logo
الرئيسية/برامج إذاعية/مجالس الفقه/(2) برنامج مجالس الفقه- القسطرة البولية والشرجية وحكم المصحف الإلكتروني

(2) برنامج مجالس الفقه- القسطرة البولية والشرجية وحكم المصحف الإلكتروني

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).

(مجالس الفقه) برنامجٌ يُذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، بالتعاون مع “الجمعية الفقهية السعودية”، جمعيةٌ متخصصةٌ في خدمة الفقه والفقهاء، هذه الجمعية يصدر عنها سلسلةٌ من الأبحاث العلمية المُحَكَّمة في مجال الفقه وأصوله، ويمكن الاطلاع والاستفادة من هذه البحوث بالرجوع إلى موقع الجمعية على الشبكة، كما يصدر عن هذه الجمعية سلسلة من اللقاءات والندوات والدورات الإثرائية المتعلقة بالفقه وأصوله، وهي كذلك موجودةٌ على موقع الجمعية على الشبكة.

في هذه الحلقة -بإذن الله نستكمل الحديث بذكر جملةٍ من المسائل والنوازل المعاصرة التي يكثر السؤال عنها وتحتاج إلى نظرٍ فقهيٍّ فيها.

في مستهل هذه الحلقة أرحب بضيفنا، فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بقسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ورئيس “الجمعية الفقهية الشرعية السعودية”، فمرحبًا بكم شيخنا.

الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.

القسطرة البولية والقسطرة الشرجية

المقدم: أحسن الله إليكم شيخنا، ذكرنا جملةً من المسائل المعاصرة في الحلقة الماضية، ولعلي أذكر جملةً أخرى مما يكثر السؤال عنه، مبتدئًا بالحديث عن القسطرة البولية -أجلَّكم الله- التي تحصل لبعض المرضى، حينما يكون عندهم هذه القسطرة؛ يسألون عن حكم الطهارة في هذه الحال؛ نظرًا لأن هذه القسطرة تُخرِج هذه الفضلات -أعزكم الله- من غير مخرجها، فيكثر السؤال عن أثرها في صلاتهم وطهارتهم وما يتعلق بذلك، فلو بينتم لنا صورة هذه المسألة، ثم التخريج الفقهي لها؛ وبناءً عليه نصل إلى حكمها.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذه النازلة -وهي القسطرة البولية- أصبحت من النوازل التي يكثر السؤال عنها؛ وذلك أنه -مع تقدُّم الطب في الوقت الحاضر- أصبح يُجرَى لبعض الناس هذه القسطرة لأسبابٍ كثيرةٍ؛ أحيانًا قد يكون بسبب استئصال القولون لأيِّ سببٍ من الأسباب، أو تكون قسطرةً بوليةً، المهم أن هذه القسطرة أصبحت تُجرى لعددٍ كثيرٍ، عددٍ ليس بالقليل من الناس لأسبابٍ مختلفةٍ.

فمنها: القسطرة البولية، والقسطرة الشرجية.

  • أما القسطرة البولية: فتعني: إدخال أنبوبٍ مجوَّفٍ ومرنٍ في المثانة عن طريق مجرى البول؛ وذلك إما لعدم قدرة المريض على التبول بشكلٍ طبيعيٍّ، أو لعذرٍ؛ كمشقة قيامه من مكانه، ويستمر خروج البول عن طريق هذا الأنبوب بشكلٍ دائمٍ من غير تحكم المريض، ويجتمع البول بكيسٍ موصولٍ بآخِر هذا الأنبوب، هذه تسمى: “القسطرة البولية”.
  • وهناك القسطرة الشرجية، وهذه أكثر من يحتاج لها من يعانون من سرطان القولون والمستقيم -عافانا الله وإياكم- أو أمراض الأمعاء الالتهابية، أو تلفٍ في العضلات التي يُتحكم بها في إمساك الغائط، فتُفتح فتحةٌ لهذا الشخص في جدار البطن، فيخرج الغائط منه بصورةٍ شبه مستمرةٍ، ولا يستطيع المريض التحكم بإخراجه، وتجتمع هذه الفضلات، أو هذا الخارج، في كيسٍ على البطن متصلٍ بهذا الشرج الصناعي، هذه تسمى: “القسطرة الشرجية”.

فعندنا إذنْ: القسطرة البولية، والقسطرة الشرجية، هذا هو تصويرها، وهذه هي طريقة عملها.

المقدم: أحسن الله إليكم، والباب فيها واحدٌ من حيث النظر الفقهي؟

الشيخ: نعم، النظر فيها واحدٌ؛ وذلك لأنها تُكيَّف وتُخرَّج على مسألةٍ ذكرها العلماء السابقون، وهي: صاحب الحدث الدائم، طهارة صاحب الحدث الدائم؛ كصاحب السلس (سلسل البول) أو من يخرج منه ريحٌ بصفةٍ مستمرةٍ، أو المرأة المستحاضة، ونحو ذلك، هذا يسميه الفقهاء: “صاحب الحدث الدائم”.

المقدم: يُقصد بصاحب الحدث الدائم: الذي لا يتحكم في خروج الفضلات منه؟

الشيخ: نعم، صاحب الحدث الدائم، يعني: الذي يخرج منه الحدث بغير اختياره؛ كصاحب سلس البول، تخرج منه قطرات من البول بغير اختياره، وتكون بصفةٍ مستمرةٍ، أو الذي مثلًا يعاني من خروج الريح باستمرار، أو المرأة التي تعاني من الاستحاضة، أو ما يسمى بالنزيف، ونحو ذلك، هذا يسمى: صاحب الحدث الدائم، فهذه القسطرة -سواءً كانت قسطرةً بوليةً أو شرجيةً- تُخرَّج على مسألة “صاحب الحدث الدائم”.

المقدم: وماذا عن كلام الفقهاء في هذه المسألة؟

الشيخ: صاحب الحدث الدائم أولًا من حيث العذر: هو معذورٌ؛ وذلك لأن هذا الحدث بغير اختياره، الله تعالى لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فهو من حيث العذر معذورٌ وصلاته صحيحةٌ، وصلاته كاملةٌ أيضًا، يعني لا يجد الحرج في هذا، بل إنه على القول الراجح يصح أن يكون إمامًا لغيره، إن كان بعض الفقهاء قال: إن صاحب الحدث الدائم لا يَؤم إلا مثله، لكن هذا قولٌ مرجوحٌ، فربما يكون صاحب الحدث الدائم عالمًا كبيرًا، ويكون معه إنسانٌ أميٌّ، فكيف نُقدِّم هذا الأمي ونقول: يَؤم هذا العالمَ الكبير؛ لكون هذا الإنسان قد ابتلي بالحدث الدائم؟! هذا لا تَرِد به الشريعة.

ولذلك صاحب الحدث الدائم أولًا ينبغي ألا يقلق؛ لأن بعض الإخوة يكون عنده القلق والتوتر، ويحس بالنقص، وهذا غير صحيحٍ، هذا قد ابتُلي بهذا الشيء، فينبغي أن يتعايش معه، وألا يكون عنده قلقٌ ولا توترٌ، وصلاته كاملةٌ وأجره تامٌّ، بل يصح أن يكون إمامًا لغيره؛ فلذلك ينبغي أن يبتعد عن التفكير في هذا الموضوع أصلًا؛ لأن كثرة التفكير فيه ربما تسبب الوساوس.

أقوال الفقهاء في وضوء صاحب الحدث الدائم

أما من جهة وضوئه: فصاحب الحدث الدائم أولًا إذا انتُقضت طهارته بغير الحدث الدائم؛ فهو كغيره، يعني مثلًا: إذا كان الحدث الدائم عنده هو سلس البول، لكن انتقضت طهارته مثلًا بخروج الغائط، أو بالريح، أو بغير ذلك؛ فهو كغيره تُنتقَض طهارته، لكن إذا صاحبُ الحدث الدائم توضأ، واستمر معه هذا الحدث، يعني مثلًا كصاحب السلس، استمر معه تنقيط البول، أو المرأة المستحاضة استمر معها خروج الدم، ونحو ذلك، فهل هو إذا توضأ؛ يجب عليه عند دخول وقت الصلاة الأخرى أن يتوضأ، أم أنه لا يجب؟

هذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: أنه يجب على صاحب الحدث الدائم أن يتوضأ لوقت كل صلاةٍ، وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة.
  • القول الثاني: أنه يجب على صاحب الحدث الدائم أن يتوضأ لكل صلاةٍ، وهذا هو مذهب الشافعية.

ما الفرق بين القول الأول والثاني؟

القول الأول: لوقت كل صلاةٍ، القول الثاني: لكل صلاةٍ، لاحظ الفرق: القول الثاني قول الشافعي، يقول: لكل صلاةٍ، يظهر الفرق فيما لو جمع بين صلاتين، جمع بين الظهر والعصر لأيِّ سببٍ من أسباب الجمع، وهو صاحب الحدث الدائم، على القول الثاني: لا بد -إذا أراد أن يصلي الصلاة الثانية- أن يتوضأ، وعلى القول الأول: يكفيه وضوءٌ واحدٌ.

فأصحاب القول الأول يقولون إذنْ: صاحب الحدث الدائم يتوضأ لوقت كل صلاةٍ، وأصحاب القول الثاني يقولون: يتوضأ لكل صلاةٍ.

  • القول الثالث: إن صاحب الحدث الدائم يُستحب له أن يتوضأ لوقت كل صلاةٍ ولا يجب، وهذا هو مذهب المالكية.

والخلاف في هذه المسألة راجعٌ للخلاف في ثبوت الزيادة الواردة في حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث أخرجه البخاري ومسلمٌ عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبيشٍ إلى النبي وقالت: يا رسول الله، إني امرأةٌ مستحاضةٌ فلا أطهر؛ أفأَدَعُ الصلاة؟ فقال لها النبي : لا، إنما ذلك عِرْقٌ وليس بحيضٍ، فإذا أقلبت حيضتك؛ فدعي الصلاة، وإذا أدبرت؛ فاغسلي عنك الدم، ثم صلي -وهذا في “البخاري”- قال: وقال أبي: “ثم توضَّئي لكل صلاةٍ حتى يجيء ذلك الوقت” [1].

هذه الجملة “قال أبي: ثم توضئي لكل صلاةٍ”، هل هي من كلام النبي ، أم من كلام عروة بن الزبير الذي روى هذا الحديث عن خالته؛ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؟

هذا محل خلافٍ بين المحدثين:

بعضهم قال: إنه من كلام النبي ، وهذا هو الذي رجحه الحافظ بن حجر في “الفتح”.

وقال بعضهم: إن هذا ليس من كلام النبي ، إنما هو من كلام عروة؛ لأنه قال: “قال أبي: ثم توضَّئي لكل صلاةٍ”، وهذا هو الذي جنح له الإمام مسلمٌ رحمه الله؛ فإن الإمام مسلمًا لما خرَّج هذا الحديث؛ لم يُخرِّج هذه الزيادة، قال: “وفيه زيادة حرفٍ تركناه”، يعني عمدًا، كذلك أيضًا الحافظ ابن رجبٍ في “فتح الباري” رجح أن هذه الزيادة مُدْرَجَةٌ من قول عروة بن الزبير ، وليست من كلام النبي ، وهذا هو القول الراجح، وهو المختار عند كثيرٍ من المحدثين: أن هذه الزيادة: “ثم توضَّئي لكل صلاةٍ”، ليست من كلام النبي ، وإنما هي من قول عروة بن الزبير .

وعلى ذلك نقولك: إن أصحاب القول الأول، الذين قالوا: إن صاحب الحدث الدائم يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاةٍ؛ هم احتجُّوا بهذه الزيادة، ونحن قلنا: إنها ليست من كلام النبي ، وأولى منهم الشافعية، الذين قالوا: يتوضأ لكل صلاةٍ، أيضًا احتجوا بهذه الزيادة.

أما المالكية فقالوا: إن هذه الزيادة لم تثبت عن النبي ، وإذا لم تثبت عن النبي ؛ فلا نستطيع أن نُلزم عباد الله بما لم يُلزمهم به الله.

فنقول: إنه يُستحب لصاحب الحدث الدائم أن يتوضأ لكل صلاةٍ ولا يجب، وهذا هو القول الراجح، وقد اختاره الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ وعلى هذا نقول: إن القول الراجح في صاحب الحدث الدائم: أنه يُستحب له أن يتوضأ لوقت كل صلاةٍ، لكنَّ ذلك لا يجب؛ لعدم الدليل الدال على وجوب وضوئه لوقت كل صلاةٍ.

وأما “ثم توضَّئي لكل صلاة”، قلنا: إنه من كلام عروة، وأن هذه الرواية مدرجةٌ من قول عروة، وليست من كلام النبي ، هذا هو القول الراجح، وفيه توسعةٌ وفيه رفعٌ للحرج عن كثيرٍ من المسلمين، خاصةً في مواطن الزحام، فمثلًا في المسجد الحرام لو صلى صلاة المغرب -صاحب الحدث الدائم- على القول الأول والثاني، إذا أراد أن يصلي صلاة العشاء؛ لا بد أن يخرج من المسجد الحرام وأن يتوضأ، بينما على قول المالكية -وهو القول الراجح- لا يجب، وأنه يمكن أن يستمر على طهارته ويصلي بهذه الطهارة صلاة العشاء، ففيه رفعٌ للحرج عن المسلمين.

والمعوَّل عليه: هو عدم الدليل، هذا الرجل قد توضأ وضوءًا صحيحًا، وضوءًا شرعيًّا، فتستمر طهارته، ويستمر وضوؤه إلى أن يُنتَقض بناقضٍ آخر، أما هذا الحدث الدائم فقد أجاز له الشارع أن يصلي فيه ما شاء؛ وعلى ذلك: فالقول بأنه يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاةٍ يحتاج إلى دليلٍ.

على هذا بعدما حققنا القول في هذه المسألة نرجع للنازلة..

المقدم: أحسن الله إليكم، قبل أن نرجع إلى النازلة، إذا تقرر أن هذه الزيادة ليست من كلام النبي ، فما وجه أننا رجحنا الاستحباب هنا؟

الشيخ: وجه الاستحباب، يقولون: فيه خروجٌ من الخلاف، وفيه أيضًا تجديدٌ للوضوء، ونحو ذلك من المعاني، يقولون: ومهما كان، كون صاحب الحدث الدائم عند دخول الوقت يتوضأ -على الأقل- يَخرج من خلاف العلماء في هذه المسألة.

المقدم: أحسن الله إليك، ننتقل الآن إلى الكلام في النازلة بعد هذا التأصيل الفقهي؟

الشيخ: نحن قلنا: القسطرة سواءٌ كانت بوليةً أو شرجيةً، فصاحبها يأخذ حكم صاحب الحدث الدائم؛ وعلى ذلك نقول: إنه إذا توضأ صاحب القسطرة بعد ذلك؛ لا يلزمه أن يتوضأ مرةً أخرى ما لم يُنتَقض وضوؤه بناقضٍ آخر؛ يعني مثلًا: لو كانت القسطرة بوليةً وانتقض وضوؤه بخروج الريح، أو بأكل لحم الإبل، أو بغير ذلك من النواقض؛ هنا يلزمه أن يعيد الوضوء.

لكن لو لم يُنتَقض بناقضٍ آخر، وإنما فقط عنده هذه القسطرة التي يخرج معها البول بصفةٍ مستمرةٍ؛ فعلى القول الراجح: لا يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاةٍ، وإنما يُستحب، إن تيسر له أن يتوضأ؛ فهذا حسنٌ، بعد دخول وقت الصلاة الأخرى، إن لم يتيسر، أو أنه لم يُرِد؛ فلا شيء عليه؛ لأنه لا يجب على صاحب الحدث الدائم أن يتوضأ لوقت كل صلاةٍ، وإنما ذلك مستحبٌّ.

فعلى هذا نقول: لصاحب القسطرة البولية، وصاحب القسطرة الشرجية: متى ما توضأت؛ فلك أن تصلي بهذا الوضوء ما شئت، ولا يجب عليك أن تعيد الوضوء وأن تتوضأ مرةً أخرى عند وقت الصلاة الأخرى، وإنما ذلك مستحبٌّ في حقك، إلا إذا انتقض وضوؤك بناقضٍ آخر.

المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم، الحقيقة أن هذا التسلسل البديع في بيان بناء المسألة الفقهية يُبيِّن لنا عظمة هذا الفقه الإسلامي، كيف أن هذه المسألة بُنيت على خلافٍ ذكره الفقهاء، وهذا الخلاف الفقهي بُني على مسألةٍ حديثيةٍ؛ وهذا يُبيِّن جمال هذا الفقه، وكيف أنه يعتمد على ركنٍ أصيلٍ في التقعيد والتأصيل.

الشيخ: وأيضًا يدل على ترابط العلوم فيما بينها، من أراد أن يتفقَّه بالطريقة الصحيحة؛ فلا بد أن يكون له عنايةٌ أيضًا بالحديث.

مس المصحف الإلكتروني

المقدم: أحسن الله إليكم، وهنا -شيخنا- مسألةٌ أخرى أيضًا متعلقةٌ بالطهارة والاشتراط لها في بعض المسائل الفقهية التي استجدت: وهي مسألة “مسِّ المصحف”.

أحسن الله إليكم، الآن استجدت بعض المصاحف الإلكترونية في زماننا، ويكثر السؤال حول هذه القضية: هل يجوز أن يُمس هذا المصحف الإلكتروني الذي يوجد عن طريق الجوال، وعن طريق الأجهزة اللوحية ونحو ذلك، أم أنه لا بد من الطهارة لِمَسِّها؟ لو بيَّنتم لنا صورة هذه المسألة المعاصرة، ثم الكلام الفقهي المتعلق؟

الشيخ: نعم، هذه أيضًا من النوازل، الآن أصبح بعض الناس يقرأ من المصحف الموجود في الهاتف الجوال، وهنا يَرِد السؤال:

هل تجب الطهارة عند مسِّ المصحف عبر شاشة الهاتف المنقول أو لا تجب؟

أولًا لا بد -لكي نتصور هذه النازلة- أن نعرف الطريقة التي يُخزَّن بها المصحف في هذه الأجهزة، فهناك خاناتٌ ضمن هذه الأجهزة تُؤلف بمجموعها ذاكرة الجهاز، وتستخدم لغات البرمجة، ويتلقى الجهاز معلوماتٍ مُدخَلةً، وأول ما يتلقى هذه المعلومات تكون معلوماتٍ ساذجةً لا يتميز بعضها عن بعضٍ، يعني تكون في المرحلة الأولى؛ إذ إنها شاراتٌ كهربائيةٌ لا تَحمل أي دلالةٍ مفهومةٍ مطلقًا؛ لأنها تكون أشياء قابلةً للتحويل، ثم بعد ذلك تتحول هذه الشارات وتُفك رموزها من خلال عملياتٍ دقيقةٍ حتى تصل في نهاية المطاف إلى أعلى طبقات الجهاز على شكل حروفٍ وكلماتٍ مقروءةٍ ومفهومةٍ، وهي التي تظهر على الشاشة، فليست هذه الكتابة الظاهرة لنا على شاشة الجهاز كالحبر الذي يُكتب به على الورقة، وهذا مهمٌّ جدًّا في فهم هذه النازلة، وليست هذه الكتابة مثل الحبر، وإنما هي خلايا تتلون بحسب الإشارات الكهربائية الموجهة إليها، فتأخذ هذه الخلايا شكل الحروف العربية.

المقدم: أحسن الله إليكم، هنا في هذه تحديدًا، حتى ولو كان تقليب هذه الصفحات من خلال الشاشة، وليس من خلال زِرٍّ يكون في أسفل الشاشة؟

الشيخ: نعم، هذا هو المقصود، المقصود: هو لمس الشاشة التي عليها هذا المصحف، فبعد هذا التصوير هنا، هل يكون الذي يَمس المصحف عبر هذه الشاشة، كالذي يمس المصحف الورقي؛ وبالتالي نقول: إنه يجب عليك أن تكون على طهارةٍ، أم لا يجب؟ هذه مسألةٌ نازلةٌ.

والعلماء المعاصرون اختلفوا فيها:

  • فبعضهم قالوا: إنه لا فرق بين أن تكون حروف المصحف بالحبر بالطباعة، وبين أن تكون على الهاتف الجوال، فأوجبوا الطهارة عند مس المصحف من شاشة الهاتف المنقول.
  • والآن أكثر العلماء المعاصرين قالوا: إن هذه هي مجرد إشاراتٍ كهربيةٍ وذبذباتٍ، وليست كالحبر، كما بينا في التصوير قبل قليلٍ، هي ليست كالحبر، هي إشاراتٌ كهربائيةٌ، فلا تأخذ حكم المصحف الورقي، هذا هو الأظهر في التصوير.

لكن مع ذلك لو تَنَزَّلنا مع أصحاب القول الأول، الذين قالوا: إنها تأخذ حكم المصحف الورقي؛ فأيُّ جهازٍ جوالٍ أو جهازٍ منقولٍ له شاشتان: شاشةٌ داخليةٌ، وشاشةٌ خارجيةٌ؛ ولذلك إذا انكسرت الشاشة الخارجية؛ تجد وتلاحظ الشاشة الداخلية.

فعلى افتراض: أن هذا المصحف الموجود في الهاتف الجوال يأخذ حكم المصحف الورقي؛ يكون الذي مَسَّ المصحف عبر شاشة الهاتف المنقول قد مسَّه من وراء حائلٍ، ومسُّ المصحف من وراء حائلٍ لا بأس به على القول الراجح، وإن كانت المسألة محل خلافٍ، لكن القول المرجَّح عند كثيرٍ من المحققين من أهل العلم: أنه يجوز مس المصحف من وراء حائلٍ، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وقول بعض الحنفية، ووجهٌ عند الشافعية، وهو الأظهر من الأقوال: إذا مس المصحف من وراء حائلٍ؛ فلا تُشترط له الطهارة.

على ذلك نقول: إن هذا المصحف الموجود في الهاتف المنقول -لو افترضنا أنه يأخذ حكم المصحف الورقي- فالذي يمسُّه في الحقيقة إنما يمسُّه من وراء حائلٍ؛ وعلى هذا: فلا تُشترط ولا تجب الطهارة عند مس المصحف الموجود في شاشة الهاتف المنقول، لا تُشترط له الطهارة بناءً على هذا التقعيد وهذا التأصيل، حتى مع التنزُّل مع مَن قال: إنه يأخذ حكم المصحف الورقي، نقول: حتى لو تنزلنا وقلنا بذلك، ففي الحقيقة: الذي يمسه يمسه من وراء حائلٍ، ومسُّ المصحف من وراء حائلٍ لا تُشترط له الطهارة؛ ولذلك فيجوز لمس المصحف الموجود في شاشة الهاتف المنقول للمُحدِث؛ لأنه يمسه في الحقيقة من وراء حائلٍ.

المقدم: أحسن الله إليكم، هنا أيضًا مسألةٌ أخرى يا شيخنا: مَسُّ المصحف المكتوب بالأحرف البارزة؛ مثل ما يُعرف بـ”لغة برايل” التي يستخدمها الإخوة فاقدي البصر.

الشيخ: أظن وقت الحلقة أزف، نحتاج الحقيقة أن نقف عندها، ونفهم كيف يُكتب المصحف بطريقة “برايل”؛ لأن هذا مهمٌّ جدًّا لفهم هذه النازلة، وأيضًا للخلاف القوي فيها، فإن رأيتم أن نؤجل هذه النازلة إلى الحلقة القادمة.

وأُحب أن أشير هنا إلى قضيةٍ مهمةٍ: وهي أن بعض الناس يعتقد أنه إذا قرأ من مصحف الهاتف الجوال؛ أن أجره أقل مما لو قرأ من المصحف المطبوع الورقي، وهذا غير صحيحٍ، العبرة بالقراءة، سواءٌ قرأت عن ظهر قلبٍ، أو قرأت من المصحف الورقي المطبوع، أو قرأت من المصحف الموجود في الجوال، الأجر واحدٌ، العبرة بالقراءة، وليست العبرة بالوسيلة التي تقرأ فيها، بل إنني أقول: إن وجود المصاحف في الجوالات الآن من نعم الله تعالى علينا في هذا الزمان، فعلينا أن نستشعر النعمة، المصحف موجود معك في جوالك، تستطيع أن تفتحه وأن تقرأ من المصحف في أي زمانٍ وفي أي مكانٍ، هذه نعمةٌ من الله تعالى.

ففي السابق، قبل وجود المصاحف في الهواتف الجوالة، من لم يحفظ لا بد أن يحصل على المصحف، لا بد أن يكون المصحف موجودًا عنده في البيت، حتى لو كان في المسجد يكون قريبًا منه، الآن مصحفك معك في جوالك، تستطيع أن تقرأ منه في أي مكانٍ، تستطيع مثلًا في الأوقات التي يكون فيها الانتظار، تفتح الجوال وتفتح المصحف وتقرأ، وأنت مأجورٌ، والأجر تامٌّ، ليس الأجر ناقصًا؛ ولذلك بعض الناس يستنكر ويقول: لماذا بعض الناس يقرءون من المصاحف في الهاتف الجوال ويتركون المصاحف المطبوعة؟! نقول: الأجر واحدٌ، وهل كان المصحف في عهد النبي على صورته الحالية المطبوعة الآن؟! كان في عهد النبي ، مكتوبًا على ألواحٍ، وعلى كَرَب النخل [2]، وعلى الرِّقاع [3]، ثم تطورت الكتابة، وجُمِع في عهد أبي بكرٍ ، ثم كُتب في عهد عثمان ، ولما كُتب أيضًا؛ كُتب من غير تنقيطٍ، ثم أتى التنقيط بعد ذلك لما أتى أبو الأسود الدؤلي، ثم مر بعدة مراحل إلى أن صار بهذه الصورة التي نراها الآن.

فأقول: الأجر واحدٌ سواءٌ قرأتَ من المصحف الورقي المطبوع، أو المصحف الموجود في الهاتف الجوال.

المقدم: الحمد لله، إذنْ -شيخنا- مَسُّ المصحف وتقليب أوراقه ليس عبادةً مختصةً بذاتها؟

الشيخ: نعم، ليست عبادةً مختصةً بذاتها، ونحن ذكرنا: أنه يُشترط لها الطهارة، مس المصحف يشترط له الطهارة، لكن إذا كان المسُّ مباشرةً، أما إذا كان من وراء حائلٍ؛ فلا بأس به.

المقدم: أحسن الله إليكم، وإلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام حلقتنا لهذا اليوم، ونستكمل الحديث -إن شاء الله- فيما تبقى من هذه النازلة في الحلقة القادمة بإذن الله .

أسأل الله جل وعلا أن يجزي شيخنا خير الجزاء على ما قدَّم وأفاد.

والشكر موصولٌ لمن قام بتسجيل هذه الحلقة، والشكر لكم أيضًا -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- على إنصاتكم واستماعكم.

إلى أن ألتقيكم في حلقة قادمة بإذن الله ، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 228، ومسلم: 333.
^2 كَرَبُ النخل: أصول السعف الغلاظ العراض، التي تيبس فتصير مثل الكتف. لسان العرب لابن منظور 1/ 713 (ك ر ب).
^3 الرقاع: جمع رقعة، وهي الخرقة يكتب عليها. ينظر الصحاح للجوهري 3/ 1221 (رقع).
مواد ذات صلة
zh