدم: أحسن الله إليكم، هذا يحدث أحيانًا، يكون البيع عن طريق هذه التطبيقات قد تم خارج المسجد، لكن يُكمل إجراءات السداد في داخل المسجد، فهل هذه صورةٌ يُمنع منها كذلك؟

الشيخ: هذه لا يُمنع منها؛ وذلك لأن التقاضي لا يُمنع منه داخل المسجد، كما في قصة حدرد بن أبي حدردٍ لمَّا كان يتقاضى دينًا من رجلٍ في قصة كعب بن مالكٍ  وارتفعت الأصوات، والنبي خرج وأشار إلى كعبٍ : أن ضع شطر الدين، قال: لبيك يا رسول الله [4]، وأقرَّهم النبي على التقاضي داخل المسجد.

فالتقاضي لا يأخذ حكم البيع والشراء، إنما فقط الذي ورد النهي عنه: هو البيع والشراء داخل المسجد [5]، أما التقاضي فإنه لم يَرِد النهي عنه، وهكذا أيضًا استلام السلعة، كان معتكفًا في المسجد وأراد أن يستلم وجبة سحورٍ مثلًا، والبيع والشراء قد تمَّ وانتهى، لكن مجرد استلام، فهذا لا يمنع منه.

المقدم: أحسن الله إليكم وشكر الله لكم شيخنا.

وإلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام حلقتنا في هذا اليوم، أسأل الله جل وعلا أن يجزي شيخنا فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان خير الجزاء على هذا الطرح الماتع والمفيد.

والشكر لكم أنتم -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- على استماعكم وإنصاتكم، كما أشكر من قام بتسجيل هذه الحلقة.

إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله ، ومع موضوعٍ فقهيٍّ جديدٍ، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 2109، ومسلم: 1531.
^2 رواه أبو داود: 3503، والترمذي: 1232، والنسائي: 4613، وقال الترمذي: حديث حسن.
^3 رواه أبو داود: 1079، والترمذي: 322، والنسائي: 714، وابن ماجه: 749، وقال الترمذي: حديث حسن.
^4 رواه البخاري: 457، ومسلم: 1558.
^5 سبق تخريجه.
مواد ذات صلة
zh