عناصر المادة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).
(مجالس الفقه) برنامج يذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، بالتعاون مع “الجمعية الفقهية السعودية”، جمعيةٌ متخصصةٌ في خدمة الفقه والفقهاء، ويصدر عن هذه الجمعية سلسلةٌ من الأبحاث العلمية المحكَّمة في مجال الفقه وأصوله، ويمكن الاطلاع والاستفادة من هذه البحوث بالرجوع إلى موقع الجمعية على الشبكة العنكبوتية، كما يصدر عن هذه الجمعية سلسلةٌ من اللقاءات والندوات والدورات التي تتحدث في مجال الفقه وأصوله، ويمكن الإفادة منها من خلال موقع الجمعية.
في هذه الحلقة -وبعد أن ذكرنا في حلقةٍ ماضيةٍ تأصيلًا للنوازل الفقهية وأهمية الحديث فيها، وأبرز المؤلفات- سنبدأ إن شاء الله تعالى بذكر جملةٍ من المسائل المعاصرة التي يكثر السؤال عنها وتحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها.
يصحبنا في ذلك ضيفنا وفضيلة شيخنا، فضيلة الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بقسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس “الجمعية الفقهية السعودية”، فمرحبًا بكم شيخنا.
الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم، وحيا الله الإخوة المستمعين.
أثر التنظيف الجاف على إزالة النجاسة
المقدم: أحسن الله إليكم، شيخنا إن أذنتم أن نذكر جملةً من المسائل المعاصرة، ومما يكثر السؤال عنه، وهو يحتاج إلى بيانٍ فقهيٍّ لها.
من المسائل المعاصرة التي يَسأل عنها كثيرٌ من الناس: ما يتعلق بالتنظيف الجاف للملابس، أو ما يسمى بغسيل البخار ونحو ذلك، تعلمون -حفظكم الله- أن عددًا من الأنسجة والملابس الآن ربما تتضرر بالغسيل العادي؛ كملابس الصوف ونحوها؛ فيحتاجون إلى أن تُغسل من خلال الغسيل الجاف، أو ما يسمى بـ”الغسيل بالبخار”، إذا كان في هذه الثياب نجاسةٌ؛ فهل هذا الغسيل يُؤثِّر على هذه النجاسة ويُزيلها، أم أنها تحتاج إلى غسيلٍ آخر، لو سلطتم الضوء ابتداءً على صورة هذه المسألة ثم الحكم الشرعي لها.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه النازلة، وهي أثر التنظيف الجاف على إزالة النجاسة، وبعضهم يُعبِّر بحكمِ أو أثرِ الغسيل بالبخار على إزالة النجاسة، وفي نظري أن تعبير “التنظيف الجاف” أدق؛ لأن التنظيف الجاف يُعطي تصورًا شاملًا عن هذه النازلة، بينما “البخار” هو جزءٌ من هذه النازلة، الكَيُّ بالبخار هو جزءٌ؛ ولذلك الأدق أن يُعبَّر بـ: أثر التنظيف الجاف على إزالة هذه النجاسة.
وقد ظهر هذا التنظيف الجاف في وقتنا الحاضر؛ وذلك أن بعض الأنواع من الأقمشة إذا غُسلت بالماء؛ قد تتلف؛ مثل: ملابس الصوف عمومًا، وكذلك أيضًا المشالح، وبعض أنواع ملابس النساء؛ كالفساتين ونحو ذلك، فاحتيج إلى بديلٍ عن الماء يُذهب ما قد يقع على تلك الملابس من نجاساتٍ ولا يُتلفها؛ فمثلًا: إذا وقعت النجاسة على لباس صوفٍ، وقعت على ما يسمى بـ(جاكيت)، وقعت على مشلحٍ، وقعت على هذا الفستان، هذه ربما تكون باهظة الثمن، وفي غسلها بالماء إتلافٌ لها، وهدرٌ لمال صاحبها؛ ومن هنا ظهر في وقتنا الحاضر: “التنظيف الجاف”، وظهرت هذه الماكينات في التنظيف الجاف.
وصورته: أن توضع الملابس المراد تنظيفها بهذه الطريقة -بالتنظيف الجاف- في جهاز الغسيل أو الماكينة، ويتم إضافة بعض المواد الكيميائية عليها، ومن أبرز هذه المواد: مادةٌ تسمى بـ(البروكلين)، هذه المادة تزيل كل ما علق من النجاسات أو غيرها على هذه الملابس، فيحصل التنظيف التام، وتعود تلك الملابس نظيفةً خاليةً من النجاسات، ثم بعد ذلك يتم كيُّها بالبخار، ويكون البخار ناشئًا من هذه المادة، ويضاف لها ماء بخارٍ، ولا يضاف الماء السيَّال أبدًا، لاحظ أن هذه الملابس عند تنظيفها لا يضاف لها الماء السيَّال أبدًا، وإنما يكون التنظيف عبر هذه المواد الكيميائية، وعبر كيِّها بالبخار.
فإذا نُظِّفت هذه الملابس بهذه الطريقة وكان عليها نجاساتٌ؛ فما أثر هذا التنظيف على إزالة النجاسة؟ هل نقول: إن هذه الملابس قد زالت عنها النجاسة؛ وبالتالي يجوز أن يُصلِّي الإنسان فيها، أو أن النجاسة لم تُغسل بالماء فلا تزال باقيةً؟
هذه هي المسألة، وهذه هي النازلة.
المقدم: أحسن الله إليكم، إذنْ البخار هو جزءٌ من هذه العملية، وليس هو العملية ذاتها؟
الشيخ: نعم.
حكم تعيين الماء لإزالة النجاسة
المقدم: أحسن الله إليكم، بعد أن أخذنا هذا التصور عن هذه النازلة، نحتاج إلى أن نعرف -شيخنا- التوصيف الفقهي لهذه النازلة، ما الأحكام الفقهية التي تنبني عليها؟
الشيخ: أقرب ما يقال في التوصيف أو التكييف الفقهي لهذه النازلة: هو أنها تُخرَّج على مسألةٍ تكلَّم عنها الفقهاء السابقون، وهي: “هل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أم أن النجاسة تزول بأي مزيلٍ؟”، هذه هي المسألة التي يمكن أن تُخرَّج عليها هذه النازلة، فهل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟
إذا قلنا: إن الماء يتعين لإزالة النجاسة؛ فمعنى ذلك: أن هذا التنظيف الجاف لا أثر له؛ لأن هذه الملابس لم تُغسل بالماء السيَّال، وإنما نُظِّفت بهذه الطريقة، لكن إذا قلنا: إن النجاسة تزول بأي مزيلٍ؛ نقول: إن هذه الملابس تكون قد زالت عنها النجاسة وليس للنجاسة أثرٌ، وتجوز الصلاة فيها.
وهذه المسألة مخرَّجةٌ عليها، وهي: “هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟”، هي محل خلافٍ بين الفقهاء؛ ولهم في ذلك قولان مشهوران:
- القول الأول: أن الماء يتعين لإزالة النجاسة، فلا تكون إزالة النجاسة إلا بالماء، وهذا قول الجمهور من المالكية والشافعية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
- والقول الثاني: أن النجاسة تزول بأي مزيلٍ، وهذا هو المذهب عند الحنفية، وهو روايةٌ عند الحنابلة.
المقدم: أحسن الله إليكم، يقصدون بأي مزيلٍ، سواءٌ كان سائلًا أو غير سائلٍ؟
الشيخ: بأي مزيلٍ، حتى بالشمس، حتى بالريح، بأي مزيلٍ، فإذا زالت النجاسة بأيّ مزيلٍ؛ تكون قد ذهبت وذهب أثرها.
الجمهور استدلوا بأدلةٍ؛ منها قول الله تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، قالوا: إن الله ذكر الماء امتنانًا على عباده، فلو حصلت الطهارة بغيره؛ لم يحصل الامتنان، واستدلوا أيضًا بما جاء في معنى هذه الآية من النصوص التي تدل على أن الماء يزيل النجاسة؛ مثل قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقال النبي : أهريقوا على بوله سَجْلًا من ماءٍ، أو قال: ذَنوبًا من ماءٍ [1]، قالوا: فخص النبي الماء دون غيره من المائعات.
لكن هذه الأدلة تدل على أن الماء يُزيل النجاسة، بل إن الماء هو أفضل ما تُزال به النجاسة، لكن هذه الأدلة لا تدل على أن غير الماء لا يزيل النجاسة؛ ولهذا أصحاب القول الثاني -وهم القائلون بأن النجاسة تزول بأي مزيلٍ- استدلوا أولًا بعموم قول الله : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4]، على تفسير الآية بأن المقصود: تطهير الثياب، قالوا: وهذا قد يوجد في غير الماء، والله تعالى يقول: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وأيضًا قالوا: إن النجاسة عينٌ خبيثةٌ طرأت على هذا اللباس، فإذا أزيلت بأي مزيلٍ؛ ذهبت وذهب أثرها، فهذه العين لما طرأت على هذا الشيء، سواءٌ لباسٌ أو على غيره، إذا أزيلت بأي مزيلٍ؛ ذهب أثرها، فهي معقولة المعنى، يعني: ليست هي تعبديةً، وإنما هي معقولة المعنى، وهذا القول الثاني هو القول الراجح في هذه المسألة، وهو أن النجاسة تزول بأي مزيلٍ، وقد اختاره جمعٌ من المحققين من أهل العلم، ومنهم: الإمام بن تيمية رحمه الله تعالى، ومن مشايخنا: الشيخ عبدالعزيز بن بازٍ، والشيخ محمد بن العثيمين، رحمة الله تعالى على الجميع، هذا رُجحانه ظاهرٌ، وهو أن النجاسة تزول بأي مزيلٍ؛ لأن هذه النجاسة عينٌ خبيثةٌ، متى ما أُزيلت بأيِّ مزيلٍ؛ فقد ذهب أثرها.
وبناءً على هذا الترجيح نعود للنازلة، فعلى قول الجمهور: فإن التنظيف الجاف لا يُزيل أثر النجاسة على هذه الملابس، لكن على القول الثاني -وهو القول الذي رجحناه- وهو أن النجاسة تزول بأي مزيل: يكون هذا التنظيف الجاف وكيُّها بالبخار يُزيل النجاسة الواقعة على هذه الملابس.
ونخلُصُ من هذا إلى أنه على القول الراجح: هذه الملابس -ملابس الصوف والمشالح، والملابس الثقيلة عمومًا- إذا غُسِلت عن طريق ما يسمى بـ”البخار” أو “التنظيف الجاف”، وكان عليها نجاساتٌ؛ فإن هذه النجاسات تزول بغسلها بهذه الطريقة بناءً على القول الراجح، وهو أن النجاسة تزول بأي مزيلٍ، فلو وقعت نجاسةٌ على مشلحٍ، وقعت نجاسةٌ مثلًا على بطانيةٍ، وقعت نجاسةٌ على (جاكيت)، ونحو ذلك، فذهب صاحبها بها إلى المغسلة، فغسلها الغسال بهذا الذي يسمى بـ”التنظيف بالبخار” أو “التنظيف الجاف”، فتزول تلك النجاسة بغسلها بهذه الطريقة بناءً على القول الراجح.
المقدم: أحسن الله إليكم، إذنْ شيخنا المسألة مفترضةٌ في أن هذه الطريقة تُزيل النجاسة كليةً؟
الشيخ: نعم، وهذا هو الواقع أنها تُزيلها كليةً، ولا يبقى للنجاسة أي أثرٍ من لونٍ أو طعمٍ أو رائحةٍ.
حكم مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها ومعالجتها
المقدم: أحسن الله إليكم، لعلي أنتقل -إذا أذنتم- إلى نازلةٍ أخرى ويكثر السؤال عنها أيضًا، وهي متعلِّقةٌ بمياه الصرف الصحي أجلَّكم الله.
مياه الصرف الصحي الآن في وقتنا المعاصر ربما يحصل لها شيءٌ من المعالجة والتنقية، فيُعاد الاستفادة منها مرةً أخرى، فيَرد سؤالٌ، وهو: هذه المياه -بعد هذه التنقية والمعالجة- هل يصح التوضؤ منها؟ هل يصح ملامستها لملابس المكلف، أم تعتبر ماءً نجسًا ينبغي التورُّع عنه، ولا يُستعمل إلا في أمورٍ متعلقةٍ بالإزالة والتنظيف ونحو ذلك؟ لو بينتم لنا صورة هذه المعالجة التي تتم لهذه المياه ابتداءً، ثم بعد ذلك الحكم الشرعي لها.
الشيخ: هذه المياه -مياه الصرف الصحي التي تتجمع في أنابيب الصرف الصحي- تكون من المنازل ومن مختلف الاستخدامات، وتَصبُّ في شبكة الصرف الصحي، هذه أصبحت الآن تعالج، وهذه المعالجة تمر بعدة مراحل:
- المرحلة الأولى: المعالجة الابتدائية، وفي هذه المرحلة يتم إزالة المواد الصلبة اللاعضوية كبيرة الحجم؛ لحماية أجهزة محطة معالجة المياه، ولمنع انسداد الأنابيب والمضخات المختلفة.
- ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الثانية: وهي المعالجة الأولية للمياه المستعملة، وتعالج بطريقةٍ معينةٍ.
- ثم تأتي المرحلة الثالثة: وهي المرحلة التي تسمى المرحلة الثانوية والبيولوجية التي تعتمد على تسليط البكتريا والكائنات الحية الدقيقة على هذه المياه؛ بهدف تحويل المياه العضوية الدقيقة العالقة -والتي لم ترسُب في أحواض الترسيب الابتدائي- إلى مواد ثابتةٍ صعبة التحول في صورةِ كتلةٍ حيويةٍ تتألف معظمها من البكتريا.. إلى آخره.
المقدم: هي سلسلة خطواتٍ؟
الشيخ: سلسلة خطواتٍ نعم، هذه يذكرها المختصون.
- ثم المرحلة الرابعة: وهي المعالجة المتقدمة التي يتم فيها تطبيق هذه المعالجة عند الحاجة إلى ماءٍ نقيٍّ بدرجةٍ عاليةٍ، ويكون ذلك بطريق الترسيب ونحو ذلك.
- ثم تأتي المرحلة الأخيرة: وهي تطهير هذه المياه؛ وذلك بإبادة جميع ما قد يحتويه الماء من بكتريا مسببةٍ للأمراض، وتتم عملية التطهير بالتطهير بالكلور وبالأوزون، وبتعريض الماء للأشعة فوق البنفسجية، وبالتسخين، وبالجير، وبغير ذلك مما يذكره أهل الاختصاص.
وتمرُّ إذنْ هذه المياه بهذه السلسلة الطويلة من المعالجة، وبذلك تزول النجاسات الطارئة على هذه المياه، تزول بالكلية، بحيث لا يبقى لهذه النجاسات أثرٌ من طعمٍ أو لونٍ أو رائحةٍ، هذه النجاسات تمرُّ بهذه المعالجة الطويلة، وبهذه المعالجة الدقيقة؛ فلا يبقى للنجاسة أثرٌ في هذه المياه، لا من لونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ.
فهذه المياه بعد تنقيتها، وبعد معالجتها بهذه الطريقة، هل تُصبح هذه المياه من قسم الماء الطهور؛ حيث يجوز التطهُّر بها، أم أنها باقيةٌ، لازالت مياه صرفٍ صحيٍّ فلا يجوز التطهُّر بها؟ هذه هي النازلة التي بين أيدينا.
المقدم: أحسن الله إليكم، هذه النازلة بعد معرفة صورتها وحقيقتها، هل يمكن أن تنبني على مسألةٍ فقهيةٍ تطرَّق لها الفقهاء؛ وبناءً على ذلك نصل إلى الحكم الشرعي فيها؟
الشيخ: نعم، يمكن أن تُكيَّف وتُخرَّج على مسألة: “هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟”، وهذه تَعرَّضنا لها في النازلة الأولى، وهي أيضًا تُخرَّج عليها هذه النازلة، تعرضنا قبل قليلٍ لأثر التنظيف الجاف على إزالة النجاسة، وخرجناه على هذه المسألة، أيضًا هذه النازلة تُخرَّج على هذه المسألة، وإن كان بعض العلماء المعاصرين ذكر أنها تُخرَّج على “استحالة النجاسة”، ولكن هذا فيه بُعدٌ؛ لأن هذه ليست نجاسةً تستحيل، وإنما هي نجاسةٌ طرأت على هذه المياه، ثم أزيلت هذه النجاسة، فهي أقرب لمسألة: “هل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أم أن النجاسة تزول بأي مزيلٍ؟”؛ وعلى ذلك: فنستبعد ما ذكره بعض العلماء من أنها تُخرَّج على مسألة استحالة النجاسة؛ لأن النجاسة هنا لم تَستحِلْ، وإنما استُبعدت هذه النجاسة، فهي إذنْ -في التكييف الفقهي- تُخرَّج على مسألة: “هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟”.
المقدم: أحسن الله إليك، وبناءً على ما رجحناه في هذه المسألة؟
الشيخ: في النازلة الأولى: وهي “أثر التنظيف الجاف على إزالة النجاسة”، لما قلنا: إنها تُكيَّف على هذه المسألة: وهي “هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟”؛ ذكرنا فيها قولين:
- قولًا للجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: وهو أن الماء يتعين لإزالة النجاسة.
- وقولٌ آخر للحنفية: وهو أن الماء لا يتعين لإزالة النجاسة، وأن النجاسة تزول بأي مزيلٍ، سواءٌ زالت بالشمس، أو بالريح، أو بأي مزيلٍ كان.
وبناءً على ذلك: يكون الحكم في هذه النازلة على القول الأول، وهو قول الجمهور: وهو أن الماء يتعين لإزالة النجاسة، تكون مياه الصرف الصحي هذه لا تزول النجاسة الطارئة عليها؛ لأنها لم تزُل النجاسة بالماء.
وعلى القول الثاني: وهو أن النجاسة تزول بأي مزيلٍ، تكون مياه الصرف الصحي من قسم الطهور، ورجحنا القول الثاني: وهو أن النجاسة تزول بأي مزيلٍ، وذكرنا أنه مختارٌ عند كثيرٍ من المحققين من أهل العلم؛ وعلى ذلك يكون الحكم في هذه النازلة: أن مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها ومعالجتها؛ بحيث لا يبقى للنجاسة فيها أثرٌ من لونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، تكون مياهًا من قسم الطهور، يجوز التطهُّر بها؛ لأن الأصل في المياه الطهارة، وقد طرأت نجاسةٌ على هذه المياه، وهي هذه القاذورات والفضلات، ثم بعد ذلك استُبعدت هذه النجاسات تمامًا، بحيث لم يبق لهذه النجاسات أثرٌ من طعمٍ ولا من لونٍ ولا من رائحةٍ؛ فتعود هذه المياه لما كانت عليه في الأصل، وهذا القول -وهو أن مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها ومعالجتها معالجةً تامةً تكون من قسم الطَّهور، ويجوز التطهُّر بها- هذا هو الذي انتهى إليه “المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي”، فقد أصد قرارًا بأن هذه المياه بعد معالجتها تكون من مياه الطَّهور، وكذلك أيضًا “هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية” أصدرت قرارًا بأن هذه المياه بعد تنقيتها ومعالجتها تُصبح من قسم الطهور، لكن “هيئة كبار العلماء” قالوا: إنه ينبغي ألا تُستخدم في الأكل ولا في الشرب، يعني على سبيل الاستحسان، وإلا فهي أصبحت مياهًا طهورًا، رجع هذا الماء لما كان عليه في الأصل، وهو الطهارة، لكن قالوا: يُستحسن ألا تُستخدم في الطبخ والأكل وفي الشرب، لكن يجوز استخدامها في الطهارة، يجوز استخدامها في الوضوء، مادام أنها قد عولجت معالجةً كاملةً ولم يبقَ للنجاسة على هذه المياه أثرٌ من طعمٍ ولا لونٍ ولا رائحةٍ، فهي مياهٌ من القسم الطهور، ويجوز التطهُّر بها، ويجوز الاستحمام بها، ولا بأس بذلك كله، من الناحية الفقهية نقول: لا بأس بذلك كله، ويجوز أيضًا استخدامها -من باب أولى- في سُقيا بعض الأشجار والزراعة ونحو ذلك.
المقدم: أحسن الله إليكم، إذا قيل بهذا القول، هل يقال: من أراد أن يتورَّع عن هذه المياه؛ فهذا تورُّعٌ حسنٌ؟
الشيخ: باعتبار وقوع الخلاف، نحن ذكرنا أن هذه المسألة تُخرَّج على قولين، وأن قول الجمهور: إن الماء يتعين لإزالة النجاسة، مقتضى قول الجمهور: يقتضي أيضًا أن مياه الصرف بعد تنقيتها ومعالجتها لا تطهر؛ لأنه لم تُزَل النجاسة بالماء، وإنما أُزيلت بغير الماء، فعلى مقتضى قولهم: إنها لا تطهر، وإن كنا رجحنا القول الثاني، وهو أن النجاسة تزول بأي مزيلٍ، وأن مياه الصرف الصحي بعد التنقية والمعالجة تطهر، لكن باعتبار وقوع الخلاف هنا يأتي الورع؛ لأن المسائل المختلف فيها من أراد أن يتورَّع ويخرج من الخلاف؛ فهذا يدخل في باب الورع، لكن من حيث الحكم: يجوز التطهُّر بها، ويجوز الاستفادة منها؛ لأنها مياهٌ كثيرةٌ، وكمياتٌ كبيرةٌ، مادام أنها قد عولجت، وعامة فقهاء المسلمين أجازوا التطهُّر بها، وأجازوا الإفادة منها، فينبغي الاستفادة من هذه الكميات الكبيرة من المياه.
المقدم: أحسن الله إليكم وشكر الله لكم شيخنا، أشرتم قبل قليلٍ إلى مسألةٍ تتعلق بِانْبِنَاء هذه المسألة، تذكرون -حفظكم الله- أن هذه المسائل تُخرَّج على مسألةٍ فقهيةٍ معينةٍ، فهل يمكن كذلك لهذه النوازل أن تُخرَّج على أكثر من مسألةٍ؟ بمعنى: أن يكتنفها مسألةٌ أو مسألتان أو ثلاثٌ؛ وبناءً على تلك المسائل كلها يخرج لنا الحكم في هذه النازلة؟
الشيخ: نعم، يمكن في بعض النوازل أن تُخرَّج على أكثر من مسألةٍ، وهذا له نظائر في النوازل، ربما يأتينا -إن شاء الله- في حلقاتٍ قادمةٍ شيءٌ من هذا القبيل، فيمكن أن تُخرَّج على أكثر من مسألةٍ؛ ولذلك طالب العلم عندما تَرِد هذه النوازل؛ أولًا: ينبغي أن يتصورها التصور الصحيح والدقيق، ثانيًا: أن ينظر لتكييفها الفقهي ولتخريجها؛ لأن هذا مهمٌ جدًّا في فهم هذه المسألة، وأيضًا في ربط هذه النازلة بكلام الفقهاء السابقين؛ لأن الفقهاء السابقين ذكروا مسائل، وذكروا أيضًا أصولًا تُفيد طالب العلم.
لاحظ هنا: في مسألتنا هذه استطعنا أن نربط هذه النازلة بمسألةٍ تكلَّم عنها الفقهاء السابقون، ومذكورةٌ في كتب المذاهب الأربعة، واستطعنا أن نقول: إن مقتضى قول الحنابلة: هو كذا، ومقتضى قول المالكية: هو كذا، ومقتضى قول الشافعية: هو كذا، ومقتضى قول الحنفية: هو كذا، ومقتضى أيضًا رأي ابن تيمية: هو كذا، فهذا كله بمسألة التخريج الفقهي، وهذه من الأمور المهمة لطالب العلم، أن يكون لديه المَلَكة في التخريج، وفي الربط بين المسائل المعاصرة والنوازل وبين ما ذكره الفقهاء السابقون.
على أن الفقهاء السابقين أيضًا بعضهم قد افترضوا مسائل فقهيةً لم تقع في زمنهم، ووقعت في وقتنا الحاضر، وهذا ربما يأتينا -إن شاء الله- في الأمثلة في الحلقات القادمة، وافترضوا مسائل افتراضًا، ووقعت في وقتنا الحاضر؛ وهذا يدل على علوِّ كعب الفقه الإسلامي وعلى عظمته.
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم، كما تفضلتم هذه القضايا تدل على غزارة هذا الفقه العظيم، وما دَوَّنه الفقهاء من مسائل وأحكامٍ، نسأل الله جل وعلا أن يجزيهم عنا خير الجزاء.
لعلي أقتصر على هاتين النازلتين؛ نظرًا لضيق الوقت، ونُرجِئ الحديث عن بقية النوازل إلى الحلقات القادمة بإذن الله .
وإلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام هذه الحلقة، أسأل الله جل وعلا أن يجزي شيخنا خير الجزاء على ما قدَّم وأفاد.
والشكر موصولٌ لمن قام بتسجيل هذه الحلقة، والشكر لكم -أنتم أيها الإخوة والمستمعون والمستمعات- على استماعكم وإنصاتكم.
إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله ، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحاشية السفلية
^1 | رواه البخاري: 220. |
---|