logo

(135) أحكام الإمامة- الأحق بالإمامة، إمامة الصبي، وإمامة المرأة للرجال

مشاهدة من الموقع

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد للَّه ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بعد أن تحدَّثنا في الحلقات السابقة عن أحكام صلاة الجماعة، ننتقل للحديث عن أحكام الإمامة.

الأحقُّ بالإمامة

ونبتدئ بمسألة الأحقِّ بالإمامة، وقد بيَّنها النبيُّ في قوله: يؤُمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأَعْلَمُهم بالسُّنة، فإن كانوا في السُّنة سواءً فأَقْدَمُهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأَقْدَمُهم سِنًّا، أو قال: سِلْمًا. ولا يَؤُمَنَّ الرجلُ الرجلَ في سُلطانه، ولا يقعد في بيته على تَكْرِمَتِه إلا بإذنه[1]، أخرجه الإمام مسلمٌ في "صحيحه".

والمُراد بالأقرأ لكتاب الله: قيل: هو الأجود قراءةً، وقيل: أكثرهم حفظًا للقرآن.

والصحيح أن المُراد به: أتقنهم وأحفظهم للقرآن، ولا يُشترَط أن يكون حسن الصوت، لكن الأَوْلى أن يجتمع فيه حُسن الأداء وجمال الصوت.

هل يُقدَّم الأقرأ على الأفقه؟

ولا خلاف بين العلماء في تقديم الأقرأ الفقيه على غيره. ولكن إذا اجتمع قارئٌ وفقيهٌ، فهل يُقدَّم الأقرأ على الأفقه أو يُقدَّم الأفقه على الأقرأ؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

  • فذهب الحنفية والحنابلة إلى تقديم الأقرأ على الأفقه.

واستدلوا بظاهر حديث أبي مسعودٍ السابق: يَؤُمٌّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة[2]، وبما جاء في "صحيح البخاري" عن ابن عُمر رضي الله عنهما قال: لما قَدِمَ المهاجرون الأوَّلون العُصْبَةَ -وهو موضعٌ بقباءَ- قبل مَقْدَمِ رسول الله كان يؤُمُّهم سالمٌ مولى أبي حذيفةَ، وكان أكثرهم قرآنًا[3]. وجاء في روايةٍ: وكان فيهم عُمر بن الخطاب[4]، وبما جاء في "صحيح مسلمٍ" عن أبي سعيدٍ أن النبي قال: إذا اجتمع ثلاثةٌ فليؤُمِّهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم[5].

  • وذهب المالكية والشافعية إلى تقديم الأفقه على الأقرأ إذا كان يقرأ ما يكفي في الصلاة؛ لأنه هو الأعلم بفقه صلاته؛ فيُؤَدِّيها على الوجه المشروع، بخلاف الأقرأ فإنه ربما لا يُؤدِّي الصلاة على الوجه المشروع، وربما نابه شيءٌ في صلاته فلا يدري ما يفعل، والأفقه يُدرِك هذا كله، وغاية ما فيه أنه أدنى جودةً في القراءة.

ولعلَّ هذا القول الأخير -وهو أن الأفقه مُقدَّمٌ على الأقرأ في الإمامة- هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

وأما قول النبي: يؤُمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأَعْلَمُهم بالسُّنة[6] فمحمولٌ على أن الأقرأ في عهد النبي والصحابة هو الأفقه، فكان الصحابة  أقرؤهم أفقههم؛ وذلك أنهم كانوا إذا قرؤوا القرآن تعلَّموا معه أحكامه، وكانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فتعلَّموا القرآن والعلم والعمل جميعًا.

قال ابن مسعودٍ : «كنا لا نُجاوز عشر آياتٍ حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها»، فيكون الحديث محمولًا على أنه إذا اجتمع قارئٌ فقيهٌ، وفقيهٌ أقل منه؛ فالأَوْلى الفقيه الأقرأ، ثم بعد ذلك يُقدَّم الأفقه؛ أي: إنه إذا اجتمع قارئان متساويان في القراءة لكن أحدهما أفقهُ من الآخر فإنه يُقدَّم الأفقه؛ لقول النبي : فإن كانوا في القراءة سواءً فأَعْلَمُهم بالسُّنة[7].

قال شيخ الإسلام ابن تيميةَ رحمه الله: "فإذا كان الرجلان من أهل الديانة، فأيهما كان أعلم بالكتاب والسُّنة وجب تقديمه على الآخر مُتعيِّنًا، فإذا كان أحدهما فاجرًا، مثل أن يكون معروفًا بالكذب والخيانة ونحو ذلك من أسباب الفسوق، والآخر مؤمنًا من أهل التقوى؛ فهذا الثاني أَوْلى بالإمامة إذا كان من أهلها، وإن كان الأول أقرأ وأعلم، فإن الصلاة خلف الفاسق مَنهيٌ عنها نهيَ تحريمٍ عند بعض العلماء، ونهيَ تنزيهٍ عند بعضهم"[8]. انتهى كلامه رحمه الله.

فإذا استَوَوْا في القراءة والفقه، فقد دَلَّ حديث أبي مسعودٍ أنه يُقدَّم بعد ذلك أقدمهم هجرةً؛ أي: من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فإن عُدم ذلك فيُقدَّم الأَسَنُّ؛ لقول النبي في حديث أبي مسعودٍ : فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سِنًّا[9]، ولقول النبي لمالك بن الحويرث : إذا حَضَرَتِ الصلاةُ فلْيُؤَذِّن أحدكما، وليُؤمَّكما أكبركما[10]، ولأن الأَسَنَّ أحقُّ بالتوقير والتقديم.

ولو قُدِّر أنهم تساوَوْا في جميع المراتب السابقة، وتشاحوا على الإمامة، فيُقرَع بينهم؛ لأن سعد بن أبي وقاصٍ أقرع بين الناس في الأذان في معركة القادسية، فالإمامة أَوْلى[11].

صاحب البيت أحقُّ بالإمامة من الضيف

وساكن البيت أحقُّ بالإمامة من الضيف أو الزائر؛ لقول النبي : ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في أهله ولا في سُلطانه، ولا يجلس على تَكْرِمَتِه في بيته إلا بإذنه[12]، أخرجه الإمام مسلمٌ بهذا اللفظ، وفي روايةٍ عند أبي داود: لا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في بيته[13]، وعن مالك بن الحويرث : أن النبي قال: من زار قومًا فلا يَؤُمَّهم، ولْيَؤُمَّهم رجلٌ منهم[14]، أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد، وقال المُوفَّق ابن قدامةَ رحمه الله: "لا نعلم في هذا خلافًا".

إذا اجتمع مالك البيت والمستأجر، فأيهما أولى بالإمامة؟

ولكن إذا اجتمع مالك البيت والمُستأجِر للبيت، فأيهما أولى بالإمامة؟

نقول: مُستأجِر البيت أولى بالإمامة من مالك البيت؛ لأن المُستأجِر مالكٌ للمنفعة وأحقُّ بانتفاعه في هذا البيت؛ ولهذا فهو مُقدَّمٌ في الإمامة على المالك.

إمام المسجد الراتب أحقُّ بالإمامة من غيره

وإمام المسجد الراتب أحقُّ بالإمامة من غيره، حتى وإن وُجِدَ مَن هو أقرأ وأفقه منه؛ لأنه في معنى صاحب البيت؛ ولقوله : ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه[15]، وإمام المسجد في مسجده سلطانٌ فيه؛ ولهذا لا تُقام الصلاة إلا بحضوره وإذنه.

وقد رُوِيَ أن ابن عُمر رضي الله عنهما أتى أرضًا له، وعندها مسجدٌ يُصلِّي فيه مَوْلًى -أي: إن الإمام مَوْلًى من مواليه- فصلَّى ابن عُمر رضي الله عنهما معهم، فسألوه أن يَؤُمَّهم فأبى، وقال: "صاحب المسجد أحقُّ"[16]، رواه البيهقي.

واستثنى الفقهاء من ذلك: الأمير وذا السلطان، فقالوا: هو أَوْلى بالإمامة من إمام المسجد الراتب، بل هو أولى بالإمامة من صاحب البيت. قال المُوفَّق بن قدامة رحمه الله: "فإن كان في البيت ذو سلطانٍ قُدِّم على صاحب البيت؛ لأن ولايته على البيت وصاحبه"[17].

إمامة الصبي

وهل تصح إمامة الصبي لغيره من البالغين؟

اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب بعض العلماء إلى أن إمامته لا تَصِحُّ؛ لما يُروى حديثًا:"لا تُقدِّموا سفهاءكم ولا صبيانكم في صلاتكم"[18].

ولأن صلاة الصبي نَفْلٌ وصلاة البالغ فَرْضٌ، والفرض أعلى رتبةً من النَّفْل. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو قول مالكٍ وأبي حنيفة.

والصحيح في هذه المسألة -والله تعالى أعلم-: هو صحة إمامة الصبيِّ غيرَه من البالغين، وهو قول الشافعيِّ، وروايةٌ عن الإمام أحمد.

ويدل على ذلك: ما جاء في "صحيح البخاري" عن عمرو بن سَلَمةَ : أنه أَمَّ قومَه وله ستُّ أو سبعُ سنينَ، وكان أكثرَهم قرآنًا، وقد أقرَّهم النبي على ذلك[19]، ولأن الصبي تَصِحُّ صلاتُه؛ فتَصِحُّ إمامتُه.

وأما ما يُروَى حديثًا: "لا تُقدِّموا سفهاءكم ولا صبيانكم في صلاتكم"؛ فلا أصل له، ولا يصح حديثًا عن النبي .

إمامة المرأة للرجال

ولا تَصِحُّ إمامة المرأة للرجال؛ لِما رَوَى ابن ماجه: أن النبي قال: لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا[20]، وهذا الحديث في سنده مقالٌ، ولكن يؤيِّده في الحُكم قول النبي : لن يُفلِح قومٌ وَلَّوْا أمرَهم امرأةً[21]، أخرجه البخاري في "صحيحه"، والجماعة قد وَلَّوْا أمرهم الإمام، فلا يَصِحُّ أن تكون المرأة إمامًا لهم، حتى ولو قُدِّر أن الرجل زوجها وهي أقرأ منه لكتاب الله، فلا يَصِحُّ أن تؤمَّه.

قال المُوفَّق ابن قدامة رحمه الله: "لا يَصِحُّ أن يَأتمَّ رجلٌ بامرأةٍ في فرضٍ ولا نافلةٍ في قول عامة الفقهاء"[22].

أيها الإخوة المستمعون، هذا ما تيسَّر عرضه في هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

^1 رواه مسلم: 673، وأبو داود 582، 583.
^2, ^6, ^7, ^9, ^15 سبق تخريجه.
^3 رواه البخاري: 692.
^4 رواه البخاري: 7175.
^5 رواه مسلم: 672.
^8 الفتاوى الكبرى، لابن تيمية: 2/ 306.
^10 رواه البخاري: 2848، ومسلم: 674 بنحوه.
^11 السياسة الشرعية، لابن تيمية: ص34.
^12 رواه مسلم: 673.
^13 رواه أبو داود: 852
^14 رواه أبو داود: 596، والترمذي: 356، والنسائي: 864، وأحمد: 20532.
^16 رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 5391، وعبدالرزاق في "المصنف": 3980، والبغوي في "شرح السنة": 837، بنحوه.
^17 المغني، لابن قدامة: 3/ 42.
^18 رواه البيهقي في "الخلافيات": 2622، وقال: محمد بن عبدالهادي في "تنقيح التحقيق": 2/ 469: "لا يَصِحُّ".
^19 رواه البخاري: 4302.
^20 رواه ابن ماجه: 1081، والبيهقي: 5197، والطبراني في المعجم الأوسط: 1261.
^21 رواه البخاري: 4425.
^22 المغني، لابن قدامة: 3/ 33.
مواد ذات صلة