logo
الرئيسية/برامج إذاعية/مجالس الفقه/(7) برنامج مجالس الفقه- المعاملات المالية المعاصرة

(7) برنامج مجالس الفقه- المعاملات المالية المعاصرة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).

(مجالس الفقه) برنامجٌ الحديث فيه متعلِّقٌ بمسائل الفقه وما دار في فَلَكها، نتناول فيه جملةً من الأحكام والمسائل مما له صِلةٌ بالفقه الإسلامي.

في هذه الحلقة نرحب بضيفنا، فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس الجمعية الفقهية السعودية، فمرحبًا بكم يا شيخنا.

الشيخ: أهلًا، حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.

أهمية التفقه في مسائل المعاملات المالية المعاصرة

المقدم: أحسن الله إليكم.

شيخنا، في هذه الحلقة سنتناول مدخلًا متعلقًا بالمعاملات المالية المعاصرة وبعض المسائل والأحكام المرتبطة بذلك، ولعل من الأهمية بمكانٍ: أن نبدأ بالحديث عن أهمية التفقه في مسائل المعاملات المالية المعاصرة، وخاصةً ما يتعلق بممارسات التجار ومن يتعامل بذلك؟

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فالفقه في الدين منزلته في شريعة الإسلام عَلِيَّةٌ ورفيعةٌ، والنبي يقول: من يُرد الله به خيرًا؛ يفقهه في الدين [1]، فمطلوبٌ من المسلم أن يسعى للتفقه في دين الله ، ومن ذلك: التفقه في مسائل المعاملات المالية المعاصرة، خاصةً لمن يتعامل بها من التجار وغيرهم.

والعالَم اليوم يشهد تطورًا ماديًّا وفكريًّا سريعًا شمل معظم جوانب الحياة، وكان لعالَم الاقتصاد والتجارة مجالٌ فسيحٌ وواسعٌ في هذا التطور، كان من نتاج ذلك: أن ابتُكرت أدواتٌ وصيغٌ وأساليب في العقود والمعاملات لم تكن معروفةً من قبل، وهذه المعاملات المالية، وهذه القضايا المستجدة، وهذه النوازل، لا بد أن يكون فيها حكمٌ شرعيٌّ؛ فإنه ما من قضيةٍ تقع إلا ولله تعالى فيها حكمٌ، علمه من علمه، وجهله من جهله.

والعلماء يقولون: إنه لا بد من قائلٍ بالحق، أي أنه لا يمكن أن تخفى مسألةٌ من المسائل على جميع علماء العصر؛ لأن هذا يتنافى مع قول النبي : لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق [2]، والأمة معصومةٌ من أن تجتمع على ضلالةٍ، فلا تجتمع الأمة على ضلالةٍ، ولا بد من متكلمٍ وقائلٍ بالحق في هذه النوازل وهذه المسائل المعاصرة؛ ولهذا يقول الحافظ ابن رجبٍ رحمه الله: “لا بد في الأمة من عالمٍ يُوافق الحق، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبهًا عليه، ولا يكون عالمًا بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالةٍ، فلا يكون الحق مهجورًا غير معمولٍ به في جميع الأمصار والأعصار”.

والشريعة الإسلامية -على مدار القرون الماضية- استوعبت جميع الحوادث والنوازل الواقعة والقضايا المستجدة، مع أن هذه الشريعة قد حَكَمت في دولٍ متباعدةٍ، وأقطارٍ متراميةٍ، مددًا طويلةً، وقرونًا متواليةً، وأزمنةً متتاليةً، وعاشت جميع التيارات والبيئات، وأصول الرخاء والشدة، والقوة والضعف، ومواجهة الأحداث في جميع الأطوار، ولاقت مختلِف العادات والتقاليد، ومع ذلك ما عجزت في يومٍ من الأيام عن واقعةٍ.

فلم نجد في يومٍ من الأيام: أن العلماء لم يجدوا حكمًا لقضيةٍ من القضايا، بل شملت هذه الشريعة العظيمة جميع جوانب الحياة، فقد أكمل الله تعالى هذا الدين، وأتمَّ النعمة؛ كما قال سبحانه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، يقول أبو ذرٍّ : “ما توفي رسول الله وطائرٌ يطير بجناحيه إلا وذكر لنا منه عِلمًا” [3]، ومع هذا التطور وهذا التقدم وُجدت معاملاتٌ حديثةٌ، ونوازل ومستجداتٌ لا بد للمسلم من التفقه فيها، خاصةً من يتعامل بمجال التجارة والبيع والشراء، ومن يحتاج إلى تلك التعاملات، على أن كثيرًا من الناس اليوم يحتاجون إلى كثيرٍ من التعاملات الحديثة.

فمثلًا: بطاقات الصراف الآلي، أصبح كثيرٌ من الناس يحملونها في جيوبهم ويتعاملون بها، فهم محتاجون إلى معرفة أحكام مسائلها، لكن هذا يتأكد على من يتعامل بالتجارة والبيع والشراء؛ ولهذا كان في صدر الإسلام في زمن عمر  يُسأل من يبيع ويشتري ويتعامل بالتجارة، وكان عمر يُقيم من الأسواق من ليس بفقيهٍ، ويقول: “لا يقعد في سوق المسلمين من لا يعرف الحلال والحرام”؛ حتى لا يقع في الربا ولا يوقع المسلمين فيه.

كانت هذه هي بمثابة الرخصة لفتح المحل التجاري في ذلك الوقت، أنه يُجرَى له اختبارٌ في أبرز مسائل الحلال والحرام والمعاملات، فإن نجح في هذا الاختبار؛ مُكِّن من فتح محله التجاري، أما إن لم ينجح؛ فيقال له: اذهب وتعلَّم أحكام الحلال والحرام والبيوع، حتى تجتاز هذا الاختبار.

يقول ابن الحاج رحمه الله في كتابه “المدخل” عن أحد شيوخه أنه أدرك المحتسِب يمشي في الأسواق، ويقف على كُلِّ دكانٍ فيسأل صاحبه عن الأحكام التي تلزمه في بيعه، ومن أين يدخل عليه الربا، وكيف يتحرِزُ منه، فإن أجابه؛ أبقاه، وإن جهل شيئًا من ذلك؛ أقامه منه، قال: لا يمكنك أن تقعد في أسواق المسلمين تُطعِم الناس الربا وما لا يجوز؛ لهذا فإن دخول المسلم في التجارة من دون معرفةٍ للأحكام المتعلقة بها فيه خطرٌ عظيمٌ على دينه، فقد يقع في الربا مثلًا من حيث لا يشعر، والربا أمره عظيمٌ، وقد لعن النبي آكل الربا وموكله [4]، ولما خرج النبي ذات يومٍ ورأى الناس يتبايعون قال: يا معشر التجار ، فرفعوا أعناقهم إليه، قال: إن التجار يُبعثون يوم القيامة فُجَّارًا إلا من اتقى وَبَرَّ وصدق [5].

ويقول عليه الصلاة والسلام: إن التجار هم الفجار، قالوا: يا رسول الله أوليس قد أحل الله البيع؟ قال: بلى، لكنهم يحلفون فيأثمون ويُحدثون فيكذبون [6]، أخرجه أحمد في “مسنده” بسندٍ جيدٍ، وجاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة [7]، أخرجه الترمذي.

وجاء في حديث قيس بن أبي غَرَزَة ، قال: كنا في عهد رسول الله نُسمَّى “السماسرة” -يعني: كان التجار يسمَّون: “السماسرة”- فمر النبي بنا يومًا بالمدينة فسمَّانا باسمٍ هو أحسن منه، فقال: يا معشر التجار، سماهم بالتجار، نقل التسمية من السماسرة إلى التجار، يا معشر التجار، إن هذا البيع يحضره اللغو والكذب، وفي روايةٍ: والحلف، فشوبوا أموالكم بالصدقة، وجاء في روايةٍ أخرى: إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشُوبُوا بيعكم بالصدقة [8].

وفي هذا توجيهٌ من النبي لمن يتعامل بالتجارة: أنه ينبغي أن يَجبُر ما قد يقع من الخلل في هذه التجارة بالصدقة، إذا كان هذا خطابًا من النبي للتجار في زمنه، مع غلبة التقوى والصلاح، ومع ذلك يقول النبي للتجار: شُوبوا أموالكم بالصدقة، فكيف بوقتنا الحاضر؟!

ولهذا -أيها الإخوة- ينبغي لمن يتعامل في البيع والشراء وأمور التجارة؛ أن يتصدق بشيءٍ من الأرباح؛ حتى أولًا: يجبُرَ ما قد يكون من خللٍ ونقصٍ في التعاملات، وثانيًا: هذه الصدقة تكون بركةً عليه وبركةً على تجارته، وكما قال : ما نقص مالٌ من صدقةٍ [9]، بل تزيده، وأيضًا هذه الصدقة تدفع البلاء، وتدفع الآفات عن هذا المال، والنبي يقول: ما من يومٍ يُصبح العباد فيه؛ إلا وينزل ملكان من السماء، يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا [10]، هذا الحديث العظيم ينبغي أن يكون حاضرًا لدى كل مسلمٍ.

كل يومٍ ينزل فيه هذان الملكان، يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا؛ ولذلك ينبغي عليك -أخي المسلم- أن تحرص أن تتصدق كل يومٍ ولو بريالٍ واحدٍ، حتى تدخل في دعوة الملَك، ويتأكد هذا في حق من يتعامل بالبيع والشراء والتجارة؛ ولهذا هناك بعض التجار الموفَّقين تجد أنه حريصٌ على الصدقة، كلما ربح ربحًا؛ تصدَّق بجزءٍ منه، جزءٍ من الربح؛ فَنَمَتْ تجارته، والواقع خير شاهدٍ بهذا.

هناك بعض التجار يتعجب الناس من نماء تجارتهم! نماءٌ متزايدٌ، وعندما تتأمل في السر؛ تجد أن السر هو الصدقة، حريصون على الصدقة، وهذا التوجيه وجه به النبي : شُوبوا أموالكم بالصدقة [11]، ولهذا أُوجِّه من هذا المنبر الإخوة التجار ومن يتعامل بالمعاملات والبيع والشراء: أن يحرصوا على الصدقة، كلما ربحت ربحًا؛ تصدَّق بجزءٍ منه؛ أولًا: تجبُر الخلل الذي قد يقع في هذه التعاملات، شُوبوا أموالكم بالصدقة، ثانيًا: تدفع البلاء عن تجارتك، ثالثًا: أن التجارة تزيد وتنمو، والله تعالى يقول: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39]، عندما يقول ربنا: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، في كتابه العظيم الذي يقرأه الناس جيلًا بعد جيلٍ؛ لا بد أن يتحقق هذا الخَلَف للمسلم، يُخلِف الله عليه خَلَفًا عظيمًا؛ إما بزيادةٍ حسيةٍ، أو ببركةٍ، أو بدفع بلايا وآفاتٍ، فالصدقة شأنها عظيمٌ.

عناية الفقهاء بأبواب المعاملات

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم هذا البيان، والحقيقة شيخنا أنكم سلطتم الضوء على أمرين مهمين:

الأمر الأول: ما يتعلق بأهمية الفقه في مسائل الأحكام.

والأمر الثاني: ما يتعلق بباب الوعظ بتجارة المسلم، وما يحتاج إليه من الصدقة ونحو ذلك مما يجبُر به النقص.

وهذا يقودني شيخنا إلى الحديث عن: الفقهاء رحمهم الله -قديمًا وحديثًا- أوْلَوا أبواب المعاملات المالية عنايةً فائقةً، والمعاملات هي قسمٌ من أقسام الفقه، وفيه كلامٌ طويلٌ وكثيرٌ لأهل العلم، فهلَّا سلطتم الضوء بشيءٍ من الإيجاز حول عناية الفقهاء رحمهم الله -قديمًا وحديثًا- بأبواب المعاملات على مستوى المذاهب الأربعة وأتباعها؟

الشيخ: الفقهاء رحمهم الله عُنُوا عنايةً كبيرةً بأبواب المعاملات، حتى إنك لا تجد كتاب فقهٍ إلا وفيه قسمٌ فيه أبواب معاملاتٍ، ليس بابًا بل أبوابًا، فتجد أحد الأقسام عندهم قسمٌ كبيرٌ اسمه: قسم المعاملات، على خلافٍ بينهم في طريقة الترتيب؛ بعضهم يجعله بعد العبادات، وبعضهم يؤخِّره، لكنهم يجعلون هذه الأبواب (أبواب المعاملات)؛ وهذا يدل على العناية الكبيرة من الفقهاء بهذه الأبواب؛ لأنها مهمةٌ للمسلم، ويَسأل المسلمون عنها في كل زمانٍ ومكانٍ.

وقد أصَّل فقهاؤنا لهذه الأبواب، وذكروا فيها قواعد جامعةً، يستطيع طالب العلم الانطلاق منها، حتى إن فقهاءنا رحمهم الله ذكروا معاملاتٍ لم تقع، افترضوها افتراضًا، حتى إذا وقعت؛ يكون طالب العلم على معرفةٍ وإلمامٍ بها.

وأما بالنسبة للمذاهب: فوُجد مذاهب كثيرةٌ، لكن انقرضت تلك المذاهب، وبقي منها أربعة مذاهب، وهي المذاهب المتبوعة الآن في العالم الإسلامي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، هذه هي المذاهب الأربعة المتبوعة في العالم الإسلامي، وقد ذكر بعض أهل العلم -وممن ذكر هذا ابن تيمية- أن أجود المذاهب الأربعة في أبواب المعاملات: مذهب المالكية والحنابلة؛ ولهذا يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: “أصول مالكٍ في البيع أجود من أصول غيره؛ فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب، الذي كان يقال: إنه أفقه الناس في البيع، كما كان يقال: عطاءٌ أفقه الناس في المناسك، وإبراهيم النخعي أفقههم في الصلاة، والحسن أجمعهم لذلك كله”، يعني هذا هو السر في أن مالكًا هو أفقه الأئمة الأربعة، وأن المذهب المالكي أجود المذاهب الأربعة، أن الإمام مالكًا أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي يقال: إنه أفقه الناس في البيوع.

والإمام أحمد وافق كُلَّ واحدٍ من التابعين في أغلب ما فُضِّل فيه، وقد وافق الإمام أحمد مالكًا في أغلب أو معظم آرائه في المعاملات؛ ولذلك فإن الإمام مالكًا والإمام أحمد يُحرِّمان الربا، وهذا عند الجميع، لكنهما يُشدِّدان فيه، يُشدِّدان في الربا غاية التشديد، ويمنعان من الاحتيال عليه بكل طريقٍ؛ ولهذا تجد المذهب المالكي والحنبلي عندهما في سَدِّ الذرائع ما ليس عند غيرهما من المذاهب، حتى إنهما يمنعان الذريعة المُفضية للربا وإن لم تكن حيلةً، وإن كان الإمام مالكٌ يُبالغ في سَدِّ الذرائع مبالغةً أشد من الإمام أحمد، وبقية المذاهب كذلك أيضًا لها عنايةٌ بالمعاملات، لكن كما قال ابن تيمية: إنه بالنظر لهذه المذاهب الفقهية أجودها في المعاملات المالية: مذهب المالكية ومذهب الحنابلة.

المقدم: أحسن الله إليك، المقصود هنا: النظر الإجمالي لفقه المالكية أو في كل مسألةٍ بعينها؟

الشيخ: المقصود: النظر الإجمالي، وليس بالضرورة أن كل مسألةٍ قال فيها المالكية بقولٍ بمعاملةٍ؛ أن يكون قولهم هو الراجح، وإنما المقصود في الجملة، النظر إجمالًا، وإلا فقد يكون مثلًا الراجح في مسألةٍ ماليةٍ مذهب الحنفية، قد يكون الراجح مذهب الشافعية، بل قد يكون أحيانًا الراجح حتى من غير المشهور من المذاهب الأربعة، مثلًا: “مسألة “ضع وتعجل”، أو “الحطيطة”، هذه كثيرٌ من المحققين والآن الذي عليه الفتوى: هو القول بجوازها، مع أن المذاهب الأربعة تمنع منها، قد يكون حتى الراجح هو خلاف ما عليه المذاهب الأربعة، لا ينحصر الحق في هذه المذاهب، لكنها مدارس فقهيةٌ ينبغي أن ينطلق منها طالب العلم، إنما ما أجمعت عليه الأمة، هذا الذي يجب الأخذ به ولا يجوز مخالفته، لكن إذا كانت المسألة خلافيةً فالمسلم يبحث عن الحق ويتبع ما يقتضيه الدليل.

هل المصرفية الإسلامية قادرة على التكيف مع الاقتصاد العالمي؟

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم.

شيخنا، لعلي أدخل إلى شيءٍ من التفصيل في مسائل المعاملات، وأتحدث تحديدًا عن المصرفية الإسلامية في زماننا، نحن وجدنا -ولله الحمد- أن المصرفية الإسلامية صار لها حضورٌ كبيرٌ، وأثبتت نجاحها في كثيرٍ من الدول التي تتعامل بها، لكن يبقى السؤال المهم الحقيقة، والذي يُطرَح دائمًا: هل المصرفية الإسلامية قادرةٌ على أن تتناغم مع الاقتصاد العالمي؟ وهل هناك عقباتٌ في هذا الباب؟

الشيخ: المصرفية الإسلامية نَمَت نموًّا كبيرًا ولله الحمد، الآن لها جانبٌ عظيمٌ ومشرقٌ، وتطورت تطورًا كبيرًا عندنا في المملكة العربية السعودية ولله الحمد، نَمَت المصرفية وازدهرت، وعندنا رؤية المملكة (2030) من أهدافها كما هو منصوصٌ: أن تكون المملكة رائدةً في المصرفية الإسلامية، فلله الحمد المصرفية الإسلامية عمومًا في العالم في تزايد وفي نموٍّ، ولما بدأت كان هناك تحدياتٌ وعقباتٌ كبيرةٌ، لكن -ولله الحمد- هذه العقبات بدأت تزول شيئًا فشيئًا، والتعامل بالمعاملات المالية أصبح منتشرًا في كثيرٍ من أقطار الأرض، والعالَم -كما يقال- أصبح كالقرية الواحدة، وارتبط بعضه ببعضٍ، ونشأ الاقتصاد العالمي؛ لهذا يستطيع الإنسان أن يُحوِّل أي مبلغٍ ماليٍّ لأيَّة دولةٍ في العالم؛ وذلك بسبب ارتباط الاقتصاد بعضه ببعضٍ.

وهذا الاقتصاد ارتبطت به البنوك، ولكن وُجدت تحدياتٌ كبيرةٌ للمصرفية الإسلامية؛ ومن أبرز هذه التحديات: أن نظرة الشريعة الإسلامية لبعض العقود المالية تختلف اختلافًا جذريًّا عن نظرة الاقتصاد العالمي الذي ارتبطت به البنوك، فكيف يمكن تجاوز هذه العقبة وإيجاد منتجاتٍ مباحةٍ مع هذا الاختلاف الكبير؟

المقدم: أحسن الله إليكم، ما الفرق بين النظرتين؟

الشيخ: أوضح هذا بمثالٍ؛ على سبيل المثال: القرض، القرض الذي هو السلف، وليس القرض الذي يسميه بعض الناس قرضًا، وهم يقصدون به التمويل، المقصود بالقرض: السلف الذي يُعرِّفه الفقهاء بأنه: “دفع مالٍ لمن ينتفع به ويرُدُّ بدله”.

الإسلام ينظر إلى القرض على أنه من عقود الإرفاق والإحسان؛ ولهذا صورة القرض في الأصل صورةٌ ربويةٌ، فعندما يقرض شخصٌ آخرَ مثلًا خمسة آلاف ريالٍ على أن يرُدَّها بعد سنةٍ، هذه صورتها في الأصل صورةٌ ربويةٌ؛ لعدم تحقُّق التقابض، الشريعة الإسلامية استثنت هذه الصورة -وهي القرض- لتشجيع الناس على الإرفاق والإحسان والتعاون والتكافل، ولذلك إذا أصبح القرض لا يُراد به هذا المعنى، وإنما أصبح يُراد به الربحية والاستثمار والمعاوضة؛ خرج القرض عن موضوعه، الأصل الذي أُبيح من أجله: وهو الإرفاق والإحسان، ورجع القرض إلى صورته في الأصل: وهي الصورة الربوية، وهذا معنى قول الفقهاء: “كل قرضٍ جَرَّ نفعًا؛ فهو ربًا”.

إذنْ نظرة الإسلام للقرض: على أنه من صور التكافل والإرفاق، والاقتصاد العالمي والبنوك هذه مؤسساتٌ ماليةٌ ربحيةٌ، ليست جمعياتٍ خيريةً، تنظر للقرض على أنه من وسائل الاستثمار والربحية، فالبنوك لا تُقرض لوجه الله، إنما تقرض لأجل الاستثمار، هنا تَبرُز الإشكالية الكبيرة والاختلاف الكبير بين نظرة الإسلام للقرض، وبين نظرة البنوك للقرض، هذا مثالٌ للاختلاف الكبير.

مثالٌ آخر: الضمان، الضمان أيضًا في الشريعة الإسلامية من عقود الإرفاق والإحسان، وعند المذاهب الأربعة وعند الفقهاء السابقين: لا يجوز أخذُ عوضٍ على الضمان، لكن البنوك كيف تنظر للضمان؟ تنظر له على أنه مِن وسائل الربحية والمعاوضة والاستثمار، ومن هنا تَرِد إشكالية: حكم أخذ عمولةٍ على خطابات الضمان، على الضمانات البنكية.

فهنا تأتي هذه الإشكالية وهذه التحديات، ولكن -ولله الحمد- علماء وفقهاء العصر وجدوا حلولًا لهذه الإشكاليات، وقامت المصرفية الإسلامية قيامًا حسنًا.

فعلى سبيل المثال:

بعض البطاقات وبعض العقود نُقلت من دائرة القرض الضيقة إلى دائرة المرابحة، فلما انتقلت من دائرة القرض إلى دائرة المرابحة؛ زال كثيرٌ من الإشكاليات.

على سبيل المثال: البطاقات الائتمانية الإقراضية، هذه مبنيةٌ على القرض؛ لذلك لا يجوز للبنك أن يأخذ أكثر من التكلفة الفعلية، لكن بعض المصارف الإسلامية نقلتها من دائرة القرض إلى دائرة المرابحة، فقيل: يجوز للبنك أن يأخذ أرباحًا، مادام أنها انتقلت إلى مرابحةٍ ولم تعد قرضًا؛ هنا جاز للبنك أن يأخذ أرباحًا على هذه المرابحة.

يعني هناك حلولٌ استطاعت المصرفية الإسلامية أن تتجاوز بها الكثير من العقبات؛ ولهذا فالمصرفية الإسلامية -ولله الحمد- هي في نموٍّ وفي تطورٍ، ولو قارَنَّا المصرفية الإسلامية اليوم بما كانت عليه قبل سنواتٍ؛ نجد الفرق الكبير، خاصةً أن الآن أكثر الناس يحتاجون للتعامل مع البنوك؛ يعني مثلًا: هذا الشاب الذي تخرَّج حديثًا، كيف يستطيع أن يمتلك بيتًا إن لم يستعن بالبنوك؟! لا بد أن يستعين بالبنك في التمويلات، لكنه -بمفرده وبدخله الذي يتقاضاه من وظيفته- ربما لا يستطيع أن يمتلك بيتًا؛ فهو بحاجةٍ إذنْ إلى مساعدة البنوك، والبنوك تُقدِّم تمويلاتٍ بطريقةٍ جائزةٍ شرعًا، وتمتد سنواتٍ طويلةً، ربما تمتد عشرين عامًا، ربما خمسةً وعشرين، وربما ثلاثين عامًا، فالبنوك تستفيد وتربح، وأيضًا هذا الشاب يستفيد من هذه التمويلات، والله تعالى يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275]، فاستطاعت المصرفية الإسلامية أن تساعد الناس أيضًا على إيجاد حلولٍ لمثل هذه القضايا، قضية مثلًا تملُّك السكن ونحو ذلك، وإن كانت هي أيضًا تستفيد وتربح أرباحًا كبيرةً؛ وهذا يدل على ارتباط البنوك بواقع الناس؛ ولهذا من المهم إيجاد تعاملاتٍ شرعيةٍ وتعاملاتٍ منضبطةٍ بالضوابط الشرعية؛ لأن تعاملات الناس الآن أصبحت مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بهذه التعاملات البنكية، وهذا -ولله الحمد- أصبح الآن موجودًا، وأصبح بإمكان الإنسان أن يحصل على ما أراد من سيولةٍ نقديةٍ بطريقةٍ جائزةٍ شرعًا، وبطريقةٍ مباحةٍ، عن طريق صيغةٍ من الصيغ المجازة شرعًا؛ إما بطريق المرابحة، أو بطريق التورُّق، أو بطريق التأجير مع الوعد بالتمليك، أو بطريق المشاركة، أو بأية صيغةٍ من صيغ التمويل الجائزة شرعًا؛ فلهذا -ولله الحمد- أصبحنا نراه واقعًا حسنًا، وتجاوزت المصرفية الإسلامية هذه العقبات الكبيرة الموجودة، وإن كان لا يزال يوجد أيضًا عقباتٌ أخرى، لكنها أصبحت أقل بكثيرٍ مما كانت عليه قبل سنواتٍ.

فالمصرفية الإسلامية -ولله الحمد- الآن في نموٍّ وتطورٍ، وأصبحت تُقدِّم للمجتمعات الإسلامية حلولًا، وتُعين كثيرًا من الناس على تحصيل ما يريدون من سيولةٍ نقديةٍ بطريقةٍ آمنةٍ ومجازةٍ شرعًا.

هل ارتفاع تكلفة البدائل الشرعية يقدح في جدوى المصرفية الإسلامية؟

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم.

شيخنا في هذا المعرض يذكر بعض الإخوة إشكالًا: وهو أن البدائل الشرعية في المصرفية الإسلامية قد تكون نظرةُ الاسترباح فيها كبيرةً؛ ولذا بعضهم يُورِد هذا الإشكال، ويقول: كيف تقولون: إن المصرفية الإسلامية هي البديل، بينما نحن نجد تبعات الأرباح المتعلقة بالمصرفية الإسلامية في ذات المبلغ الذي يريد أن يتحصل عليه العميل في نهاية المطاف، ربما يجد أنها في القرض الصريح بفائدةٍ أخف من التبعات المالية في البديل الشرعي؟! فهل هذا قادحٌ في المصرفية الإسلامية؟ وما الجواب عن ذلك؟

الشيخ: هذا لا يقدح في المصرفية الإسلامية، المصرفية الإسلامية تعتمد على مؤسساتٍ ماليةٍ، هذه المؤسسات المالية هي مؤسساتٌ ربحيةٌ تعتمد على العرض والطلب، وليست جمعياتٍ خيريةً، بعض الناس إذا رأى مصرفًا إسلاميًّا؛ يريد أن يكون هذا المصرف جمعيةً خيريةً، وهذا غير صحيحٍ، يبقى أنه مؤسسةٌ ماليةٌ تريد أن تتربَّح لكن بطريقةٍ مشروعةٍ، والذي يحكم مستوى الأرباح هو العرض والطلب، هذا العرض والطلب -على مر الأزمان والأعصار- هو الذي يتحكم في مسألة الربح؛ ولذلك تجد أحيانًا أن المصارف تُقلِّل نسبة الأرباح، وأحيانًا تزيد نسبة الأرباح؛ تبعًا لهذا التذبذب، فهذا يرجع لقضية العرض والطلب، لكن أيضًا إذا نظرنا بطريقةٍ منصفةٍ؛ نجد أن المصارف في السوق هي أقل المؤسسات التي تأخذ أرباحًا، قارنها بأي مؤسسةٍ أخرى خارج السوق، أقل مؤسسةٍ تأخذ أرباحًا: هي البنوك، طبعًا ليس هذا دفاعًا عن البنوك، لكن هذا هو الواقع؛ ولذلك تجد أنه لا يذهب للمؤسسات الأخرى غير البنوك إلا شخصٌ اعتذرت منه البنوك؛ لكونه مثلًا استنفد حدَّه الأقصى، فتجد في الواقع أن البنوك تأخذ أقل نسبةٍ من الأرباح، هذا في الغالب، وإلا فقد يوجد غيرهم، لكن في الغالب هذا هو الواقع.

ثم أيضًا البنوك تُعطي مُددًا طويلةً، تُعطي عشرين سنةً، خمسًا وعشرين سنةً، ثلاثين سنةً، هذه الأرباح إذا اجتمعت تتراكم، على أنه أيضًا يُتاح للعميل إذا أراد أن يُسدِّد سدادًا مبكرًا؛ فيمكن أن تُسقط عنه الأرباح عن بقية السنوات المتبقية، فمسألة: لماذا الأرباح مرتفعة؟ هذه تخضع للعرض والطلب، ونقول: هذه مؤسساتٌ ماليةٌ ربحيةٌ، وليست جمعياتٍ خيريةً.

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم شيخنا.

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام حلقتنا في هذا اليوم، وأسأل الله جل وعلا أن يجزي شيخنا خير الجزاء.

وللحديث صلةٌ -إن شاء الله- في بعض المسائل والأحكام المتعلقة بهذا المدخل المهم للمعاملات المالية، يكون إن شاء الله في حلقةٍ قادمةٍ.

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام حلقتنا، والشكر موصولٌ لكم أنتم -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- على إنصاتكم واستماعكم، والشكر موصولٌ لمن قام بتسجيل هذه الحلقة.

إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ -بإذن الله ​​​​​​​– أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
^2 رواه البخاري: 7311، ومسلم: 1920.
^3 رواه أحمد: 21361، والبزار: 3897.
^4 رواه مسلم: 1597.
^5 رواه الترمذي: 1210، وابن ماجه: 2146، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
^6 رواه أحمد: 15530.
^7 رواه الترمذي: 1209، وابن ماجه: 2139، وقال الترمذي: حديث حسن.
^8 رواه أبو داود: 3326، والترمذي: 1208، والنسائي: 3800، وابن ماجه: 2145، وقال الترمذي: حسن صحيح.
^9 رواه مسلم: 2588.
^10 رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010.
^11 سبق تخريجه.
مواد ذات صلة
zh