|

(17) زدني علمًا- التساهل بالأيْمان

مشاهدة من الموقع

المقدم: مرحبًا بكم مستمعينا الكرام إلى هذه الفقرة الأسبوعية فقرة (زدني علمًا) مع معالي الشيخ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أسعد الله صباحك بالخيرات يا شيخ سعد.

الشيخ: أهلًا وحياكم الله، وبارك فيكم، وحيا الله الإخوة المستمعين.

المقدم: حياكم الله مستمعينا إلى هذه الفقرة التي يقدم فيها ضيفنا توجيهات سريعة في دقائق معدودة عن موضوعات مختلفة.

اليوم نتحدث عن موضوع التساهل بالأيمان، كثيرًا ما يحلف الإنسان على موضوع يستحق الحلف، وموضوع لا يستحق، حتى أصبح من دارج الناس عند الكلام، وكذلك بما أن موضوعنا الأسبوع الماضي يا شيخ سعد كان موضوع الطلاق، أيضًا الحلف بالطلاق أصبح على لسان الناس بشكل كثير، فهذا هو موضوعنا التساهل بالأيمان، تفضل شيخ سعد.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فالأيمان ينبغي تعظيمها، وإذا حلف الإنسان على يمين، فينبغي أن يعظم هذه اليمين، فإن تحقق ما حلف عليه، وإلا فإنه يكفر كفارة يمين، وإن لم يفعل هذا فإنه مؤاخذ عند الله تعالى.

ولهذا يقول ربنا ​​​​​​​: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة:89]؛ ومعنى بِاللَّغْوِ يعني: ما يدور على اللسان من غير قصد، كقول الإنسان: لا، والله، وبلى والله، ونحو ذلك، هذا لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ لأنه لم يقصد اليمين.

وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ: يؤاخذ الله العبد إذا قصد اليمين، فقال: والله لأفعلن كذا، أو والله لا أفعل كذا، فهذا يؤاخذ الإنسان عليه إن تحقق ما حلف عليه، وإلا فإن الواجب عليه أن يكفر كفارة يمين.

وكفارة اليمين بيّنها الله تعالى في قوله: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:89].

فهذه الآية أرشدنا الله تعالى فيها إلى حفظ الأيمان، وأن الإنسان ينبغي ألا يحلف إلا عند الحاجة، عندما يحتاج للحلف، والله تعالى ذكر أن من علامات أهل النفاق: كثرة الأيمان، فقال: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المنافقون:2].

فالذي يكثر من اليمين، هذا أولًا يتشبه بالمنافقين، ثانيًا: من يكثر من الحلف يعطي مؤشرًا على أن هذا الإنسان غير واثق من نفسه، كأنه يرى أن الناس لن يصدقوه إلا إذا حلف، فبعض الناس لا يكاد يتكلم بكلام إلا ويحلف، فهذا يعطي انطباعًا سلبيًا عن هذا الشخص الحالف.

الحلف لا بأس به عند الحاجة، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحلف في القرآن في ثلاثة مواضع، وكان عليه الصلاة والسلام يحلف أحيانًا، لكن لا يكثر الإنسان من هذه الأيمان؛ ولهذا قال الله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89].

ولهذا يقول إبراهيم النخعي: كانوا يضربوننا على اليمين ونحن صغار، فكان السلف يربون أولادهم على عدم الحلف، لكن إذا احتاج الإنسان للحلف فلا بأس.

ثم إذا حلف كأن يقول: والله لأفعلن كذا، والله لا أفعل كذا، هنا ينظر لواقع الأمر، فإن تحقق ما حلف عليه، فالحمد لله بر بيمينه، إن لم يتحقق ما حلف عليه، فلا بد من أن يكفر كفارة يمين، ويلاحظ أنه في المجلس الواحد يسمع أيمان كثيرة، ومع ذلك ينتهي المجلس، وتنسى هذه الأيمان.

وهذا الذي حلف حنث في يمينه، لكن لم يكفر كفارة يمين، وتجد أن بعضهم حتى عند أتفه الأشياء، عندما يقول هذا: خذ فنجان قهوة، هذا يقول: لا، بل أنت خذ فنجان قهوة، يقول: والله ما آخذ قبلك، ثم يأخذ قبله، طيب هذا حنث في يمينه، وهذه يسميها العلماء بيمين الإكرام.

وهذه عند أكثر أهل العلم، والذي عليه المذاهب الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، أنه إذا لم يتحقق ما حلف عليه في يمين الإكرام، فإن هذا يوجب كفارة اليمين، خلافًا لمن قال: إن يمين الإكرام أنه لا حنث فيها؛ لأن المقصود وهو الإكرام قد تحقق، لكن الصواب أنها يمين منعقدة، فتتناولها عموم الأدلة.

الله تعالى يقول: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة:89] هذا قد عقد اليمين، وقصد اليمين، فتتناوله الآية، وعموم الأدلة الدالة على وجوب الكفارة في حق من حنث في يمينه.

ولهذا أوجه نصيحة للإخوة المستمعين، أقول: يا أخي الكريم لا تحلف في المجلس لإكرام صاحبك، إلا إذا رأيت أن الموقف يستدعي حلف، فلا بأس أن تحلف، لكن إذا حنثت فكفر كفارة يمين.

لكن هنا يعني لطيفة من اللطائف، وهي أن المسلم إذا قرن اليمين بقول: إن شاء الله، لم يحنث؛ لقول النبي : من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث [1] وهذا حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن.

ولقوله في قصة سليمان لما قال سليمان عليه السلام: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل امرأة غلامًا، يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله يقول النبي كما في صحيح البخاري: لو قال: إن شاء الله لكان دركًا لحاجته، ولم يحنث [2] فدل هذا على أن قول: إن شاء الله يجعل الإنسان لا يحنث في يمينه.

ولهذا يقال: لا يحنث فقيه؛ لأن الفقيه إذا أراد أن يحلف، قال: إن شاء الله؛ ولهذا أسوق للإخوة المستمعين الكرام، أقول: إذا احتجت للحلف مثلًا حتى في يمين الإكرام، قلت: والله ما آخذ فنجان القهوة قبلك، قل: إن شاء الله، والله ما آخذ فنجان القهوة قبلك إن شاء الله، هنا لا تحنث، سواء تحقق ما حلفت عليه، أو لم يتحقق، فهذه من اللطائف؛ ولذلك الفقيه لا يحنث؛ لأنه كلما حلف قال: إن شاء الله.

المقدم: شكر الله لكم معالي الشيخ الدكتور سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، متحدثًا عن موضوع هذه الفقرة الأيمان والتساهل بها، ومن يحنث، ومن لا يحنث في حلفه، شكرًا لك شيخ سعد.

الشيخ: وشكرًا لكم، وللإخوة المستمعين.

المقدم: هذه تحية زميلي من التسجيل عثمان بن عبدالكريم الجويبر، والملتقى بكم مستمعينا الكرام في فقرتنا الأسبوع القادم، الآن نعود للزملاء وبقية فقرات هذه الحلقة.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 3261، والترمذي: 1532، وابن ماجه: 2104، والنسائي: 3828، وأحمد: 4581.
2 رواه البخاري: 6720، ومسلم: 1654.