بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما ينبغي للإمام مراعاته في الصلاة
حياكم الله تعالى في هذه الحلقة الجديدة من هذا البرنامج، والتي سأتحدث فيها -إن شاء الله تعالى- عما ينبغي للإمام مراعاته في الصلاة.
تخفيف الصلاة
فأقول وبالله التوفيق: يستحب للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها؛ لما جاء في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله أخف الناس صلاةً في تمامٍ" [1].
وفي "الصحيحين" أيضًا عن أنسٍ قال: "ما صليت وراء إمامٍ قط أخف صلاةً ولا أتم من النبي ، وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف؛ مخافة أن تفتن أمه" [2].
وبهذا يتبين أن التخفيف المطلوب من الإمام في الصلاة على قسمين:
- تخفيفٌ عارضٌ.
- وتخفيفٌ لازمٌ.
وكلاهما من السنة.
- أما التخفيف العارض: فهو أن يكون هناك سببٌ يقتضي الإيجاز عما جاءت به السنة؛ كأن يَعرِض للإمام أو لأحد المأمومين عارضٌ ويلحقه الحرج لو أطال الإمام في الصلاة، فالسنة للإمام حينئذٍ أن يخففها، ويدل لذلك ما جاء في "الصحيحين" عن أنسٍ أن النبي قال: إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي؛ مما أعلم من شدة وَجْد أمه من بكائه [3].
ومن ذلك: أن يعرض لأحد المأمومين عارضٌ من كحةٍ متواصلةٍ ونحو ذلك؛ فينبغي للإمام أن يخفف الصلاة مراعاةً لحاله ولو كان واحدًا، بل هو أولى بالمراعاة من امرأةٍ يبكي صبيها.
وبهذا تتبين -أيها الإخوة- عظمة دين الإسلام الذي شمل جميع مجالات الحياة، فانظر كيف أنه في هذه الحال يشرع للإمام تخفيف الصلاة مراعاةً لحال مصلٍّ واحدٍ؛ إذ إن كل مسلمٍ له في الإسلام قيمته وكرامته واحترامه!
- وأما التخفيف اللازم، فالمراد به: ألا يتجاوز الإنسان ما جاءت به السنة، ويدل لذلك ما جاء في "الصحيحين" عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كان معاذ بن جبلٍ يصلي مع النبي ، ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء فقرأ سورة البقرة، فانحرف رجلٌ وصلى وحده، فكأن معاذًا نال منه، فأتى النبيَّ فشكى إليه معاذًا، فقال النبي : أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟! أفتانٌ أنت يا معاذ؟! أفتانٌ أنت يا معاذ؟!، قالها ثلاث مرارٍ، فلولا صليت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة [4].
وفي "الصحيحين" أيضًا عن أبي مسعودٍ قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلانٌ فيها، فغضب رسول الله غضبًا ما رأيته غضب في موضعٍ كان أشد غضبًا منه، ثم قال: أيها الناس، إن منكم منفرين، فمن أم الناس فليتجوز؛ فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة [5].
ولكن التخفيف المقصود في هذه الأحاديث: هو التخفيف النِّسْبي، وليس كما يفهمه بعض الناس الذين ينقرون الصلاة، وربما أخلُّوا بركن الطمأنينة فيها، ويحتجون بهذه الأحاديث: أيكم أَمَّ الناس فليخفف؛ فإن من ورائه الضعيف والكبير وذا الحاجة، فإن الطمأنينة في جميع أفعال الصلاة ركنٌ من أركانها، وقد قال النبي للذي نقر صلاته: ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصل [6]، والنبي كان يأمر بالتخفيف ويؤم الناس بالصافات [7]، ومحالٌ أن يخالف فعله قوله .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "أما قول النبي : أيكم أَمَّ الناس فليخفف، وقول أنسٍ : "كان رسول الله أخف الناس صلاةً في تمامٍ" [8]، فالتخفيف أمرٌ نسبيٌّ يرجع إلى ما فعله النبي وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه لم يكن يأمرهم بأمرٍ ثم يخالفه، وقد عَلم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة.
فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به؛ فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعافٍ مضاعفةٍ، فهي خفيفةٌ بالنسبة إلى أطول منها، وهديه الذي كان واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون، ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات" [9]، فالقراءة بالصافات من التخفيف الذي كان يأمر به" [10]، انتهى كلامه رحمه الله.
هدي النبي في القراءة في الصلاة
وكان هدي النبي أنه يقرأ غالبًا من المفصل الذي يبدأ من سورة "ق" إلى سورة الناس، وكان يقرأ في الفجر من طواله من سورة "ق" إلى سورة المرسلات، وفي الظهر والعصر والعشاء من وَسَط المفصل؛ من سورة عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ [النبأ:1] إلى سورة الليل، وفي المغرب يقرأ من قصار المفصل، من سورة الضحى إلى سورة الناس، لكن لم يكن يلتزم في المغرب القراءة دائمًا من قصار المفصل.
ولهذا أنكر زيد بن ثابتٍ على مروان بن الحكم اقتصاره في المغرب على قصار المفصل وقال: "مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد رأيتُ رسول الله يقرأ في المغرب بطُولَى الطُّولَيَين؟!"، قال: قلت: ما طولى الطوليين؟ قال: "الأعراف" [11].
هذا هو هدي النبي في قراءته في الصلاة، وربما قرأ من غير المفصل، كما ثبت أنه قرأ بالصافات [12] والمؤمنين [13] والأعراف، ولكن الغالب من قراءته هو الاقتصار على المفصل، ومن هنا ينبغي للأئمة أن يقتدوا بالنبي في هذا.
ويلاحظ أن بعض الأئمة -وفقهم الله- غالب قراءتهم من غير المفصل، وهذا خلاف هدي النبي ، والمطلوب من المسلم أن يتحرى هدي النبي في قراءته وفي صلاته كلها، ثم إن من هدي النبي قراءة السورة كاملةً في الصلاة، ولم يحفظ عنه أنه كان يختار آياتٍ من أواخر السور أو من أوساطها ليقرأ بها، قال ابن القيم -رحمه الله-: "كان من هديه قراءة السورة كاملةً، وربما قرأها في الركعتين، وربما قرأ أول السورة، وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يحفظ عنه" [14]، ومن هنا ينبغي لإمام المسجد أن يحرص على أن تكون قراءته في الصلاة سورةً كاملةً.
والملاحظ كذلك على بعض الأئمة -وفقهم الله- أن غالب قراءتهم من أواخر السور أو من أوساطها، بل ربما تجد بعض الأئمة يقرأ آياتٍ من سورةٍ معينةٍ، وربما لا يبقى على إتمامه السورة سوى آياتٍ معدودةٍ، ومع ذلك ينتقل في الركعة الثانية إلى قراءة آياتٍ أخرى من وسط أو آخر سورةٍ أخرى، وهذا وإن كان جائزًا؛ لدخوله في عموم قول الله تعالى: فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ [الزمر:20]؛ إلا أنه ينبغي للإمام أن يحرص على الاقتداء بالنبي في قراءته.
والسنة للإمام: أن يطيل الركعة الأولى أكثر من الثانية في جميع الصلوات؛ فإن هذا هو هدي النبي ، ولو أطال الركعة الثانية أكثر من الأولى؛ فقال الإمام أحمد: "يجزئه، وينبغي ألا يفعل" [15].
ويستثنى من ذلك: ما إذا كان الفرق يسيرًا؛ فإن النبي كان من هديه أن يقرأ في صلاة الجمعة بـسَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى [الأعلى:1] في الركعة الأولى، وبالغاشية في الركعة الثانية [16]، مع أن سورة الغاشية أطول بقليلٍ من سورة سَبِّحِ.
والسنة للإمام كذلك: أن يطيل صلاة الفجر؛ فإن النبي كان يطيلها أكثر من سائر الصلوات؛ ولهذا سماها الله تعالى "قرآن الفجر"، فقال: وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا [الإسراء:78].
وينبغي للإمام أن يتأنى في صلاته بحيث يمكِّن المأمومَ من الإتيان بسنن الصلاة فضلًا عن واجباتها، قال المرداوي رحمه الله في "الإنصاف": "يُكره للإمام سرعةٌ تمنع المأموم من فعل ما يسن فعله" [17].
أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يوفقنا لاتباع سنة نبيه .
وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه البخاري: 706، بنحوه، ومسلم: 469، من حديث أنس . |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 708، ومسلم: 469. |
| ^3 | رواه البخاري: 709، ومسلم: 470. |
| ^4 | رواه البخاري: 705، ومسلم: 465. |
| ^5 | رواه البخاري: 704، ومسلم: 466. |
| ^6 | رواه البخاري: 757، ومسلم: 397. |
| ^7 | رواه النسائي: 826، وأحمد: 4796. |
| ^8 | رواه البخاري: 706، بنحوه، ومسلم: 469. |
| ^9, ^12 | سبق تخريجه. |
| ^10 | زاد المعاد (1/ 241). |
| ^11 | رواه أبو داود: 812، والنسائي: 990، ورواه البخاري مختصرًا: 764. |
| ^13 | رواه مسلم: 455. |
| ^14 | زاد المعاد (1/ 242). |
| ^15 | الإقناع في فقه الإمام أحمد للحجاوي (1/ 164). |
| ^16 | رواه مسلم: 878. |
| ^17 | الإنصاف (4/ 329). |


