جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا يزال الحديث موصولًا عن أحكام الإمامة.
مَن أَمَّ قومًا وهم له كارهون
ونبتدئ الحديث في هذه الحلقة بمسألة: من أم قومًا وهم له كارهون.
وقد رُوي في ذلك حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله :ثلاثةٌ لا تُجاوز صلاتُهم آذانَهم..، وذكر منهم: إمام قومٍ وهم له كارهون [1]، أخرجه الترمذي وحسنه، وصححه الضياء المقدسي وغيره.
وأخرج ابن ماجه في "سننه" عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي قال: ثلاثةٌ لا تُرفع صلاتهم فوق رءوسهم، وذكر منهم رجلًا أم قومًا وهم له كارهون [2]، قال البُوصِيري: هذا إسنادٌ صحيحٌ رجاله ثقاتٌ.
وقال عليُّ بن أبي طالبٍ لرجلٍ أمَّ قومًا وَهُمْ له كارهون، قال له: "إنَّك لَخَرُوطٌ"، قال ابن الأثير في "النهاية": الخروط: هو الذي يتهوَّر في الأمور، ويركب رأسه في كل ما يريد؛ جهلًا وقلة معرفةٍ [3].
قال الإمام أحمد رحمه الله: "إذا كرهه اثنان أو ثلاثةٌ؛ فلا بأس، حتى يكرهه أكثرهم، فإذا كان ذا دِينٍ، فكرهه القوم لذلك؛ لم تُكره إمامته" [4]، ومعنى ذلك: أن الإمام إذا كَره إمامتَه أكثر المأمومين لخللٍ في دينه؛ فيُكره له أن يؤمهم، أما إذا كرهوه بغير حقٍّ؛ مثل أن تكون الكراهة لأجل حرصه على اتباع السُّنة في الصلاة؛ فلا عبرة بكراهتهم له؛ لأن كراهتهم بغير حقٍّ.
إذا كانت الكراهة لأمر دنيوي أو بغير حق
وقال بعض أهل العلم: إذا كره أكثرُ المأمومين الإمام؛ فيُكره في حقِّه أن يؤمهم مطلقًا، حتى ولو كان ذلك لشحناءٍ بينهم في أمرٍ دنيويٍّ؛ لعموم الأحاديث السابقة، ولأن الغرض من صلاة الجماعة هو حصول الائتلاف والاجتماع، وهذا الغرض لا يتحقق إذا كان أكثر المأمومين يكرهون إمامهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا كان بين الإمام والمأمومين معاداةٌ من جنس معاداة أهل الأهواء أو المذاهب؛ لم ينبغِ أن يؤمهم؛ لأن المقصود بالصلاة جماعةً:؛ الائتلاف؛ ولهذا قال : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم [5].
ولكن إذا كره أكثر المأمومين الإمام بغير حقٍّ؛ فينبغي للإمام أن يعظهم وأن يذكِّرهم وأن يتألفهم، ويحرص مع ذلك على اتباع السنة في صلاته، وإذا علم الله تعالى من نيَّته صِدق التأليف بينهم؛ يسَّر الله تعالى له ذلك.
الكراهة المعتبرة وغير المعتبرة
وننبِّه هنا إلى أن كراهة فردٍ أو أفرادٍ أقل من النصف للإمام، إذا كانت بغير حقٍّ؛ فهي غير معتبرةٍ؛ لأن من الناس من تكون نفسيته غير سويةٍ، أو أنه يريد أن يفرض آراءه على الإمام أو على جماعة المسجد، فإذا لم يوافقه الإمام؛ كرهه وعاداه، فمثل هذا لا يُلتفت لكراهته، إنما المعتبر: أن تكون الكراهة بحقٍّ، أو أن تكون الكراهة من أكثر المأمومين، حتى لو كانت بغير حقٍّ، على القول الراجح، إلا أنها معتبرةٌ؛ لأنه يحصل بسببها تفويت مقصود الشارع من صلاة الجماعة، وهو حصول الائتلاف والتوادِّ بين المصلين.
وبناءً على هذا: لو كره أكثر المأمومين إمامة رجلٍ بسبب كثرة تغيُّبه عن الإمامة بغير عذرٍ؛ فيكره لهذا الإمام الاستمرار في إمامة هذا المسجد؛ لعموم الأحاديث السابقة، والتي فيها الذم لمن أم قومًا وهم له كارهون [6]، ولأن كثرة تغيُّبه عن الإمامة بغير عذرٍ إخلالٌ بواجب المسؤولية المنوطة به.
إمامة المتنفِّل للمفترِض
وننتقل بعد ذلك إلى مسألةٍ أخرى من المسائل المتعلقة بالإمامة، وهي: إمامة المتنفِّل للمفترِض؛ كأن يأتمَّ من يصلي العشاء بمن يصلي التراويح، فالذي يصلي العشاء مفتَرِضٌ، والذي يصلي التراويح متنفِّلٌ، فهل يصحُّ هذا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة:
- ذهب الحنفية والمالكية -والحنابلة في روايةٍ- إلى أنه لا يصح ائتمام المفترِض بالمتنفِّل؛ لعموم قول النبي إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به؛ فلا تختلفوا عليه [7]متفقٌ عليه.
- وذهب الشافعية -والحنابلة في الرواية الأخرى- إلى أنه يصح ائتمام المفترِض بالمتنفِّل، جاء في "الصحيحين" عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن معاذًا كان يصلي مع النبي صلاة العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، وجاء في روايةٍ عند الدارقطني والبيهقي: "هي له تطوعٌ، ولهم مكتوبةٌ" [8]، وقد أقرَّه النبي على ذلك.
ويدل لذلك أيضًا: أنه قد جاء في بعض أنواع صلاة الخوف: أن النبي كان يصلي بالطائفة الأولى صلاةً تامَّةً، ويسلِّم ثم يصلي بالطائفة الثانية، وهو في صلاته بالطائفة الثانية متنفِّلٌ وقد أمَّ مفترِضين.
ويدل لذلك أيضًا: قصة عمرو بن سلمة ، وقد كان يصلي بقومه وعمره سبع سنين [9]، ومعلومٌ أن الصبي لا فرض عليه؛ فالصلاة في حقه نافلةٌ.
وهذا القول الأخير -وهو صحة ائتمام المفترِض بالمتنفِّل- هو الأقرب في هذه المسألة، والله أعلم، وقد اختاره الموفَّق بن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجمعٌ من المحققين من أهل العلم، رحمة الله تعالى على الجميع.
أما ما استدل به أصحاب القول الأول، وهم القائلون بعدم صحة ائتمام المفترِض بالمتنفِّل من قول النبي : إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به؛ فلا تختلفوا عليه [10]، فالمراد بالاختلاف في هذا الحديث: الاختلاف في الأفعال، وليس المراد الاختلاف في النية؛ ولهذا قال : فلا تختلفوا عليه، ولم يقُلْ: فلا تختلفوا عنه فتنووا غير ما نوى، ثم فسَّر النبي عدم المخالفة بقوله: فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا... إلى آخر الحديث، فذكر أفعالًا؛ فدل على أن المقصود بالاختلاف في هذا الحديث: الاختلاف في الأفعال.
قال الموفَّق بن قدامة رحمه الله: أما الحديث فالمراد به: لا تختلفوا عليه في الأفعال؛ لأنه إنما ذَكَر في الحديث الأفعال، فقال: فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا؛ ولهذا صح ائتمام المتنفِّل بالمفترض [11]؛ وبناءً على ترجيح هذا القول: يترجح القول بصحة ائتمام من يصلِّي الظهر خلف من يصلي العصر، وكذلك العكس؛ لأن الممنوع إنما هو الاختلاف على الإمام في الأفعال وليس الاختلاف في النية؛ وبناءً على ذلك: لو أن رجلًا غلبه النوم، ودخل المسجد فوجدهم يصلون العصر فدخل معهم بنية الظهر؛ فلا بأس بذلك.
حكم من يصلي العشاء خلف من يصلي المغرب والعكس
ولكن ما الحكم إذا كانت صلاة المأموم أكثر من صلاة الإمام؟ كأن يصلي العشاء خلف من يصلي المغرب.
نقول: يصلي مع الإمام، فإذا سلم الإمام؛ يقوم المأموم ويأتي بما بقي، ففي المثال السابق: إذا كان المأموم يصلي العشاء والإمام يصلي المغرب، فإذا سلَّم الإمام؛ يقوم المأموم ويأتي بركعةٍ، ولكن إذا كان الأمر عكس ذلك، أي أن صلاة المأموم أقل من صلاة الإمام؛ كأن يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، فما الحكم؟
الجواب: أنه إذا قام الإمام للركعة الرابعة؛ يجلس المأموم وينوي الانفراد، ويأتي بالتشهد ويسلِّم، وله أن يأتي بالتشهد وينتظر حتى يسلم الإمام فيسلم معه.
حكم انفراد المأموم عن الإمام لعذر
وقد ذكرنا في حلقةٍ سابقةٍ أنه يجوز للمأموم أن ينفرد عن الإمام لعذرٍ، واختلاف صلاة المأموم عن الإمام هذا من الأعذار التي يجوز لأجلها الانفراد، بل إن بعض أهل العلم يقول: الأفضل له أن ينوي الانفراد ويتشهد ويسلِّم ثم يدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء؛ لأجل إدراك فضل الجماعة.
أسأل الله تعالى أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقنا الفقه في دينه.
وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه الترمذي: 360. |
|---|---|
| ^2 | رواه ابن ماجه: 971. |
| ^3 | النهاية (3/ 23). |
| ^4 | الشرح الكبير لابن أبي عمر (2/ 58). |
| ^5 | أخرجه مسلم: 432. |
| ^6 | سبق تخريجها. |
| ^7 | رواه البخاري: 722، ومسلم: 414. |
| ^8 | رواه الدارقطني: 1075، والبيهقي في السنن الكبرى: 5170. |
| ^9 | رواه البخاري: 4302. |
| ^10 | سبق تخريجه. |
| ^11 | الشرح الكبير لابن أبي عمر (2/ 60). |


