جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا يزال الحديث موصولًا عن أحكام الإمام، ونتحدث معكم في هذه الحلقة عن جملةٍ من المسائل.
إمامة المُحدِث
ونبتدئ الحديث عن مسألة إمامة المُحدِث، سواءٌ كان حَدَثه أكبر أم أصغر: فإن كان ذلك عن عمدٍ؛ لم تصح صلاته بالإجماع، ولكن إن جهل الإمام الحَدَث؛ كأن يكون على الإمام غسل جنابةٍ وينسى ذلك ويكتفي بالوضوء؛ فإن صلاة المأمومين خلفه صحيحةٌ، وأما صلاة الإمام فباطلةٌ؛ ويدل لذلك حديث أبي هريرة أن النبي قال: يُصَلُّون لكم، فإن أصابوا؛ فلكم، وإن أخطئوا؛ فلكم وعليهم [1]، أخرجه البخاري في "صحيحه".
قال الموفق بن قدامة رحمه الله: "وهو محل إجماع الصحابة ، فرُوي عن عمر أنه صلى بالناس الصبح، ثم وجد في ثوبه أثر احتلامٍ فأعاد الصلاة ولم يُعِد الناس [2]" [3].
وعن عثمان أنه صلى بالناس صلاة الفجر، فلما أصبح وارتفع النهار؛ إذا هو بأثر الجنابة فقال: "قد كَبِرْتُ والله قد كَبِرتُ"، وأعاد الصلاة ولم يأمرهم أن يعيدوا [4]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما نحو ذلك [5]، ولأن الحَدَث مما يخفى ولا سبيل إلى معرفته من الإمام للمأموم، فكان معذورًا في الاقتداء به.
حكم الإمام إذا علم أنه محدث في أثناء الصلاة
أما إذا عَلم الإمام أنه محدِثٌ وهو في أثناء الصلاة، كما لو كبَّر بالناس ليُصلِّي بهم ثم تذكر أن عليه غسل الجنابة مثلًا؛ فإن الصلاة تبطل؛ لأنه قد تبين أنه قد صلى على غير طهارةٍ.
ولكن هل تبطل صلاة المأمومين في هذه الحال؟
اختلف العلماء في ذلك:
- فمنهم من قال: تبطل صلاة المأمومين في هذه الحال، وعليهم استئنافها من جديدٍ؛ لأنه قد تبين أنهم اقتدوا بمن لا تصح صلاته؛ فبطلت صلاتهم، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.
- وقال الشافعي: ما مضى من صلاتهم صحيحٌ، فيبنون عليه ويُكملون صلاتهم، وهذا القول روايةٌ عن الإمام أحمد.
وهذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم؛ وذلك لأن المأمومين معذورون في هذه الحال؛ لجهلهم بحدث إمامهم؛ وبناءً على هذا: فينبغي للإمام في هذه الحال أن يستخلف من يُكمل بهم الصلاة.
عظيم عناية الصحابة بالصلاة
وجاء في قصة مقتل عمر بن الخطاب في "صحيح البخاري" وغيره أنه لما كبَّر بهم لصلاة الصبح؛ طعنه أبو لؤلؤة المجوسي، يقول الراوي: فما هو إلا أن كبَّر فسمعته يقول: "قتلني -أو أكلني- الكلب"، حين طعنه، فطار العِلْج [6] بسكينٍ ذات طرفين لا يمر على أحدٍ يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم سبعةٌ، فلما رأى ذلك رجلٌ من المسلمين؛ طرح عليه بُرْنُسًا، فلما ظن العِلج أنه مأخوذٌ؛ نحر نفسه، وتناول عمر بن الخطاب يد عبدالرحمن بن عوفٍ فقدَّمه، يقول الراوي: فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم فقدوا صوت عمر ، وهم يقولون: سبحان الله، فصلى بهم عبدالرحمن صلاةً خفيفةً [7].
والشاهد من هذه القصة: أن عمر أخذ بيد عبدالرحمن بن عوفٍ فقدَّمه فصلَّى بهم، ولم يقطع الصحابة صلاتهم، بل بنوا على ما مضى منها.
وانظر -يا أخي- إلى عظيم عناية الصحابة بالصلاة! وكيف أنهم لم يقطعوا الصلاة مع هذا الأمر المفزع! يُطعن أمير المؤمنين أمامهم وهو إمامهم، ومع ذلك أتموا صلاتهم!
ولهذا ذكر الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله في "فتح الباري" أنه قد جاء في رواية أبي إسحاق أن عبدالرحمن صلى بهم بأقصر سورتين في القرآن: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، وإِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]، وزاد في رواية ابن شهابٍ: ثم غَلب عمرَ النزفُ حتى غُشي عليه، فأُدخل بيته فلم يزل في غشيته حتى أَسفَر، فنظر في وجوه من حوله فقال: "أَصَلَّى الناس؟" قالوا: نعم، قال: "لا إسلام لمن ترك الصلاة"، ثم توضأ وصلى" [8].
فانظر إلى عظيم عناية واهتمام عمر بالصلاة حتى في هذا الموقف!
إذا صلى الإمام وعليه نجاسة
أيها الإخوة المستمعون، ننتقل بعد ذلك للحديث عن مسألةٍ أخرى: وهي ما إذا صلى الإمام بالناس وعليه نجاسةٌ يجهلها، أو أنه كان يعلم بها ثم نسيها حتى فرغ من الصلاة.
فصلاة المأمومين صحيحةٌ في هذه الحال؛ لأنهم معذورون بجهلهم بالنجاسة التي على إمامهم، وأما الإمام فهل تصح صلاته؟
اختلف العلماء في هذه المسألة، والأقرب -والله تعالى أعلم- أن صلاة الإمام صحيحةٌ ولا يلزمه إعادتها، ويدل لذلك: ما أخرجه أبو داود وغيره بسندٍ صحيحٍ عن أبي سعيدٍ أن النبي صلَّى بأصحابه ذات يومٍ وعليه نعلان، فخلعهما فخلع الصحابة نعالهم، فلما انصرف سألهم: لم خلعتم نعالكم؟، قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: إن جبريل أتاني فاخبرني أن فيهما قذرًا [9]، ولم يستأنف النبي صلاته، بل أتمها وبنى على ما مضى منها، مع أن أول صلاته قد صلاها وفي نعليه القَذَر، لكن لما لم يكن عالمًا بذلك؛ كان معذورًا؛ فدل ذلك على أن من صلى وعليه نجاسةٌ لم يعلم بها إلا بعد الفراغ من الصلاة؛ فإن صلاته صحيحةٌ، سواءٌ كان إمامًا أو منفردًا أو مأمومًا.
فإن قال قائلٌ: ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة؟
فمن صلى ناسيًا الحدث؛ فهو مأمورٌ بأن يُعيد صلاته، أما من صلى وعلى لباسه أو بدنه نجاسةٌ ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة؛ فإن صلاته صحيحةٌ؟
فالجواب: أن الطهارة من الحدث من باب فعل المأمور فلا يُعذر فيه الإنسان بالجهل والنسيان، بل لا بد من الإتيان بالطهارة وإعادة الصلاة.
وأما اجتناب النجاسة فمِن باب ترك المحظور، ويُعذر فيه الإنسان بالجهل والنسيان.
فمن صلى وعلى لباسه أو بدنه نجاسةٌ ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة؛ فصلاته صحيحةٌ ولا يُؤمر بإعادتها، ولكن إذا علم الإمام في أثناء الصلاة بالنجاسة، أو أنه كان ناسيًا فتذكر النجاسة في أثناء الصلاة؛ فإن كان يمكنه إزالتها؛ أزالها وأتَمَّ صلاته؛ كما لو كانت النجاسة على عمامته أو على غترته مثلًا، أما لو كانت النجاسة لا يمكنه إزالتها إلا بحرجٍ؛ كأن تكون النجاسة في ثوبه أو سراويله؛ فإنه يقطع صلاته في هذه الحال ويستخلف من يُتِمُّ بهم الصلاة.
إمامة من يلحن في قراءة الفاتحة
أيها الإخوة المستمعون، ومن المسائل المتعلقة بالإمامة: أنه لا تصح إمامة من يَلحن في قراءة الفاتحة لحنًا يُحيل المعنى إلا بمثله.
ومن أمثلة اللحن الذي يُحيل المعنى:
أن يكسر الكاف في قول الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فيقول مثلًا: (إياكِ نعبد) فهذا لحنٌ يُحيل المعنى.
ومن ذلك أيضًا: أن يفتح أَلِف الوصل في قول الله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، فيقول: (أهدنا الصراط المستقيم)، فهذا لحنٌ يُحيل المعنى.
أما إذا كان اللحن لا يُحيل المعنى؛ فإنه تصح الصلاة وتُجزئ، لكن لا يجوز له أن يتعمد اللحن.
ومن أمثلة اللحن الذي لا يُحيل المعنى:
أن يكسر الدال في قول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فيقول: (الحمدِ لله)، فهذا لحنٌ، لكنه لا يُحيل المعنى.
أو يضم النون في قول الله تعالى: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، فيقول: (الرحمنُ الرحيم)، فهذا لحنٌ، لكنه لا يُحيل المعنى ولا يُبطل الصلاة.
قال الموفق بن قدامة رحمه الله: من يلحن في الفاتحة لحنًا يُحيل المعنى لا تصح صلاته ولا صلاة من يأتم به؛ لأنه ترك ركنًا من أركان الصلاة مع القدرة عليه، أَشبَهَ تارك الركوع [10].
قال: وتُكره إمامة من يَلحن لحنًا لا يُحيل المعنى، فإن أحال المعنى في غير الفاتحة؛ لم يَمنع صحة إمامته، إلا أن يتعمده؛ فتبطل صلاتهما [11]؛ أي الإمام والمأموم.
قال: "ومن لا يُفصِح ببعض الحروف؛ كالقاف والضاد، فقال القاضي: تُكره إمامته وتصح، أعجميًّا كان أو عربيًّا" [12].
قال: "وقيل فيمن قرأ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] بالظاء -أي قرأها: (ولا الظالين)- قال: لا تصح صلاته؛ لأنه لحنٌ يُحيل المعنى" [13].
ولكن قال بعض أهل العلم: إن هذه المسألة تُستثنى -أي يُستثنى إبدال الضاد ظاءً- فإنه معفوٌّ عنه؛ لخفاء الفرق بينهما لا سيما لعامة الناس؛ فإن العامي لا يكاد يُفرِّق بين الضاد والظاء، فإذا قرأ وَلَا الضَّالِّينَ، قرأها: {ولا الظالين}، فتصح صلاته؛ لمشقة التحرُّز من ذلك.
ولعل هذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة والأرفق بالناس، والله تعالى أعلم.
وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه البخاري: 694. |
|---|---|
| ^2 | رواه عبدالرزاق: 3771. |
| ^3 | المغني، لابن قدامة: 2/ 74. |
| ^4 | رواه ابن المنذر في الأوسط: 2053، والدارقطني: 1372، والبيهقي في السنن الكبرى: 4246. |
| ^5 | رواه عبدالرزاق: 3772. |
| ^6 | العلج: الرجل من كفار العجم وغيرهم. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (ع ل ج). |
| ^7 | رواه البخاري: 3700. |
| ^8 | فتح الباري (7/ 64). |
| ^9 | رواه أبو داود: 650، وأحمد: 11153. |
| ^10 | ينظر المغني (3/ 30). |
| ^11 | ينظر المغني (3/ 32). |
| ^12, ^13 | المغني (3/ 32). |


