بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا يزال الحديث موصولًا عن موقف المأموم مع الامام.
صلاة المنفرد خلف الصف
في هذه الحلقة عن صلاة المنفرد خلف الصف، وقد ورد في هذه المسألة حديثان عن النبي :
- الحديث الأول: حديث وابصة بن معبد أن النبي رأى رجلًا يُصلِّي خلف الصف وحده، فأمره أن يُعيد الصلاة. أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: "حديث حسن"، وله طرق وشواهد متعددة فالحديث صحيح بمجموعها[1].
- والحديث الثاني: حديث علي بن شيبان أن النبي قال: لا صلاة لمنفرد خلف الصف. أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان، ونقل الحافظ ابن حجر في "التلخيص" عن الأثرم عن الإمام أحمد أنه قال: "هو حديث حسن"، وقال البوصيري في "الزوائد": "إسناده صحيح"[2].
وهذان الحديثان يدلان على أن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح؛ إذ إن النبي أمر من رآه يُصلِّي خلف الصف وحده بالإعادة، فلولا أن صلاته باطلة ما أمره بالإعادة؛ إذ إن الإعادةَ إلزامٌ وتكليفٌ في أمرٍ قد فُعل وانتُهِيَ منه، فلولا أن الأمر الذي قد فُعل لولا أنه فاسد ما كُلِّف بإعادته؛ لأن هذا يستلزم أن توجب عليه العبادة مرتين.
والقول بعدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف: هو المذهب عند الحنابلة، وهو معدودٌ من المفردات.
وذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى صحتها، قالوا: لأنها صلاة مكتملة الأركان والشروط والواجبات.
ولعل الراجح في هذه المسألة -والله اعلم- هو القول الأول: وهو أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف؛ للأحاديث السابقة، وهي أحاديث ثابتة عن النبي وصريحة في عدم الصحة.
وأما ما علل به الجمهور من أنها صلاة مكتملة الأركان والشروط والواجبات، فلا يُسلَّم بأنها مكتملة الواجبات، فإن المصافَّة لمن يُصلِّي في جماعة واجبة، وقد دلَّت السنة على بطلان صلاة من أخَلَّ بهذا الواجب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الصحيح من قول العلماء أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف؛ لأن في ذلك حديثين عن النبي أنه أمر المصلي خلف الصف بالإعادة، وقال: لا صلاة لِفَذٍّ خلف الصف[3]، وقد صحح الحديثين غير واحد من أئمة الحديث، وأسانيدهما مما تقوم بهما الحجة؛ بل المخالفون لهما يعتمدون في كثير من المسائل على ما هو أضعف إسنادًا منهما، وليس فيهما ما يخالف الأصول، بل ما فيهما هو مقتضى النصوص المشهورة والأصول المقررة، فإن صلاة الجماعة سُمِّيت "جماعة" لاجتماع المصلين في الفعل مكانًا وزمانًا.
فإذا أخلوا بالاجتماع المكاني أو الزماني مثل أن يتقدموا أو بعضهم على الإمام، أو يتخلفوا عنه تخلُّفًا كثيرًا لغير عذر، كان ذلك منهيًّا عنه باتفاق الأئمة، وكذلك لو كانوا متفرقين غير منتظمين، مثل أن يكون هذا خلف هذا، وهذا خلف هذا؛ كان هذا من أعظم الأمور المنكرة، بل قد أُمروا بالاصطفاف، بل أمرهم النبي بتقويم الصفوف وتعديلها، وتراصِّ الصفوف، وسَدِّ الخلل؛ وسَدِّ الأول فالأول، كل ذلك مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه بحسب الإمكان، ولو لم يكن الاصطفاف واجبًا لجاز أن يقف واحد خلف واحد، وهلم جرًّا.
وهذا مما يَعلم كل أحد علمًا عامًّا أن هذه ليست صلاة المسلمين، ولو كان هذا مما يجوز لَفعله المسلمون ولو مرة؛ بل وكذلك إذا جعلوا الصف غير منتظم؛ مثل: أن يتقدم هذا على هذا، ويتأخر هذا عن هذا، لكان ذلك شيئًا قد عُلم نهي النبي عنه، والنهي يقتضي التحريم، بل إذا صلوا قدام الإمام كان أحسن من مثل هذا".
قال: "فإذا كان الجمهور لا يُصحِّحون الصلاة قدام الإمام؛ إما مطلقًا، وإما لغير عذر، فكيف تصح الصلاة بدون الاصطفاف؟!
فقياس الأصول يقتضي وجوب الاصطفاف، وإن صلاة المنفرد لا تصح، كما جاء به هذان الحديثان، ومَن خالف ذلك من العلماء فلا ريب أنه لم تبلغه هذه السنة من وجه من يثق به، بل قد يكون لم يسمعها، وقد يكون ظن أن الحديث ضعيف، كما ذكر ذلك بعضهم".
حكم المأموم إذا لم يجد مكانًا في الصف
ولكن إذا لم يجد مكانًا في الصف فما الحكم؟
أما على رأي الجمهور فإنه يُصلِّي خلف الصف وحده؛ لأنهم يُجيزون ذلك لغير عذر، فمع العذر من باب أولى.
ومن العلماء من منع ذلك، وقال: إنه في هذه الحال يقف عن يمين الإمام، فإن لم يُمكنه جذب أحد المصلين من الصف، وإلا فإنه يبقى، فإن جاء معه أحدٌ وإلا صلى وحده منفردًا.
وذهب بعض العلماء إلى أنه في هذه الحال يُصلِّي منفردًا، وصلاته صحيحة.
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولعله الأقرب في هذه المسألة؛ لأن أركان الصلاة وشروطها وواجباتها تسقط بالعجز عنها، والمصافَّة أكثر ما يمكن أن يقال عنها: إنها واجبة، فتسقط بالعجز عنها، وليست بأوجب من كثيرٍ من أركان الصلاة وشروطها التي تسقط بالعجز عنها، والقاعدة الشرعية: أنه لا واجب مع العجز؛ لقول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقول الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].
وأما القول بأنه يصفُّ عن يمين الإمام، فيترتب على ذلك عدة محاذير:
- منها تَخَطِّي الرقاب، فإذا قدَّرنا أن المسجد فيه عشرة صفوف مثلًا، فجاء الإنسان ولم يجد مكانًا، وقلنا: اذهبْ وصَلِّ عن يمين الإمام، فسوف يتخطى عشرة صفوف، بل لو لم يكن إلا صفٌّ واحدٌ فقد تخطى رقابهم.
- ثم إنه إذا وقف عن يمين الإمام فقد خالف السنة في انفراد الامام في مكانه؛ لأن الإمام موضعه التقدم على المأموم، فإذا شاركه أحدٌ في هذا الموضع زالت الخصوصية.
- ثم إننا إذا قلنا: تقدَّمْ وصَلِّ عن يمين الإمام، ثم جاء آخر فقلنا: تقدَّمْ وصَلِّ عن يمين الإمام، ثم جاء ثالثٌ ورابعٌ وهكذا، فإنه يكون عن يمين الإمام صفٌّ كاملٌ، لكن لو وقف هذا خلف الصف لكان الداخل الثاني يُصلِّي إلى جنبه، فيكوِّنان صفًّا بلا محظور.
وأما القول بأنه يجذب أحد المصلين ليَصُفَّ معه، فهذا قد قال به بعض فقهاء الحنابلة، كما ذكر ذلك ابن الحنبلي، ولكن يترتب عليه كذلك عدة محاذير:
- منها التشويش على الرجل المجذوب.
- ثم إن فيه جناية عليه بنقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول.
- ثم إنه يتسبب في فتح فُرجة في الصف، وهذا قطعٌ للصف.
- بل إن فيه جناية على كل الصف؛ لأن جميع الصف سوف يتحرك من أجل سَدِّ هذه الفُرجة.
ولهذا فقد استقبح هذا القول الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، كما نقل ذلك الموفق بن قدامة في "المغني"، رحمة الله تعالى على الجميع.
وأما القول بأنه إذا لم يجد فُرجة في الصف يبقى وحده، فإن جاء معه أحدٌ وإلا صلى وحده منفردًا، فإنه يترتب على ذلك أيضًا عدة محاذير:
- منها: أنه ربما ينتظر فتفوته الركعة.
- وربما تكون هذه الركعة هي الركعة الأخيرة فتفوته الجماعة.
ثم انه إذا بقي وفاتته الجماعة فقد حُرم الجماعة في المكان وفي العمل، وإذا دخل مع الإمام وصلى وحده منفردًا فإننا نقول على أقل تقدير: إنه قد حُرم المكان فقط، وأما العمل فقد أدرك الجماعة.
هذا لو قلنا: إنه في هذه الحال يكون مرتكبًا لمحظورٍ، مع أن الراجح أنه إذا تعذر الوقوف في الصف فإنه إذا صَفَّ وحده لم يرتكب محظورًا.
أيها الإخوة المستمعون، ومع قولنا بصحة صلاة المنفرد خلف الصف إذا لم يجد فُرجة في الصف، إلا أنه ينبغي عدم التساهل في البحث عن فُرجة في الصف.
يُلاحظ أن بعض الناس -هداهم الله- يُصلِّي خلف الصف منفردًا، مع أنه يوجد في الصف الذي أمامه فُرجة، ويفعل هذا إما جهلًا أو تساهلًا، وهذا لا تصح صلاته؛ لأن النبي أمر من رآه يُصلِّي خلف الصف وحدَه أن يُعيد الصلاة.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في دينه، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى من القول والعمل.
وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


