عناصر المادة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).
(مجالس الفقه) برنامجٌ يُذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، بالتعاون مع “الجمعية الفقهية السعودية”، جمعيةٌ متخصصةٌ في خدمة الفقه والفقهاء، يصدر عن هذه الجمعية سلسلةٌ من الأبحاث العلمية المُحَكَّمة في مجال الفقه وأصوله، كما أصدرت الجمعية سلسلةً من الندوات واللقاءات المتعلقة بالفقه وما دار في فلكه، كل ذلك يمكن الاطلاع عليه عبر موقع الجمعية على الشبكة.
في مستهل هذه الحلقة أرحب بشيخنا الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بقسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس الجمعية الفقهية السعودية، فمرحبًا بكم شيخنا.
الشيخ: أهلًا، حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.
حكم الترديد خلف أذان المذياع
المقدم: أحسن الله إليكم، شيخنا كنا قد استعرضنا في الحلقات الماضية سلسلةً من النوازل الفقهية التي يكثُر السؤال عنها، ولعلَّنا في هذا اللقاء نستعرض كذلك جملةً من النوازل التي يكثر السؤال عنها.
من النوازل الفقهية: نازلةٌ متعلقةٌ بالأذان الذي يكون عبر المذياع، سواءٌ كان مسجَّلًا، أو كان يُذاع مباشرةً عبر المذياع، هل يُشرع الترديد خلف المؤذن إذا وقع الأذان بهذه الطريقة، شكر الله لكم؟
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فآلة التسجيل قد وُجدت في الوقت الحاضر، وأصبح يُسجَّل عبرها الأذان، فيكون الأذان مسجَّلًا، قد يكون بصوت إنسانٍ قد مات، وقد يكون بصوت إنسانٍ حيٍّ، قد يُسجَّل هذا الأذان ثم يُبَث.
أولًا هل يغني هذا الأذانُ المسجَّلُ عن رفع الأذان؟
اتفق عامة أهل العلم المعاصرين على أنه لا يُغني عنه، فلا يجوز أن يُكتفى بالأذان المسجل عن الأذان المعروف، بل لا بد أن يقوم أحد المسلمين برفع الأذان؛ وذلك لأن الأذان عبادةٌ، والأصل في العبادات التوقيف، وأيضًا من شروط صحة الأذان: النية، والأذان من المسجِّل -كما هو معلومٌ- لا يمكن أن تصدر منه النية، وأيضًا الأذان عبادةٌ بدنيةٌ لا يقوم المسجِّل مقامها، والنبي قال: إذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم [1]؛ فلا بد أن يؤذِّن أحد المسلمين.
فإذنْ لا بد من رفع الأذان، ولا يصح ولا يُجزئ أن يكون الأذان مسجَّلًا، لكن إذا وُضع من باب التذكير، ليس من باب الاعتماد عليه والاكتفاء به، وُضع من باب التذكير -كما يكون في بعض المطارات والأسواق ونحو ذلك- فلا بأس من باب التذكير، لكن لا يُعتمد عليه، لا يكون مثلًا في المسجد بدل المؤذن، فهذا باتفاق العلماء المعاصرين: أن هذا عملٌ غير مشروعٍ.
أما بالنسبة لمتابعة الأذان إذا بُثَّ مسجلًا: أحيانًا في الإذاعة أو في التلفاز قد يُبث الأذان مسجَّلًا، يُبث مثلًا من “إذاعة القرآن” بصوت المنشاوي أو غيره، هنا هل تُشرع متابعته وقد بُثَّ هذا الأذان مسجَّلًا؟
هذه المسألة يمكن تخريجها على مسألةٍ ذكرها بعض الفقهاء السابقين، خاصةً فقهاء الحنفية، ذكروا مسألةَ: ما إذا عُلِّم الببغاء الأذان؛ فهل تُشرع متابعته؟
ذكروا أنه لا تُشرع متابعته، وعلَّلوا ذلك؛ قالوا: لأنها حكاية صوتٍ، وأيضًا قالوا: لو أن الببغاء لُقِّن آياتٍ من القرآن فقرأها، وكان منها آيةُ سجدةٍ؛ فهل يُشرع سجود التلاوة؟ ذكروا أنه لا يُشرع سجود التلاوة.
فنجد إذنْ: أن الفقهاء السابقين -خاصةً فقهاء الحنفية- ذكروا أن مثل هذا الأذان الذي يكون عن طريق هذا الطائر (البَبْغاء) لا تُشرع متابعته، كذلك الأذان الذي عن طريق المسجل لا تُشرع متابعته؛ وذلك لأن هذا الأذان هو حكاية صوتٍ؛ ولذلك أحيانًا يكون صوت الأذان صوتًا لإنسانٍ ميتٍ، فهو مجرد حكاية صوتٍ، فلا تُشرع متابعته، هذا بالنسبة للأذان عن طريق المسجل.
المقدم: أحسن الله إليكم، هذا إذا كان الأذان مسجَّلًا، ماذا إذا كان الأذان يُبث مباشرةً عبر المذياع؟
الشيخ: إذا كان الأذان يُبث مباشرةً، سواءٌ عبر المذياع أو عبر قناةٍ أو عبر الجوال، المهم أنه يُبث على الهواء مباشرةً، فهل تُشرع متابعته أو لا تُشرع؟
لا يخلو الأمر من حالين:
- الحال الأولى: أن يكون المتابِع لم يُصَلِّ بعد؛ مثال ذلك: هذا رجلٌ لم يُصَلِّ صلاة المغرب، وفتح المذياع فإذا بالأذان يُنقل مباشرةً من جامع “الإمام تركي بن عبدالله” مثلًا، فهنا هل تُشرع له متابعته وهو لم يُؤدِّ الصلاة بعد؟
نقول: نعم تُشرع له متابعته؛ لعموم الأدلة، ومنها قول النبي : إذا سمعتم النداء؛ فقولوا مثل ما يقول المؤذن [2]، فيدخل في ذلك الأذان الذي يرفعه المؤذن، ويدخل في ذلك ما إذا نُقل هذا الأذان على الهواء مباشرةً بأية وسيلةٍ من وسائل التقنية الحديثة، فهو أذانٌ منقولٌ على الهواء مباشرةً ويُسمع في اللحظة نفسها، ولا فرق بين أن يُسمع صوت المؤذن من المسجد القريب عن طريق مكبرات الصوت، أو يُسمع عن طريق الإذاعة، أو يُسمع عن طريق التلفاز، أو يُسمع عن طريق أية وسيلةٍ من وسائل التقنية الحديثة.
- الحال الثانية: أن يكون المتابع قد صلى، ويكون الأذان منقولًا على الهواء مباشرةً؛ مثال ذلك: صليت صلاة العشاء في مدينة الرياض، ثم بعدما صليت العشاء فتحت المذياع، فوجدت أن الأذان يُنقل مباشرةً من المسجد الحرام من مكة المكرمة، فهل يُشرع لك أن تُتابعه وأنت أصلًا قد صليت؟
نقول: لا تُشرع متابعته في هذه الحال؛ وذلك لأن المؤذن إنما يُنادي من يسمعه للصلاة؛ ولهذا يقول: “حي على الصلاة”، يعني أقبِل إلى لصلاة، فكيف تُجيبه وأنت لست مدعوًّا به، فأنت لست مدعوًّا أصلًا بهذا الأذان، فعندما يقول المؤذن: “حي على الصلاة”، يعني: أقبِل إلى الصلاة، أقبِل إلى الفلاح، لكنك قد صليت وأديت الفرض، فأنت غير منادًى بهذا الأذان.
وهذا المعنى قد نص عليه بعض فقهاء الحنابلة، فذكر ابن مفلحٍ في “المبدع”: “لو سمع المؤذنَ وأجابه وصلى في جماعةٍ؛ لا يُجيب الثاني؛ لأنه غير مدعوٍّ بهذا الأذان”، فذكروا المسألة نفسها بعينها، نفس المسألة، لو سمع المؤذن وأجابه وصلى في جماعةٍ لا يُجيب المؤذن الثاني؛ لأنه غير مدعوٍّ بهذا الأذان، فعللوا بهذا التعليل؛ قالوا: الأذان الثاني هو غير مدعوٍّ به باعتبار أنه قد صلى.
نخلص من هذا إذنْ إلى أنه بالنسبة لمتابعة المؤذن: إذا كان الأذان عبر المسجل وليس منقولًا على الهواء مباشرةً فلا تُشرع متابعته، أما إذا كان الأذان منقولًا على الهواء مباشرةً؛ فإن كان المستمع لهذا الأذان لم يصل بعد؛ فتُشرع له متابعته، أما إذا كان قد صلى ثم استمع للأذان بعد ما صلى؛ فلا تُشرع له متابعته.
كيفية مصافَّة من يصلي على كرسيٍّ
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم هذا البيان.
أستأذنكم شيخنا أن أنتقل إلى نازلةٍ أخرى كذلك مما يكثر السؤال عنه، وهي متعلِّقةٌ بالصلاة، فيما يخصُّ مصافَّة من يُصلِّي على كرسيٍّ، هذا شخصٌ يريد أن يصلي جماعةً مع المسلمين، ولكنه لعذرٍ أصابه؛ يصلي على كرسيٍّ، فكيف تكون مصافته في الصف في الصلاة؟
الشيخ: أولًا ليس له أن يصلي على كرسيٍّ إلا إذا كان عاجزًا عن أن يصلي قائمًا؛ وذلك لأن القيام مع القدرة ركنٌ من أركان الصلاة، ويلاحظ -خاصةً في السنوات الأخيرة- تساهل بعض الناس في الصلاة جلوسًا مع قدرتهم على القيام، وانظر إلى حال كثيرٍ من المساجد؛ تجد كثرة الكراسي خلف الإمام بصورةٍ لم تعهد من قبل، فبعض العامة يُفتي نفسه بنفسه، فيصلي جالسًا وهو يقدر على القيام، أو أن القيام يشق عليه مشقةً يسيرةً محتمَلةً، ولهذا فالضابط في هذه المسألة أن نقول: إن الإنسان يصلي قاعدًا إذا كان عاجزًا عن أن يصلي قائمًا، أو إذا كان القيام يشق عليه مشقَّةً يفوت بسببها الخشوع في الصلاة، أما إذا كان يشق مشقةً محتملةً لا يفوت بسببها الخشوع في الصلاة؛ فيجب عليه أن يصلي قائمًا، فلا يجوز التساهل في هذه المسألة، وبعض العامة يتساهل، وهذا من قديم الزمان، والإمام الشافعي ذكر في زمنه -وقد توفي سنة (204 هـ)- أن رجلًا قد بلغ التسعين من عمره، وأنه كان يُعلِّم الجواري الغناء قائمًا، فإذا أتى المسجد؛ صلى جالسًا! فهذا من قديم؛ لذلك تجد بعض الناس يُزاول أعماله الدنيوية بكل نشاطٍ قائمًا، ثم إذا أتى المسجد؛ صلى جالسًا.
فلا يجوز إذنْ أن يصلي جالسًا، إلا إذا كان لا يستطيع القيام، أو إذا كان القيام يشق عليه مشقةً شديدةً بحيث يفوت بسببها الخشوع في الصلاة، هذا في صلاة الفريضة خاصةً.
أما النافلة: فالقيام أصلًا غير واجبٍ، وإنما هو مستحبٌّ.
المقدم: أحسن الله إليكم، أيضًا يقال: من الأخطاء: مَن كان عاجزًا عن السجود، ومع ذلك يُصلي جالسًا وهو في موضع القيام؟
الشيخ: كذلك أيضًا الواجب أن يأتي المصلي بجميع أركان الصلاة، إلا إذا عجز عنها، أو شَقَّ عليه ذلك مشقةً كبيرةً.
أحوال من يصلي على الكرسي
وأما بالنسبة لموقف من يصلي على الكرسي في الصف، فلا يخلو الأمر من حالين:
- الحال الأولى: أن يكون قاعدًا طوال صلاته، أو أكثر صلاته يكون قاعدًا على كرسيٍّ، فالاعتبار في المصافة بالأَلْيَة أو المقعدة أو موضع الجلوس في قول أكثر أهل العلم؛ وعلى ذلك: فإن الكرسي سيكون بمحاذاة الصف، ولن يكون متأخرًا عن الصف، إلا أن أرجل المصلي وهو قاعدٌ ستتقدم على الصف، وهذا لا يضر.
فهذه هي الحال الأولى: أنه يُصافُّ مَن عن يمينه وعن يساره بمنكبه، وأيضًا بمقعدته، ويكون الكرسي أيضًا بمحاذاة الصف؛ وذلك لعموم أمر النبي بالمحاذاة بالمناكب والأكعب، فإذا تعذرت الأكعب فأمكن المحاذاة بالمناكب؛ وجبت المحاذاة بالمناكب.
المقدم: هذا إذا كان جالسًا في جميع صلاته؟
الشيخ: إذا كان جالسًا في جميع صلاته، طوال صلاته، أو أكثر صلاته.
- الحالة الثانية: من يصلي قائمًا -أو أكثر صلاته قائمًا- ثم عند السجود يجلس على الكرسي، فالعبرة في المصافة: أن يكون ذلك بالكعب والمنكب؛ لأن هذا هو الأصل؛ لعموم قول النبي : أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسُدُّوا الخَلَل [3]؛ وعلى هذا: عندما يصلي جالسًا سيصلي أول الصلاة قائمًا، لكن عندما يريد أن يسجد سيجلس على الكرسي؛ على هذا: سيكون الكرسي خلف الصف متأخِّرًا، إلا إذا كان تأخير الكرسي يُؤذي مَن خلفه، يتسبب في أذية من خلفه، فإنه يُقدِّم الكرسي ولو تَقدَّم على الصف؛ وذلك لأن أذية المؤمنين محرمةٌ، والله يقول: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58].
الحالة الأولى نص عليها الفقهاء السابقون، وذكروا أن من صلى قاعدًا؛ فالمعتبر في المُصافَّة بأن يكون ذلك بالمقعدة أو بالألية أو بموضع الجلوس، فيحاذي بمنكبيه مَن عن يمينه وعن يساره، والحالة الثانية لم نقف عليها في كتب الفقه، وهي: مَن كان يصلي قائمًا ثم عند السجود جلس على الكرسي، فهي تُعتبر كأنها نازلةٌ؛ لأنها من النوازل، ولذلك قلنا: إن الأصل أنه مادام يصلي قائمًا؛ فيُصافُّ مَن عن يمينه وعن يساره بالأكعُب والمناكب؛ وعلى ذلك: سيكون الكرسي خلف الصف، إلا إذا كان في تأخير الكرسي أذيةٌ، فيُقدَّم الكرسي ولو تقدَّم على الصف، وفي الوقت الحاضر وُجدت كراسي تنثني إذا قام، إذا قام هذا الجالس على الكرسي؛ فإنها تنثني، فتصلح لمن يصلي على الكرسي في هذه الحال، أي أن الذي يصلي قائمًا هو يصلي قائمًا ويحاذي مَن عن يمينه وعن يساره بالمنكب والكعب، ثم عند السجود يجلس على الكرسي، فيكون الكرسي بمحاذاة الصف، ويصلي هذا المأموم مصافًّا بمَن بجانبيه بالمنكب والكعب، ثم عند الجلوس على الكرسي يجلس على هذا الكرسي من غير حاجةٍ لتأخير هذا الكرسي بسبب انثنائه، فهذا النوع من الكراسي يَحُل هذه الإشكالية، هذه الكراسي التي تنثني، إذا قام؛ انثنى الكرسي، وإذا قعد؛ فإنه يجلس على مقعدة الكرسي، هذه تَحُل الإشكالية تمامًا، لكن طبعًا قد لا تتأتَّى هذه الكراسي في جميع المساجد، بعض المساجد تكون في أماكن لا يتيسر فيها هذا النوع من الكراسي؛ وعلى ذلك فنقول: يصلي قائمًا محاذيًا مَن عن يمينه وعن يساره بالأكعب والمناكب، وإذا أراد أن يسجد؛ يصلي على الكرسي، ويكون الكرسي متأخرًا، يكون خلف الصف.
المقدم: أحسن الله إليكم، هل يمكن أن يقال بمشروعية تحريك الكرسي وتقديمه؛ ليتحقق المقصود؛ بمعنى: أنه يُحرِّك الكرسي إلى الأمام، ثم إذا أراد أن يجلس يؤخره قليلًا؟
الشيخ: إذا لم يكن في ذلك إزعاجٌ للمصلين؛ فلا بأس، بعض أنواع الكراسي تكون مناسبةً للتحريك ولا يظهر لها أي صوتٍ، وحركة يسيرة، فلا بأس؛ لأن هذا يُحقق المقصود.
المقدم: ولكن هل تُعتبر حركةً مؤثِّرةً على صحة الصلاة؟
الشيخ: لا تعتبر، هذه حركةٌ لمصلحة الصلاة، ولا تعتبر مؤثرةً، والنبي حَمَل بنته أُمَامةَ بنت أبي العاص، حملها في صلاة العصر، فكان إذا قام؛ حملها، فإذا سجد؛ وضعها [4]، طوال الصلاة، في أربع ركعاتٍ، هذه حركةٌ كثيرةٌ، وفتح الباب لعائشة رضي الله عنها [5]، وفي صلاة الكسوف تقدَّم وتقدَّمت الصفوف، وتأخَّر وتأخَّرت الصفوف [6]، فليست كل حركةٍ تُبطل الصلاة، يعتقد بعض العامة أن ثلاث حركاتٍ تُبطل الصلاة، هذا غير صحيحٍ، لكن الحركة التي تُبطل الصلاة: هي الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورةٍ، فإذا كانت حركةً يسيرةً لأجل تحريك الكرسي؛ هذه لا بأس بها، ولمصلحة الصلاة، لكن المهم هو فقط أن يضبط من يصلي على كرسيٍّ المسألةَ؛ يعني: لو أردنا أن نُلخِّصها مرةً ثانيةً، نقول: إذا كان يصلي قاعدًا طوال صلاته على الكرسي؛ فالمُصافَّة تكون بالمقعدة أو بالألية أو بموضع الجلوس؛ بحيث يكون الكرسي بمحاذاة الصف، ولا يكون متأخرًا، أما إذا كان يصلي قائمًا وعند السجود يجلس؛ فالكرسي يكون محاذيًا مَن عن يمينه وعن يساره، ويكون الكرسي في هذه الحال متأخرًا، إلا إذا كان فيه أذيةٌ لمَن خلفه؛ فإنه يُقدِّمه؛ لأن أذية المؤمنين محرمةٌ.
فالحال الثانية: أن يصلي قائمًا، لكن عند السجود يجلس على الكرسي، فإذنْ العبرة بالمصافة بالكعب والمنكب؛ وعلى هذا: سيكون الكرسي خلف الصف، إلا إذا كان في تأخير الكرسي أذيةٌ لمن خلفه؛ فيُقدِّم الكرسي ولو تقدَّم على الصف.
المفاضلة بين الصلاة على الكرسي والسجود على الأرض
المقدم: أحسن الله إليكم، وهنا أيضًا مسألةٌ مرتبطةٌ بهذه النازلة، وهي: أيهما أولى: أن يصلي قائمًا ثم يجلس على الكرسي، فإذا كان عجزه عن السجود مثلًا، أو يقول: أنا سأصلي جالسًا ابتداءً؛ وعلى هذا أستطيع أن أسجد، لكن يفوت عليَّ القيام؟
الشيخ: نعم، هذه مسألةٌ يكثر السؤال عنها، وهي أيضًا محل خلافٍ بين العلماء، فهذا رجلٌ يقول: أنا يمكنني أن أصلي قائمًا لكن لا أستطيع أن أسجد على الأرض، وإنما أجلس على الكرسي وأُومئ بالسجود، أو أنني أصلي جالسًا وأسجد على الأرض، آتي بركن السجود تمامًا، فأيهما أولى بالمراعاة؟
ننظر لآكَدِيَّة كل ركنٍ؛ فعندما ننظر لأركان الصلاة؛ نجد أن آكد أركان الصلاة: السجود، بل إن ما قبله من القيام والقراءة والركوع والرفع من الركوع كلها -كما قال ابن القيم- مقدِّماتٌ للسجود، فآكَد أركان الصلاة: السجود؛ ولذلك السجود لا يسقط بأي حالٍ من الأحوال، بينما القيام يسقط عن المسبوق، لكن السجود لا يمكن أن يسقط، فهو آكَد أركان الصلاة، وهو سر العبودية كما ذكر ابن القيم وبعض أهل العلم، فهو سِرُّ العبودية بين العبد وربه، فآكَد أركان الصلاة: السجود، كما أن آكد أركان الحج: الوقوف بعرفة، وآكد أركان الصيام: النية، آكد أركان الصلاة: السجود؛ فلذلك كونه يصلي جالسًا مع إتيانه بالسجود كاملًا وسجوده على الأرض؛ أولى من كونه يصلي قائمًا ولا يسجد إلا بالإيماء؛ لأن في هذا مراعاةً للسجود الذي هو آكد أركان الصلاة، ولأن السجود آكد من القيام.
المقدم: أحسن الله إليكم، وفي مثل هذه الحال نقول: يجلس ثم يُكبِّر تكبيرة الإحرام؟
الشيخ: في مثل هذه الحال نعم، نقول: إن تيسر أن يُكبِّر تكبيرة الإحرام قائمًا؛ فهذا هو الأولى، فالأفضل أن يُكبِّر تكبيرة الإحرام قائمًا ثم يجلس، هذا أولى من أن يُكبِّر وهو جالسٌ.
زكاة الدخل الشهري
المقدم: أحسن الله إليكم، أيضًا من النوازل -ولعلي أنتقل إلى باب الزكاة أو كتاب الزكاة- التي يَكثر السؤال عنها في هذا الباب: ما يتعلق بزكاة الدخل الشهري، هذا الدخل الشهري الذي يُوجد عند كثيرٍ من الناس وينزل بصفةٍ دوريةٍ في الحساب، كيف يمكن أن تُؤدَّى زكاته؟
الشيخ: هذا الدخل هو دخلٌ يدخلُ على الإنسان بسبب عملٍ أو وظيفةٍ أو تجارةٍ أو صناعةٍ ونحو ذلك، لكن بعض الناس يسميه دخلًا شهريًّا؛ لكونه هو الغالب في وقتنا الحاضر، الغالب: أن الإنسان يكون له راتبٌ شهريٌّ، أو دخلٌ شهريٌّ، سواءٌ كان مرتبًا في القطاع الحكومي، أو في القطاع الخاص، أو حتى راتبًا تقاعديًّا، لكن أيضًا قد يكون الدخل من التجارة غير مرتبطٍ بالشهر، قد يكون من المِهَن الحرة، قد يكون من غير ذلك.
فيكون الحديث عن “زكاة الدخل” عمومًا، لو أمكن الإنسان أن يضبط ما الذي مضى عليه الحول فيزكيه، وما الذي صرفه أو أنفقه فلا يكون فيه الزكاة؛ فهذه الطريقة هي المطلوبة، فيزكِّي كل مالٍ بعد مضي حوله؛ فمثلًا: إذا حصل على راتبِ شهرِ محرَّمٍ، إذا كان محرَّمٌ من العام الذي يليه؛ فإنه يزكِّي هذا الراتب أو هذا الدخل، لكن هذه الطريقة يكون فيها صعوبةٌ على بعض الناس؛ نظرًا لتكرُّر ما يدخل في الحساب، وأيضًا لأن الإنسان لا يدري ما الذي أَنفَق وما الذي ادَّخر، ففي هذا صعوبةٌ؛ ولذلك يلجأ بعض الناس لإحدى طريقتين:
إما طريقة أن يطلب كشف حسابٍ بنكيٍّ لجميع الرصيد، ويزكي أقل رصيدٍ في العام الهجري القمري، في السنة القمرية؛ لأن العبادات تكون بالسنة القمرية، وليست بالسنة الشمسية الميلادية، وإنما بالسنة القمرية الهجرية، فيَطلب كشفَ حسابٍ بنكيٍّ لهذه السنة، 12 شهرًا هجريًّا ويُزكِّي أقل الرصيد، هذه أيضًا طريقةٌ صحيحةٌ، لكن أيضًا ربما بعض الناس تشُقُّ عليه؛ لأن بعض الناس ربما تفصل عليه فاتورة الكهرباء وهو لم يُسدِّد الكهرباء، فكيف تريد أن يطلب كشف حسابٍ وينظر إلى الرصيد.
ولذلك الطريقة الثالثة: أنه يزكِّي جميع الرصيد عنده حينما يحول عليه الحول من أول نصابٍ مَلَكَه، ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يَحُلْ عليه الحول؛ مثلًا: أول نصابٍ مَلَكَه كان في شهر رجب، (1 رجب)، كلما أتى (1 رجب)؛ زكَّى جميع الرصيد، ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يَحُلْ عليه الحول، وبذلك لا ينظر لزكاة ماله إلا مرةً واحدةً في السنة؛ مثلًا: في شهر رجبٍ، لو كانت زكاته تَحُل في شوالٍ، أو في ذي القعدة، أو في ذي الحجة، أو في محرمٍ، وأراد تعجيلها في رمضان، قال: أنا سأُحدِّد لي تاريخًا معينًا، مثلًا (1 رمضان)، أو منتصف رمضان، أزكي فيه جميع الرصيد، ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يَحُلْ عليه الحول، فهذه من أفضل وأيسر الطرق، فهي أيسر وأضبط وأحوط؛ لأنه لن ينظر لزكاة رصيده إلا مرةً واحدةً في السنة، كلما آتى (1 رمضان)؛ زكَّى جميع الرصيد ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يَحُلْ عليه الحول، وتعجيل الزكاة جائزٌ، كما هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، خلافًا للمالكية، وقول الجمهور هو الراجح؛ لأن النبي تعجَّل زكاة عمه العباس [7].
فإذنْ: الطريقة الأفضل، وهي السائدة عند الناس: أنه يُحدِّد تاريخًا معينًا في السنة؛ (1 رمضان) مثلًا، يُزكِّي فيه جميع الرصيد، ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يَحُلْ عليه الحول.
المقدم: أحسن الله إليكم، وفي مثل هذه الحال لو أنه قُدِّر وأنفق جزءًا من المال فيما لم يَحُل عليه الحول، يكون ما أخرجه بمثابة الصدقة؟
الشيخ: نعم، لو افترضنا مثلًا أنه لو فعل هذه الطريقة؛ فيكون قد أخرج قدرًا زائدًا عن الزكاة الواجبة، فالقدر الزائد يُعتبر صدقةً.
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم هذا البيان.
في هذه الحلقة استعرضنا ثلاث نوازل، ولعلي أكتفي بها، وأسأل الله جل وعلا أن يجزي شيخنا خير الجزاء على ما قدم.
والشكر موصولٌ لكم أنتم -أيها الإخوة- على حسن استماعكم وإنصاتكم، كما أشكر من قام بتسجيل هذه الحلقة.
إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله ، ومع جملةٍ من النوازل، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحاشية السفلية