logo
الرئيسية/برامج إذاعية/مجالس الفقه/(3) برنامج مجالس الفقه- مس المصاحف المكتوبة بالحروف البارزة وأجر التلاوة من الهاتف الجوال

(3) برنامج مجالس الفقه- مس المصاحف المكتوبة بالحروف البارزة وأجر التلاوة من الهاتف الجوال

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).

(مجالس الفقه) برنامجٌ يذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، بالتعاون مع “الجمعية الفقهية السعودية”، جمعيةٌ متخصصةٌ في خدمة الفقه والفقهاء، ويَصدر عن هذه الجمعية سلسلةٌ من الأبحاث العلمية المُحَكَّمة في مجال الفقه وأصوله، كما يصدر عن هذه الجمعية سلسلةٌ من اللقاءات والندوات المتعلِّقة بالفقه وما يرتبط به من مسائل، كل هذا تجدونه في موقع الجمعية على الشبكة، ويمكنكم الاطلاع عليها من خلال محرك البحث.

في هذه الحلقة نرحب بشيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بقسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس الجمعية الفقهية السعودية فمرحبًا بكم يا شيخنا.

الشيخ: أهلًا، حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.

المقدم: أحسن الله إليكم.

شيخنا، كنا استعرضنا في الحلقة الماضية جملةً من النوازل التي يكثر السؤال عنها، وتوقف بنا الحديث حول المسائل أو النوازل المتعلقة بمس المصحف، وذكرتم -حفظكم الله- ما يتعلق بمس المصحف من خلال شاشة الجوال، والحكم الفقهي المتعلق بذلك.

وهناك مسألةٌ أخرى أيضًا يُسأل عنها كثيرًا: وهي ما يتعلق بالمصاحف المكتوبة بالحروف البارزة، أو ما يسمى بــ: (لغة برايل)، فما حكم مس هذه المصاحف على غير طهارةٍ، وما هو تخريجها الفقهي، جزاكم الله خيرًا؟

مس المصاحف المكتوبة بالحروف البارزة (طريقة برايل)

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذه الطريقة التي يُعلَّم بها المكفوفون القراءة والكتابة، تسمى: الكتابة بالأحرف البارزة، واشتهرت باسم (برايل)، يقال: إنه هو الذي اخترع هذه الطريقة، على أن هناك من الباحثين من ذكر أن هذه الطريقة ذكرها ابن حزمٍ، وذكرها بعض علماء المسلمين، لكن لم يشتهر ذلك، وإنما الذي اشتهر هو (برايل)؛ ولذلك تسمى: (طريقة برايل).

و(طريقة برايل): عبارة عن نظامٍ نَقَطي، يتم تنقيطُه عن طريق خليةٍ صغيرةٍ، تُمثِّل شكلًا مستطيلًا، يتكون ضلعه الرأسي من ثلاث نقاطٍ، وضلعه الأفقي من نقطتين، والترميز في (نظام برايل) لا يتم إلا بواسطة عدد النقاط في الرمز الواحد؛ بقدر ما يتم من خلال تغير مواضع النقاط داخل الخلية الواحدة؛ مما ينجم عنه ثلاثةٌ وستون رمزًا.

وبهذا يتبيَّن أن (طريقة برايل)، أو (نظام برايل) طريقةٌ لكتابة الحروف الهجائية، وليست لغةً مستقلةً، فلو كتبنا مثلًا: كلمة “محمد” بـ(طريقة برايل)؛ فسنكتب كل حرفٍ على حِدَةٍ بحروفٍ بارزةٍ وطريقةٍ معروفةٍ، وعندما يقوم الكفيف المتعلِّم لهذا النظام بلمس هذه الحروف؛ فسينطق نفس الكلمة (محمد) دون تغييرٍ، مع الشكل والتنقيط كذلك، بل إنه سوف يتهجَّى نفس الحروف العربية: (م ح م د).

ومعلومٌ أن الرسم الموجود حاليًّا بالحروف الهجائية قد مر على مراحل تطورٍ، فأُضيف لها النقاط والتشكيل، ولم يُخْرِجها ذلك عن كونها حروفًا عربيةً؛ وعلى ذلك تكون هذه النازلة.

تخريج المسألة

هذه -الحقيقةَ- نازلةٌ في المصاحف التي كُتبت بـ(طريقة برايل)، هل تأخذ حكم المصحف الورقي فيُشترط لِمَسِّها الطهارة، أم أنه لا يُشترط لِمَسِّها الطهارة؟

يمكن تخريج هذه النازلة على مسألةٍ ذكرها بعض الفقهاء المتقدمين: وهي حكم مس المُحدِث ما كُتب من القرآن بالحروف الأعجمية، إذا كتبه بها مَن يرى جواز ذلك؛ فمثلًا: يكتب: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، يقرؤها بالعربية، لكن كتابتها بلغةٍ أخرى؛ بلغةٍ إنجليزية، بلغةٍ فرنسيةٍ، بلغةٍ أخرى، فما كُتب من القرآن بحروفٍ غير العربية هل هذا يأخذ حكم المصحف أم لا؟ نفترض مثلًا كتب: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، أو كتب المصحف كاملًا باللغة الإنجليزية، لكن النطق يكون باللغة العربية، فهل هذا يأخذ حكم المصحف؟

في هذه قولان للفقهاء:

  1. ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يأخذ حكم المصحف تمامًا؛ وعلى ذلك: فلا يجوز مَسُّه إلا على طهارةٍ.
  2. المالكية قالوا: إنه لا يأخذ حكم المصحف، وأجازوا مَسَّه، ولم أقف على كلام للحنابلة في هذه المسألة.

المقدم: أحسن الله إليكم، حتى تتضح صورة المسألة؛ المقصود: أنه كُتب بذات النُّطق بالعربية، لكن الأحرف باللغة الإنجليزية، وليس مترجمًا.

الشيخ: نعم، وليس مترجمًا، بحيث يستطيع الذي يتكلم اللغة الأخرى أن يقرأ باللغة العربية، ولكن هي مكتوبةٌ، ليس كتابةَ حروفٍ عربيةٍ، وإنما بلغةٍ غير عربيةٍ، ففيها هذا الخلاف الذي ذكرناه بين المذاهب.

فالذي يظهر: أن الخلاف أيضًا في هذه المسألة والمسألة المُخرَّج عليها واحدٌ؛ فمن اشترط الطهارة لِمَسِّ المصحف المكتوب بغير العربية؛ اشترطها أيضًا في مس المصحف المكتوب بـ(طريقة برايل)، وكذا العكس؛ لاشتراكهما في كتابة القرآن بغير الحروف العربية، فهذا يمكن أن تُخرَّج عليه هذه النازلة.

آراء العلماء المعاصرين في المسألة

وأما آراء العلماء المعاصرين في حكم اشتراط الطهارة عند مَسِّ المصحف المكتوب بالحروف البارزة، أو بـ(طريقة برايل)، فللعلماء المعاصرين في ذلك قولان:

  1. فمنهم من اشترط الطهارة إذا أراد الكفيفُ مَسَّ المصحف المكتوب بالحروف البارزة، وأنه يأخذ حكم المصحف الورقي المطبوع تمامًا، فلا يجوز مسه للمُحدِث.
  2. ومنهم من رأى أنه لا يُشترط ذلك، وأنه لا يأخذ حكم المصحف.

عندما نتأمل في أدلة الفريقين؛ استدل أصحاب القول الأول الذين قالوا: إنه تجب الطهارة عند مسِّ المصحف المكتوب بالحروف البارزة، أو بـ(طريقة برايل)، قالوا: إن المقروء في المصحف المكتوب بالحروف العربية، والمصحف المكتوب بالحروف البارزة واحدٌ، وهو كلام الله تعالى بلفظه ومعناه؛ ولهذا ترى الكفيف الماهر يقرأ في هذا المصحف كما يقرأ المبصر في المصحف المعروف، والكتابة ما هي إلا وسيلةٌ لقراءة هذا الكلام المعظَّم، والمعتبر: هو المقصد لا الوسيلة.

قالوا أيضًا: الحروف العربية من اصطلاح الإنسان وليست من كلام الله، وإنما وُضِعت ليُتوَصَّل بها إلى النطق بالمكتوب بها؛ فكذلك الحروف البارزة التي هي (طريقة برايل) وُضِعت اصطلاحًا للمكفوفين؛ ليعرفوا بها النطق، ويقرءوا بها المكتوب، فكما يَحرم مس المصحف المكتوب بالحروف العربية؛ فكذلك يحرم مس المصحف المكتوب بالحروف البارزة بـ(طريقة برايل) ولا فرق.

وأيضًا قالوا: إن القرآن المكتوب بــ(طريقة برايل) يسمى في العرف مصحفًا، فإنك لو سألت مكفوفًا بيده نسخةٌ من المصحف المكتوب بـ(طريقة برايل): ما الذي في يدك؟ لأجابك مباشرةً بأنه مصحفٌ، فيلحق بالمصحف المعروف، فلا يمسه إلا المتطهرون.

كذلك أيضًا قالوا: إن مصحف المكفوفين هو مصحفٌ خالصٌ، ليس فيه إلا كلام الله ، ولا يُكتب فيه ما يُخرجه عن حد المصحف؛ من تفسيرٍ أو ترجمةٍ أو شرح غريبٍ، فيجب أن يُعطى جميع أحكام المصحف، هذه وجهة العلماء القائلين بأنه يأخذ حكم المصحف المطبوع، وأنه تجب الطهارة بمسه.

أما القائلون بأن المصحف المكتوب بالحروف البارزة وبـ(طريقة برايل) لا يأخذ حكم المصحف الورقي، وأنه يجوز مسه للمحدث، ويجوز مسه من غير طهارةٍ، فقد استدلوا بقول الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۝ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ۝ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:192-195]، ووجه الاستدلال قالوا: دلت الآية على أن القرآن هو اللفظ العربي المكتوب باللسان العربي، والمصحف إنما يُعتبر باللغة التي نزل بها القرآن، وهي اللغة العربية، أما طريقة الحروف البارزة و(طريقة برايل) هذه ليست حروفًا، وإنما هي رموزٌ يُتعرَّف من خلالها على الحروف من خلال اللمس، فلا يأخذ المصحف المكتوب بها حكم المصحف المعروف؛ لاختلافهما في هيئة الكتابة، لكن يمكن أن يُناقش هذا الاستدلال بأن القرآن هو كلام الله ، فالمقروء يُسمى قرآنًا، سواءٌ كُتب بالحروف العربية أو كتب بالحروف البارزة حسب (طريقة برايل)، والخطوط هي مجرد اصطلاحٍ فقط، فلا فرق في احترام كلام الله تعالى بين أن يكون مكتوبًا بالعربية أو بغيرها.

استدل كذلك القائلون بأنه لا يأخذ حكم المصحف الورقي، ويجوز مسه للمحدث، بالقياس على التفسير وترجمة معاني القرآن للغات أخرى، وقد تقرَّر أنه لا يَحرم على المحدث مس ترجمة القرآن ولا كتب التفسير، لكن يُناقش ذلك بأنه قياسٌ مع الفارق؛ لأن التفسير لم يتجرَّد فيه كلام الله تعالى عن كلام غيره، كما أن الترجمة لا تتضمن ألفاظ القرآن وإنما تتضمن معانيها، فالترجمة هي ترجمةٌ لمعاني القرآن، وليست ترجمةً للقرآن نفسه، بخلاف المصحف المكتوب بالحروف البارزة (مصحف المكفوفين)، فإن فيه القرآن بلفظه ومعناه خالصًا، ليس معه غيره من كلام الناس.

كذلك استدل أصحاب هذا القول على أن المصحف المكتوب بـ(طريقة برايل) يجوز مسه، قالوا: إن هذا المصحف أشبه ما يكون بالأقراص المدمجة التي تحتوي على القرآن، ولا خلاف في أنها لا تأخذ حكم المصحف من حيث اشتراط الطهارة لِمَسِّه، ونُوقش هذا بأنه قياسٌ مع الفارق؛ لأن الأقراص المدمجة لا يظهر فيها شيءٌ من الكتابة، ولا تشتمل على حروف القرآن على وجهٍ معهودٍ للناس، وإنما خُزِّن فيها القرآن عن طريق برمجةٍ خاصةٍ بشفراتٍ معينةٍ يقرؤها جهاز الحاسوب؛ ولهذا لا يمكن أن يستقل البشر بقراءتها من القرص المدمج نفسه بأي حال، وإنما يقرأ القرآن المخزَّن فيها حال ظهوره على شاشة الجهاز، بخلاف مصحف المكفوفين فإنه مكتوبٌ برموزٍ يقوم كل رمزٍ منها مقام حرفٍ من الحروف، ويستطيع أن يقرأها بلا واسطةٍ كلُّ من تعلَّم هذا النوع من الكتابة، سواءٌ كان كفيفًا أو مبصرًا.

وأيضًا نُوقش بأن القرص المدمج المخزن فيه القرآن مكتوبًا لا يسمى في العرف مصحفًا، بخلاف مصحف المكفوفين المكتوب بـ(طريقة برايل)، فإنه يسمى في العرف مصحفًا.

القول الراجح

وبعد عرض أقوال العلماء في هذه النازلة وأدلة كل قولٍ يظهر -والله أعلم- أن القول الراجح هو القول الأول: وهو أن المصحف المكتوب بالحروف البارزة، أو المكتوب بـ(طريقة برايل) يأخذ حكم المصحف الورقي تمامًا، وأنه تجب الطهارة عند مسه، فالكفيف إذا أراد أن يمس المصحف المكتوب بـ(طريقة برايل) يجب عليه أن يكون على طهارةٍ، هذا هو الأقرب كما يظهر ذلك من الأدلة التي عرضنا لها سابقًا، ويُؤيِّد ذلك: أن التعظيم في الأصل إنما هو للقرآن؛ لأنه كلام الله، وإنما ثبت التعظيم للمصحف؛ لكونه مشتملًا على كلام الله، وإلا فمجرد الأوراق -من حيث هي أوراق -لا حرمة لها، والحروف العربية -من حيث هي حروفٌ- لا حرمة لها؛ ولهذا جاء في كتاب عمرو بن حزمٍ: لا يمس القرآن إلا طاهرٌ [1]، فعبَّر بالقرآن ولم يُعبِّر بالمصحف؛ إشارةً إلى أن المعظَّم المحترم هو القرآن، وإنما ثبت التعظيم للمصحف المعهود؛ لكونه وعاءً لألفاظ القرآن.

وبهذا يتبين: أن أي كتابةٍ تشتمل على القرآن الخالص بلفظه ومعناه يَثبُت لها التعظيم، ويثبت لها أيضًا حرمة مس المحدِث، والمصحف المكتوب بـ(طريقة برايل) بالحروف البارزة هو وعاءٌ لألفاظ القرآن الخالص؛ فيأخذ حكم المصحف، ثم إن الخطوط كلها -سواءٌ كانت بالعربية أو الأعجمية أو (خط برايل)- إنما هي رموزٌ ونُقوشٌ اصطلاحيةٌ تدل على ألفاظ القرآن التي نُقِشَت بها، وليس رسم المصحف توقيفيًّا على القول المُرجَّح؛ وعليه: فلا يُؤثِّر اختلاف الرموز في حرمة المصحف مادام المقروء هو كلام الله بلفظه، ثم إن اسم المصحف يَصدق على القرآن المكتوب بـ(خط برايل) لغةً وعرفًا؛ أما اللغة: فلأن أهل اللغة قالوا: المصحف هو الجامع لما كُتب بين دَفَّتَي المصحف، وأما في العرف: فلأن الشائع عند المسلمين -عامتهم وخاصتهم- إطلاق اسم المصحف عليه من غير نكيرٍ، ومن القواعد المقررة: أن كل ما لا حد له في الشرع ولا في اللغة فالمرجع فيه إلى العرف، ثم إن هذا هو الأبرأ للذمة، والأقرب إلى تعظيم كلام الله .

حكم المصحف المكتوب بـطريقة برايل

المقدم: أحسن الله إليكم وشكر الله لكم، هذا البسط -الحقيقةَ- والمسألة أجدتم فيها وأفدتم، لا سيما أن الحديث فيها قليلٌ، ولعل هذا الحديث يمكن أن يكون مرجعًا في بيان هذه المسألة على وجه التفصيل؛ وبناءً على ذلك شيخنا: يأخذ حكم المصحف في سائر الأمور، فالدخول به إلى الحمام -أجلكم الله- يُمنع منه، وغيره من الأمور المتعلقة.

الشيخ: نعم، يأخذ حكم المصحف الورقي في جميع الأحكام، وهذا هو الشائع، وهو المتبادر؛ ولهذا الكفيفُ إذا حمل المصحف المكتوب بالحروف البارزة عندما يُسأل: ما الذي بيدك؟ يقول: مصحف، ويعتبره مصحفًا، ومكتوب عليه “مصحف”، وهو في عرف الناس يُعتبر مصحفًا؛ فيأخذ حكم المصحف الورقي تمامًا.

لكن قد يقال بأن القول: إنه لا يأخذ حكم المصحف الورقي، هو قولٌ لبعض الأكابر من مشايخنا، فنقول: إن هذه النازلة أول ما ظهرت -كسائر المسائل المستجدة- لم تكن واضحةً الوضوح التام، ثم مع مرور الوقت، ومع البحث، تتضح شيئًا فشيئًا، فربما يُعذر بعض العلماء الذين تكلموا عن هذه النازلة أول ما برزت، وأول ما ظهرت؛ لأنها لم تتضح كاتضاحها الآن، الآن أصبحت متضحةً تمامًا، بينما أول ما ظهرت لم تكن ظاهرةً وبارزةً بهذا الوضوح، وهذا أيضًا يسري حتى في كثيرٍ من النوازل، تجد أنه عندما تقع نازلةٌ؛ يكون فيها شيءٌ من الغموض وعدم الوضوح، وتختلف فيها أقوال العلماء، ثم مع مرور الوقت، ومع الإثراء، ومع النقاش، وأيضًا مع عرض المختصين؛ تتضح النازلة ويتصورها أهل العلم أكثر فأكثر.

الحكم على النوازل الفقهية هل يلزم تخريجها على مسائل سابقةٍ؟

المقدم: أحسن الله إليكم، شيخنا إن أذنتم -قبل أن ننتقل إلى نازلةٍ أخرى- هناك قضيةٌ متعلقةٌ بإصدار الحكم على النوازل الفقهية، هل من لازمِ ذلك: التخريج الفقهي على مسائل سابقةٍ ذكرها الفقهاء قديمًا، أو قد يقال فيها قولٌ ولو لم تُخَرَّج على مسألةٍ سابقةٍ؟

الشيخ: هذا يختلف باختلاف النازلة نفسها؛ فأحيانًا قد يمكن تخريجها على المسألة التي تكلم عنها الفقهاء؛ مثلًا النازلة التي بين أيدينا الآن: “المصحف المكتوب بالحروف البارزة وبـ(طريقة برايل)”، ذكرتُ في البداية: أنه يمكن تخريجها على مسألةٍ ذكرها الفقهاء السابقون: وهي ما إذا كتب المصحف بلغةٍ غير اللغة العربية، لكنه يُنطق باللغة العربية، كُتب مثلًا باللغة الإنجليزية، لكن ينطقه القارئ باللغة العربية تمامًا، أولًا: هل هذا يجوز أو لا يجوز؟ ثانيًا: هل هذا يأخذ حكم المصحف الورقي على القول بجوازه؟

لاحظ: أننا خرَّجنا هذه النازلة على هذه المسألة الموجودة في كتب الفقه، وذكرنا أنها موجودةٌ عند الحنفية والشافعية والمالكية، ونصُّوا على هذه المسألة وتكلَّموا عن حكمها، وتكلَّموا أيضًا عن حكم مس المصحف المكتوب بذلك؛ مثلًا: ما مر معنا في حلقاتٍ سابقةٍ: مياه المجاري بعد معالجتها وتنقيتها بحيث لا يظهر أثر النجاسة من لونٍ أو طعمٍ أو رائحةٍ، وجدنا أنه يمكن أن تُخرَّج على مسألة: هل يتعيَّن الماء لإزالة النجاسة، أم أن النجاسة يمكن أن تُزال بأي مزيلٍ؟

إذنْ استطعنا أن نُخرِّجها على مسألةٍ متقدمةٍ، لكن أحيانًا بعض النوازل لا يمكن تخريجها على مسائل متقدمةٍ؛ مثلًا: العملات الرقمية؛ مثل (بتكوين) وغيرها، لا يمكن تخريجها على مسائل متقدمةٍ، هذه مسألةٌ نازلةٌ يُنظر لها نظرٌ خاصٌّ ونظرٌ مستقلًّا؛ فلا نستطيع إذنْ أن نُعطِي إجابةً عامةً عن هذا السؤال، بل نقول: إن بعض النوازل -وربما تكون الأكثر- يمكن تخريجها على مسائل ذكرها بعض الفقهاء السابقين، وبعض النوازل لا يمكن تخريجها إلا على سبيل التكلُّف.

المقدم: أحسن الله إليكم وشكر الله لكم، والحقيقةَ هذا يدل على عِظَم هذا الفقه الإسلامي والمدونات التي كتبها الفقهاء فيه، يعني أنها تكون زاخرةً بجملةٍ من المسائل التي يمكن أن تُسْتَصْحَب في مسائل معاصرةٍ، أو نوازل استُجدت في عصرنا.

الشيخ: هذا صحيحٌ، بل أعجب من هذا: أن بعض الفقهاء السابقين افترضوا مسائل لم تقع في زمنهم، وتكاد تكون مستحيلةً، ثم وقعت في زماننا، ذكروا مسائل قديمةً مفترضةً، ثم وقعت في وقتنا الحاضر، وعندنا في “كلية الشريعة” سُجِّل أكثر من رسالةٍ علميةٍ بهذه المسائل المفترضة التي افترضها الفقهاء السابقون ووقعت في وقتنا الحاضر، وكنت مشرفًا على بعض هذه الرسائل، هذا يدل على عظمة الفقه الإسلامي.

المقدم: طُبع منها شيءٌ؟

الشيخ: نعم، طَبعت “الجمعية الفقهية السعودية” إحدى هذه الرسائل.

المقدم: المسائل المفترضة، أو الافتراضية، كذا؟

الشيخ: نعم، المسائل الافتراضية، التي افترضها الفقهاء السابقون ووقعت في الوقت الحاضر.

الأجر المترتب على قراءة القرآن من الجوال

المقدم: أحسن الله إليكم، شيخنا فيما يتعلق بالحديث حول المصاحف، هنا مسألةٌ يَسأل عنها بعضهم: الأجر المترتب على قراءة القرآن إذا كانت من خلال الجوال، أو من خلال (مصحف برايل)، هل هو نفس الأجر المترتب على قراءة القرآن من المصحف الورقي الذي بين أيدينا؟

الشيخ: نعم، الأجر واحدٌ؛ لأن العبرة بالمقروء، وليس العبرة بالوسيلة التي يقرأ من خلالها، فسواءٌ قرأ القارئ حفظًا عن ظهر قلبٍ، أو قرأ في المصحف الورقي المطبوع، أو قرأ في المصحف الموجود في الهاتف المنقول، أو الهاتف الجوال، أو قرأ في المصحف الموجود في جهاز الكمبيوتر، أو قرأ في المصحف المكتوب بالحروف البارزة بـ(طريقة برايل) بالنسبة للمكفوفين، فالأجر واحدٌ، العبرة بالقراءة، من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها [2]، لكن بعض الناس يُنكر أن يكون الأجر واحدًا ويقول: المصحف الورقي المطبوع أعظم أجرًا، فيُسأل: ما الدليل لهذا؟ هل كان المصحف الورقي الموجود الآن هو الموجود في عهد النبي ؟ أصلًا في عهد النبي لم يكن مصحفٌ مكتوبًا، إنما فقط جُمع جمعًا جزئيًّا، جُمع كاملًا في عهد أبي بكرٍ الصديق ، لكن في عهد النبي تلقَّاه الصحابة مشافهةً كاملًا، تلقوه من النبي كاملًا عن ظهر قلبٍ، لكن كان مكتوبًا على الرِّقاع والألواح وكَرَب النخل، ومجموعٌ بعضه عند صحابيٍّ، وبعضه عند صحابيٍّ آخر، ثم إنه في عهد أبي بكرٍ جَمَعه كله، أمر بجمعه كله فاجتمع المصحف، ثم إنه في عهد عثمان  وفق الله عثمان  ووفق الصحابة إلى عملٍ عظيمٍ جدًّا، وهو كتابة المصحف، فكُتب المصحف على حرفٍ واحدٍ، حرف قريشٍ، وأمر عثمان بتحريق بقية المصاحف التي كُتبت بغير هذا الحرف، وكان في هذا توفيقٌ من الله  للصحابة ، وأما قول النبي : إن القرآن نزل على سبعة أحرفٍ [3]، فليس المقصود بها القراءات السبع، وإنما المقصود بالأحرف: لهجات العرب.

واتفق الصحابة  على جمع الأمة على حرفٍ واحدٍ، وهو حرف قريشٍ، ولما كُتب المصحف في عهد عثمان ؛ كُتب بدون نقاطٍ، بدون تنقيطٍ، ثم بعد ذلك نُقط في عهد الحجاج بن يوسف، نقطه أبو الأسود الدؤلي ومَن معه، وأيضًا حزَّبوه، ثم تطورت الصنعة شيئًا فشيئًا، وأصبح يُكتب على الورق، ثم بعد ذلك الآن أصبح يُصوَّر ويُنقل للأجهزة الحاسوبية وللجوال، هذا كله من تطور الصنعة، وإلا فهو نزل من الله على نبينا محمدٍ مشافهةً، ليس مكتوبًا، ليس مثل التوراة، التوراة مكتوبةٌ، كتبها الله بيده، لكن القرآن نزل منجمًّا من الله على جبريل ، ومن جبريل على نبينا محمدٍ ، ثم تلقَّاه الصحابة  من نبينا ، ثم كُتب في عهد عثمان .

وعلى هذا نقول: إن الأجر واحدٌ، سواءٌ كانت قراءة القرآن عن ظهر قلبٍ، أو كانت عن طريق المصحف الورقي المطبوع، أو كانت عن طريق الألواح -وفي بعض الدول لازالوا يقرءون بهذه الطريقة- أو كان عن طريق الهاتف الجوال، أو عن طريق الحاسوب، أو عن طريق المصحف المكتوب بالحروف البارزة بـ(طريقة برايل)، الأجر واحدٌ، العبرة بالقراءة، فمن قرأ حرفًا فله حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها.

المقدم: الحمد لله، أحسن الله إليكم شيخنا، وشكر الله لكم هذا البسط والبيان، ولعلنا نُرجئ الحديث عن النوازل المتبقية إلى حلقةٍ قادمة بإذن الله ؛ نظرًا لضيق الوقت.

شكر الله لشيخنا هذا الطرح وهذا البيان، والشكر موصولٌ لكم أنتم -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- على استماعكم وإنصاتكم، كما أشكر من قام بتسجيل هذه الحلقة.

إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله ، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه مالك: 1، والدارمي: 2312، وابن حبان: 6559، والدارقطني: 439، والحاكم: 1461.
^2 رواه الترمذي: 2910.
^3 رواه أحمد: 17821.
مواد ذات صلة
zh