logo

(136) أحكام الإمامة - من لا تصح إمامته

مشاهدة من الموقع

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد للَّه ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون.

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، وحيَّاكم اللَّه تعالى في هذه الحلقة الجديدة من هذا البرنامج.

كنا قد تحدَّثنا في الحلقة السابقة عن أَوْلَى الناس بالإمامة في الصلاة، ونتحدَّث معكم في هذه الحلقة عمن لا تصحُّ إمامته.

أحكام إمامة الفاسق

ونبدأ الحديث بإمامة الفاسق:

أقسام الفاسق

الفاسق ينقسم إلى قسمين:

  • فاسق من جهة الاعتقاد.
  • وفاسق من جهة الأفعال.

حكم الصلاة خلف المبتدع بدعةً مكفِّرة

أما الفاسق من جهة الاعتقاد، فإن كانت بدعته مكفِّرةً فإنَّه لا تصحُّ الصلاة خلفَه قولًا واحدًا؛ لأنَّه لا تصحُّ صلاته في نفسه؛ فلا تصحُّ إمامته من بابٍ أَوْلَى؛ لقول اللَّه تعالَى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

حكم إمامة المبتدع الداعي إلى بدعته غير المكفّرة

أمَّا إذا كانت بدعته مفسِّقةً وليست مكفِّرةً، فإن كان يعلن بدعته ويتكلَّم بها ويدعو إليها ويناظر؛ لم تصحَّ إمامته، قال الإمام أحمد -رحمه اللَّه-: "لا يُصلَّى خلْفَ أحدٍ من أهل الأهواء إذا كان داعيةً إلى هواه"، وقال: "لا تصلِّ خلْفَ المُرْجِئِ إذا كان داعيةً"[1]، وهذا في غير الجمعة والعيدين.

قال الموفَّق بن قدامة -رحمه اللَّه- "أمَّا الجُمَع والأعياد فتُصلَّى خلْفَ كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ، وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة، وكذلك من كان من العلماء في عصره"[2].

حكم الصلاة خلف الفاسق الذي لا يُظهر بدعته، والفاسق من جهة أعماله

أما إذا لم يكن الفاسق يُظهر بدعته، فهل تصح الصلاة خلفه؟ قولان لأهل العلم، والأقرب -والله تعالى أعلم- أنَّها تصحُّ، وهكذا أيضًا الفاسق من جهة الأعمال؛ كَمَن يقع في كبيرةٍ من الكبائر، فتصحُّ الصلاة خلفه، ويدلُّ لذلك عموم قول النبيِّ في أئمَّة الجَور الَّذين يؤخِّرون الصلاة ويصلُّونها لغير وقتها، قال: صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِها، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ تَكُنْ لَكَ نافِلَةً. أخرجه مسلمٌ في "صحيحه"[3].

وظاهر هذا الحديث أنَّهم لو كانوا يصلُّون الصلاة في وقتها لكان مأمورًا بالصلاة معهم؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام: يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ. أخرجه البخاري في "صحيحه"[4].

هل صلى الصحابة خلف أهل الفجور؟

ولأنَّ هذا هو المأثور عن كثيرٍ من السلف؛ فقد كان الصحابة  ومنهم عبدالله بن عمر الَّذي هو من أشدِّ الناس تحرِّيًا لاتِّباع السنَّة، يصلُّون خلف الحَجَّاج بن يوسف، وأمره معروفٌ -وقد أفضى إلى ربِّه-، وصلى وراء الوليد بن عقبة، وقد قيل: إنَّ فيهم ابن مسعودٍ في زمن عثمان ، مع أنَّ الوليد كان يشرب الخمر، كما جاء في "صحيح مسلمٍ" عن حُضَيْن بن المنذر قال: شهدت عثمان بن عفان وأُتِيَ بالوليد، وقد صلَّى الصبح ركعتين -وفي بعض الروايات أنَّه صلَّى بهم صلاة الصبح أربعًا- ثمَّ قال: هل أَزِيدُكم[5]؟ جاء في بعض الروايات أنَّهم قالوا: ما زلنا في زيادةٍ منذ وَلِيتَنا! وما تزيدُنا لا زادك اللَّه من الخير؟ ثمَّ حَصَبَه الناس بحصباء المسجد، وجلده عثمان ثمانين جلدةً، وعزله عن الولاية.

ما حكم تقديم أهل الفجور والبدع للإمامة؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأمَّا الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور؛ ففيه نزاعٌ مشهورٌ، ولكن أوسط الأقوال في هؤلاء أنَّ تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره، فإنَّ من كان مُظهِرًا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقلُّ مراتب الإنكار هجره؛ لينتهي عن فجوره وبدعته"[6].

لماذا فرق أهل العلم بين إمامة الداعي إلى بدعته وغير الداعي؟

"ولهذا فرَّق جمهور الأئمَّة بين الداعية وغير الداعية؛ فإنَّ الداعية أظْهَرَ المنكر فاستحقَّ الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنَّه بمنزلة من أسرَّ بالذنب فهذا لا يُنكَر عليه في الظاهر؛ فإنَّ الخطيئة إذا خفِيَتْ لن تضرَّ إلَّا صاحبها، ولكن إذا أُعْلِنَتْ فلم تُنْكَر ضرَّتِ العامَّة؛ ولهذا كان المنافقون تُقْبَل منهم علانيتهم، وتُوكَلُ سرائرهم إلى اللَّه تعالى، بخلاف من أظْهَر الكفر"[7].

الصلاة خلف أئمة الجور والفساق بين المصلحة والمفسدة

"فإنْ لم يُمْكِن مَنْع المُظْهِر للبدعة والفجور إلَّا بضررٍ زائدٍ على ضرر إمامته؛ لم يَجُز ذلك، بل يُصَلَّى خَلْفَه ما لا يمكنه فِعْلُها إلَّا خَلْفَه؛ كالجُمَع والأعياد والجماعة، إذا لم يكن هناك إمامٌ غيره؛ ولهذا كان الصحابة يُصلُّون خلف الحجَّاج والمختار الثقفيِّ وغيرهما الجمعة والجماعة؛ فإنَّ تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادًا من الاقتداء فيهما بإمامٍ فاجرٍ، لا سيَّما إذا كان التخلُّف عنهما لا يَدْفَع فجوره، فيبقى تَرْكُ المصلحة الشرعيَّة بدون دَفْعِ تلك المفسدة.

ولهذا كان التاركون للجمعة والجماعات خَلْفَ أئمَّة الجَوْر مطلقًا معدودين عند السلف والأئمَّة من أهل البدع، وأمَّا إذا أمكن فِعْلُ الجمعة والجماعة خَلْفَ البَرِّ فهو أَوْلَى مِنْ فِعْلِها خَلْفَ الفاجر"[8].

وقال -رحمه اللَّه- في موضعٍ آخر: "لو علم المأموم أنَّ الإمام مبتدِعٌ يدعو إلى بدعته أو فاسقٌ ظاهِر الفسق، وهو الإمام الراتب الَّذي لا تمكن الصلاة إلَّا خَلْفَه، كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحجِّ بعرفة، ونحو ذلك؛ فإن المأموم يصلَّي خلفه عند عامَّة السلف والخلف، وهو مذهب أحمد والشافعيِّ وأبي حنيفة وغيرهم؛ ولهذا قالوا في العقائد: إنَّه يُصلِّي الجمعة والعيد خلف كلِّ إمامٍ، برًّا كان أو فاجرًا.

وكذلك إذا لم يكن في القرية إلَّا إمامٌ واحدٌ فإنَّها تُصلَّى خلفه الجماعات؛ فإنَّ الصلاة في جماعةٍ خيرٌ من صلاة الرجل وحْدَه وإن كان الإمام فاسقًا، هذا مذهب جماهير العلماء أحمد بن حنبلٍ والشافعيِّ، وغيرهما"[9].

هل يعيد الصلاة مَن صلى خلف إمامٍ فاسقٍ؟

قال: "ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدِعٌ عند الإمام أحمد وغيره من أئمَّة السنَّة"، قال: "والصحيح أنَّه يصلِّيها، ولا يعيدها؛ فإنَّ الصحابة كانوا يصلُّون الجمعة والجماعة خلف الأئمَّة الفجَّار ولا يعيدون، كما كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلِّي خلف الحجَّاج، وابنُ مسعودٍ وغيره يصلُّون خلف الوليد بن عقبة"[10]

لماذا كره مَن كره الصلاة خلف الفاسق والمبتدع؟

قال: "والفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحةٌ، فإذا صلَّى المأموم خلفه لم تَبْطُل صلاته، لكن إنَّما كَرِه مَن كَرِه الصلاة خلفه لأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ، ومِن ذلك أنَّ مَن أظْهَرَ بدعةً أو فجورًا لا يُرَتَّبُ إمامًا للمسلمين فإنَّه يستحقُّ التعزير حتَّى يتوب، فإذا أمكن هجره حتَّى يتوب كان حسنًا.

وإذا كان بعض الناس: إذا تَرَكَ الصلاة خَلْفه وصلَّى خلف غيره؛ أثَّر ذلك حتَّى يتوب أو يُعْزَل أو ينتهيَ الناس عن مثل ذنبه؛ فمثل هذا إذا تَرَك الصلاةَ خَلْفه كان فيه مصلحةٌ، ولم يَفُتِ المأمومَ جمعةٌ ولا جماعةٌ. وأمَّا إذا كان تَرْكُ الصلاة يُفوِّتُ المأمومَ الجمعةَ والجماعةَ؛ فهنا لا يَتْْرُك الصلاة خلْفَهم إلَّا مبتدعٌ مخالفٌ للصحابة "[11].

أيها الإخوة المستمعون، وننتقل بعد ذلك للحديث عن خلاف العلماء في إمامة من به سلس البول أو حدث دائم.

الخلاف في إمامة من به سلس البول أو حدث دائم

إمامة من به سَلَسُ البول، ومثله من كان حدثُهُ دائمًا؛ كَمَن تَخْرُج منه الريح باستمرارٍ، أوِ اسْتُأْصِلَتْ بعض أمعائه ووُضِعَ له مَخْرَجٌ من أسفل البطن مثلًا؛ فإنَّ من الفقهاء من قال: إنَّ هؤلاء لا تصحُّ إمامتهم إلَّا بمثلهم، أي: لا يصحُّ أن يكون من به سَلَسُ البول إمامًا إلَّا بمثله، أي: بِمَنْ كان به سَلَسُ البول كذلك.

من قال إنه لا تصح إمامتهم إلَّا بمثلهم

وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنابلة.

من قال بصحة إمامتهم مطلقًا

وذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى أنَّ صاحب سلس البول، ومَن حَدَثُه دائمٌ عمومًا؛ تَصِحُّ إمامته بغيره مطلقًا؛ أي بِمَن كان مثلَه وبغيره مِمَّن هو سليمٌ من هذا المرض.

هل ترتبط صلاة المأموم بالإمام؟

والخلاف في هذه المسألة راجعٌ للخلاف في مسألةٍ أخرى، وهي ارتباط صلاة المأموم بالإمام؛ فمِن الفقهاء من قال: إنَّه لا ارتباط بينهما. ومنهم من قال: إنَّها مرتبطةٌ بها. وفرَّع عليها، وأيُّ خللٍ حصل بصلاة الإمام يسري للمأموم. والقول الثالث: إنَّ صلاة المأموم مرتبطةٌ بصلاة الإمام، لكن إنَّما يسري النقص إلى صلاة المأموم مع عدم العذر منهما، أمَّا مع العذر فلا يسري هذا النقص.

وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه- هذه الأقوال الثلاثة، وقال عن القول الأخير: "هذا هو أوسط الأقوال"[12]. ومال إليه، ولعلَّ هذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

وتفريعًا على هذه المسألة أقول: إنَّ صاحب سلس البول، ومن كان حَدَثُهُ دائمًا: أنَّه معذورٌ في ذلك؛ وعليه فيَترجَّح القول الثاني، وهو القول بصحَّة إمامته مطلقًا، أي: سواءٌ بِمَنْ هو مثله أو كان سليمًا من هذا المرض.

أيها الإخوة المستمعون، هذا ما تيسر عرضه في هذه الحلقة، وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته

^1 "المغني" لابن قدامة: 3/ 17
^2 "المغني" لابن قدامة: 3/ 22
^3 رواه مسلم: 648.
^4 رواه البخاري: 694.
^5 رواه مسلم: 1707.
^6, ^7 "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 23/ 342.
^8 "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 23/ 343- 344.
^9 "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 23/ 352- 353.
^10 "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 23/ 353.
^11 "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 23/ 354.
^12 "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 23/ 371.
مواد ذات صلة