عناصر المادة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).
(مجالس الفقه) برنامجٌ يُذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، بالتعاون مع “الجمعية الفقهية السعودية”، جمعيةٌ متخصصةٌ في خدمة الفقه والفقهاء، يصدر عن هذه الجمعية سلسلةٌ من الأبحاث العلمية المُحَكَّمة في مجال الفقه وأصوله، وصدر عنها كذلك سلسلةٌ من اللقاءات والندوات، كل ذلك يمكن الاطلاع عليه عبر موقع الجمعية في الشبكة العنكبوتية.
في مستهل هذه الحلقة أرحب بضيفنا، فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بقسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس الجمعية الفقهية السعودية، فمرحبًا بكم يا شيخنا.
الشيخ: أهلًا، حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.
حكم صرف الزكاة لبناء أو شراء بيتٍ للفقير أو المسكين
المقدم: أحسن الله إليكم.
شيخنا، في الحلقات الماضية تحدثنا عن جملةٍ من النوازل المعاصرة، وشَرَعنا في الحديث عن جملةٍ من المسائل المتعلقة بالزكاة، والحقيقة أن هذا الباب لا يزال فيه جملةٌ من المسائل والنوازل التي استجدَّت، ومن هذه النوازل: ما يتعلق بحكم صرف الزكاة لبناء أو شراء بيتٍ للفقير أو المسكين، بدلًا من الاستئجار له، فما حكم صرف الزكاة في مثل هذه المشاريع؟
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه أصبحت نازلةً، ولم تكن مشتهرةً فيما سبق، أن الفقير يُعطى ما يشتري به بيتًا، أو يُبنى له من الزكاة بيتٌ، لم تكن هذه المسألة مشتهرةً في القرون الماضية، وأيضًا فيما سبق لم تكن هناك مشكلةٌ في السكن والمباني والأراضي، فكانت الأراضي سعرها زهيدٌ فيما سبق، بل ربما كثيرٌ منها كانت تُبذل مجانًا، خلاف الأراضي في وقتنا الحاضر، فقد ارتفعت أقيامها ارتفاعًا كبيرًا، ومن هنا تُعتبر هذه المسألة من النوازل، فهل يجوز أن يُعطى الفقير أو المسكين من الزكاة ما يشتري به بيتًا ويتملَّك به هذا البيت، أو ما يبني به بيتًا؟
هذه النازلة يمكن تخريجها على مسألةٍ ذكرها الفقهاء السابقون: وهي مقدار ما يُعطى الفقير أو المسكين، كم مقدار ما يُعطى الفقير أو المسكين؟
للفقهاء في ذلك ثلاثة آراءٍ:
- الرأي الأول: أنه يُعطى ما دون النصاب، وهذا هو مذهب الحنفية؛ قالوا: لأنه إذا بلغ نصابًا؛ فقد أصبح غنيًّا، وغنى كل شيءٍ بحسَبه، ولكن هذا القول قولٌ ضعيفٌ.
- والقول الثاني: أنه يُعطى ما يكفيه لسنةٍ كاملةٍ، وهذا هو قول الجمهور من المالكية والحنابلة، وقولٌ عند الشافعية.
- والقول الثالث: أنه يُعطى ما يكفيه على الدوام طوال عمره، وهذا هو المذهب عند الشافعية.
كما ذكرنا القول الأول ضعيفٌ، يبقى النظر والموازنة بين القول الثاني والثالث: هل يُعطى ما يكفيه مدة سنةٍ، كما هو قول الجمهور، أم يُعطى ما يكفيه على الدوام طوال عمره؟
الأقرب -والله أعلم- هو قول الجمهور: وهو أنه يُعطى ما يكفيه لمدة سنةٍ فقط؛ وذلك لأن الزكاة تتكرر في كل سنةٍ، ففي كل سنةٍ تأتي زكاةٌ جديدةٌ، فيأخذ منها الفقير أو المسكين ما يكفيه إلى مثلها، وقد جاء في “صحيح البخاري” أن أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ، فكانت لرسول الله خاصةً، يُنفق على أهله منها نفقة سنته [1]، فالنبي كان يُبقي لأهله في النفقة الواجبة ما يكفيهم لمدة سنةٍ.
أما القائلون بأنه يُعطى ما يكفيه طوال عمره، فقالوا: إن المقصود هو إغناء الفقير، فيُعطى ما يكفيه طوال عمره؛ لأننا إذا لم نُعْطِه؛ فستتجدد حاجته، فكوننا نُغْنِيه ونُعطيه ما يكفيه طوال عمره؛ يجعله غنيًّا ويرتفع عنه وصفُ الفقر، ولكن هذا القول محل نظرٍ، وهو أيضًا غير منضبطٍ، فلو قلنا في الوقت الحاضر: كم يُعطى الفقير أو المسكين حتى يكفيه طوال عمره؟ كم يُعطى؟ كم مثلًا؟ ألفًا، ألفين، مئة ألفٍ مليونًا، يصعب تقديره، ثم أيضًا لو أُعطي هذا الفقير ما يكفيه طوال عمره مثلًا؛ فربما يغتني، كم من فقيرٍ اغتنى الآن وأصبح غنيًّا؛ فلذلك الأقرب -والله أعلم- هو قول الجمهور: وهو أن الفقير أو المسكين يُعطى ما يكفيه لمدة سنةٍ فقط؛ وعلى ذلك: يكون حكم هذه النازلة.
فمن قال من الفقهاء: إنه يعطى ما يكفيه على الدوام طوال عمره، أجاز أن يُشترى..، أو مقتضى قوله: أنه يجوز أن يُشترى للفقير أو المسكين بيتٌ من الزكاة، أو يُبنى له بيتٌ من أموال الزكاة.
أما من قال بأنه لا يعطى إلا ما يكفيه مدة سنةٍ، أو حتى قول الحنفية: إنه لا يعطى إلا ما دون النصاب، فهؤلاء يقولون: إنه لا يجوز أن يُعطى الفقير أو المسكين ما يشتري أو يبني به بيتًا من أموال الزكاة.
وبناءً على القول الذي رجحناه: وهو أن الفقير أو المسكين يُعطى ما يكفيه لمدة سنةٍ؛ على ذلك نقول: إنه لا يجوز أن تُصرف الزكاة لشراء أو بناء بيتٍ للفقير أو المسكين، وإنما يُستأجر له.
فإن قال قائلٌ: إن السكنى ضروريةٌ في الوقت الحاضر؟
فالجواب: نعم، السكنى ضروريةٌ وليس التملُّك، ففرقٌ بين السكنى وبين التملُّك، حاجة السكنى تُسَدُّ بالاستئجار، فنقول: يُستأجر لهذا الفقير أو المسكين بيتٌ مناسبٌ لمثله، لو كانت عائلته كبيرةً يُستأجر البيت المناسب، فيُستأجر له من أموال الزكاة ما يسكن فيه، يُستأجر له البيت الملائم له، الذي يسكن فيه هو وعائلته، لكن التملك كمالٌ، وليس حاجةً ملحِّةً، وإنما هو كمالٌ، وكم من إنسانٍ عاش كريمًا عزيزًا وهو طوال عمره مستأجرٌ ولم يتملَّك؟! فالتملُّك إذنْ قدْرٌ زائدٌ على السكنى، وبعض الناس يخلط بين حاجة السكنى وبين التملك؛ ولذلك يقول: لماذا لا يجوز شراء ببيتٍ للفقير أو المسكين؟ أو بناء بيتٍ للفقير أو المسكين من أموال الزكاة وحاجة السكنى ضروريةٌ؟ نقول: هناك فرقٌ بين حاجة السكنى وبين التملُّك؛ فحاجة السكنى تندفع بأن يُستأجر للفقير أو المسكين بيتٌ مناسبٌ لمثله، بينما التملك هو أمرٌ كماليٌّ، قدْرٌ زائدٌ على حاجة السكنى.
وعلى ذلك نقول: إن الأقرب والله أعلم: أن الفقير أو المسكين يُستأجر له بيتٌ مناسبٌ لمثله، لكن لا يُشترى له من أموال الزكاة، أو يُبنى له من أموال الزكاة بيتٌ، ثم أيضًا إن البناء أو الشراء في الوقت الحاضر يستهلك أموالًا كثيرةً، ربما يأخذ مليون ريالٍ أو أكثر، وهذه المبالغ لو وُزِّعت على الفقراء؛ لسَدَّت حاجاتٍ كثيرةً للفقراء والمساكين؛ وعلى ذلك فنقول: يُستأجر لهذا الفقير، وإذا تجدَّدت حاجته؛ يُستأجر له من زكاة العام الذي بعده، ثم زكاة العام الذي بعده، وهكذا، وربما يُغنيه الله فلا يحتاج للأخذ من الزكاة، لكن أن يؤخذ من أموال الزكاة ويُبنى أو يُشترى له بيتٌ، فبناءً على هذا التقعيد الذي ذكرتُ؛ هذا لا يجوز.
حكم صرف الزكاة إلى مراكز الدعوة إلى الله
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم هذا البيان.
لعلي أنتقل أيضًا إلى نازلةٍ أخرى من النوازل المتعلِّقة بمصارف الزكاة أيضًا: وهي حكم صرف الزكاة إلى مراكز الدعوة إلى الله ، وكذلك حكم صرف الزكاة إلى حلقات تحفيظ القرآن الكريم؟
الشيخ: هذه المسألة يمكن تخريجها على كلام أهل العلم في المراد بمَصْرِف “في سبيل الله”، فمَصْرِف “في سبيل الله” أحد المصارف الثمانية التي ذكرها الله في قوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ -يعني: الزكوات- لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60]، فالمَصْرِف السابع، الذي هو “في سبيل الله”، ما المراد به؟
فالجمهور على أن المراد به: الجهاد في سبيل الله، هناك قولٌ آخر بأن المراد به: جميع وجوه البِرِّ، ولكن هذا القول قولٌ ضعيفٌ؛ لأنه لو كان المراد بمَصْرِف “في سبيل الله” جميع وجوه البِرِّ؛ لقال الله : “إنما الصدقات في سبيل الله”، وشمل ذلك الفقراء والمساكين والغارمين وبقية أصناف الزكاة، ثم أيضًا لو قيل: في جميع وجوه البِرِّ وقُرَب الطاعات؛ فما ضابطها؟ لو أحسن إنسانٌ إلى حيوانٍ، هذا من وجوه البِرِّ، هل يُؤخذ من أموال الزكاة؟! لا تنضبط؛ ولذلك فالأقرب -والله أعلم- هو قول الجمهور: وهو أن مَصْرِف “في سبيل الله”: هو الجهاد في سبيل الله، لكن يأتي النظر بعد ذلك: هل ينحصر مفهوم الجهاد في سبيل الله في جهاد السلاح، أو يشمل جهاد الدعوة إلى الله ؟
قولان لأهل العلم، والأقرب -والله أعلم- أنه يشمل جهاد الدعوة؛ لأن الدعوة إلى الله هي الأصل في الجهاد؛ ولذلك ما شُرع جهاد السلاح إلا لأجل نشر الدعوة إلى الله ، ولأن الله قال في سورة الفرقان، وهي سورةٌ مكيةٌ: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ -يعني: بالقرآن- جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، فسمى الله جهاد الدعوة: جِهَادًا كَبِيرًا؛ وهذا يدل على أنه هو الأصل.
وعلى ذلك: فالذي يظهر والله أعلم، وهذا هو الذي أقره “المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي”: أن مراكز الدعوة إلى الله تدخل في مَصْرِف “في سبيل الله”؛ باعتبار أن الدعوة إلى الله تعالى تدخل في سبيل الله، وأن الجهاد المقصود به: الجهاد بمعناه الواسع؛ جهاد السلاح، وجهاد الدعوة إلى الله تعالى، لكن ينبغي أن نُقيِّد ذلك بما تمحَّض في الدعوة إلى الله ؛ كرواتب الدعاة إلى الله مثلًا، أو استئجار المقر، ونحو ذلك، لكن لا يُصرَف في الأشياء غير المتمحِّضة؛ مثل المنشورات، مثل الرحلات، مثل المسابقات، مثل الجوائز، هذه لا يُصرَف من أموال الزكاة فيها، لكن ما تمحَّض في الدعوة، فعلى القول الراجح، وهو الذي عليه قرار “المجمع الفقهي”: أنه لا بأس بذلك إن شاء الله.
ويَتفرع عن ذلك أيضًا: حلقات تحفيظ القرآن الكريم، فإن الله تعالى يقول في الآية السابقة: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ يعني: بالقرآن جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، فسماه الله تعالى جِهَادًا، وأيضًا كَبِيرًا، وصفه بالجهاد الكبير؛ وعلى ذلك: فتعلُّم القرآن الكريم يدخل أيضًا في هذا؛ لهذه الآية، لكن أيضًا نُقيِّد ذلك بما تمحَّض؛ كرواتب معلمي تحفيظ القرآن الكريم ونحو ذلك، ولا يكون في الأشياء غير المتمحِّضة؛ مثل الجوائز والمسابقات ونحو ذلك.
زكاة الأراضي
المقدم: أحسن الله إليكم وشكر الله لكم هذا البيان.
أيضًا شيخنا لا يزال الحديث الحقيقةَ في بعض المسائل المتعلقة بالزكاة، وهي مسألةٌ متفرعةٌ، ويكثر السؤال عنها، ولها صورٌ متعددة: وهي ما يتعلق بزكاة الأراضي، إذا تملَّك الإنسان أرضًا، أو كانت عنده أرضٌ هل فيها الزكاة؟
الشيخ: زكاة الأراضي مرتبطةٌ بِنِيَّة المالك، وينبغي هنا أن نستحضر: أن الأراضي في الوقت الحاضر غير الأراضي قديمًا؛ فالأراضي قديمًا كانت أسعارها زهيدةً، بل ربما بعضها تُبذَل بالمجان، والنبي يقول: من أحيا أرضًا ميتةً؛ فهي له [2]، لكن الأراضي في الوقت الحاضر أصبح لها أقيامٌ كبيرةٌ، بل أصبحت مستودعًا للثروة، وأصبح بعض الناس يُفضِّل أن يجعل أمواله في أراضٍ بدلًا من أن تبقى رصيدًا لهم؛ خشية التضخم ونحو ذلك؛ فعلى ذلك: الأراضي -باعتبارها الآن مستودعًا للثروة- لا بد أن يُنظَر لها بهذه النظرة عند الحديث عن زكاتها، وهي متأثِّرةٌ بِنِيَّة المالك.
المقدم: وهل يمكن حصر هذه النوايا التي تَرِد على من تملَّك هذه الأرض؟
الشيخ: نعم، يمكن حصرها في الحالات الآتية:
أولًا: إذا نوى مالك الأرض أن يبني عليها بناءً، سواءٌ أراد أن يبني مسكنًا أو استراحةً أو عقارًا لتأجيره؛ فهذه لا زكاة فيها.
ثانيًا: إذا كان مترددًا في النية؛ تارةً يقول: أريد أن أبني عليها، وتارةً يقول: أريد أن أبيعها، فلم تتمحَّض نية البيع؛ فهذه أيضًا لا زكاة فيها.
ثالثًا: إذا أراد بهذه الأرض حفظ ماله؛ لكونه مثلًا سيء التدبير، يعرف من نفسه أن أمواله تذهب بسرعةٍ، يريد أن يضعها في أرضٍ؛ كي تُمسك أو تحفظ أمواله، ولا يريد بذلك التربُّح لكن مجرد حفظ ماله؛ فلا زكاة فيها، لكن لو أراد بنية الحفظ التربُّح في أسعارها مستقبلًا؛ فهذه فيها الزكاة.
المقدم: أحسن الله إليك، ما معنى: حفظ المال، يعني: ما المقصود به؟
الشيخ: إذا قيل: من اشترى هذه الأرض أراد بها حفظ ماله، هنا لا بد أن نتحقق من النِّية المقارِنة لنِيَّة حفظ المال؛ لأنه يكون معها نيةٌ مُبطَّنةٌ، فإذا كان يريد بحفظ المال أن يحفظ ماله، وأن يتربَّص بها ارتفاع الأسعار؛ كي يتربح بها مستقبلًا؛ فهذه فيها الزكاة.
أما إذا كان لا يريد ذلك، وإنما يريد مجرد أن يحفظ ماله فقط؛ لأنه يعرف أن المال إذا كان في رصيده؛ أنه يذهب ويُنفقه بسرعةٍ، فيُريد أن يحفظ ماله ولا يريد بذلك التربُّح، وهذا ذكره لي بعض المستفتين، قال: أنا أريد حفظ مالي، قلت: هل تريد التربُّح؟ قال: لا، أبدًا، ما أريد التربُّح، إنما أريد فقط بدل أن يبقى هذا المال عندي في رصيدي، وربما أستخدمه وأُنفقه بسرعةٍ؛ أجعله في أرضٍ؛ لكي أُعين نفسي على حفظ مالي، فهذا لا زكاة فيه، وإنما قلت: لا زكاة فيه؛ انطلاقًا من الأصل، والأصل في الأراضي: أنه لا زكاة فيها، هذا هو الأصل؛ ولذلك قلنا: إذا تردَّد؛ لا زكاة في الأرض.
تبقى الحالة الأخيرة: وهي الحالة الوحيدة التي يجب فيها زكاة الأراضي، وهي ما إذا جزم بنية البيع بقصد التربح، لاحظ، بهذا الضابط وبهذين القيدين: القيد الأول: أن يجزم بنية البيع، القيد الثاني: بقصد التربح، فإن لم يجزم بنية البيع؛ فلا زكاة عليه، إن كان مترددًا؛ لا زكاة عليه، إن جزم بنية البيع لكن ليس بقصد التربح، وإنما رغبةً عنها؛ فلا زكاة عليه، أو عرضَها للبيع يريد سيولةً نقديةً لا يريد التربح، ومضى على هذا العقد سنةٌ أو سنتان أو أكثر؛ فأيضًا لا زكاة فيها، أو أراد أن يبيعها لكي يبني مسكنًا؛ فلا زكاة فيها، إنما تجب الزكاة فيها إذا جزم بنية البيع بقصد التربح، والله تعالى فرَّق بين نية التجارة ونية البيع، قال: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37]، فذكر الله تعالى التجارة وذكر البيع، فليس كل من أراد البيع يكون أراد التجارة، لكن كل من أراد التجارة أراد البيع؛ فبينهما عمومٌ وخصوصٌ؛ ولهذا ربما بعض الناس يعرض بيته للبيع، يكون هذا سنةً أو سنتين، هل نقول: فيه زكاةٌ؟ ليس فيه زكاةٌ.
المقدم: استغناءً.
الشيخ: استغناءً مثلًا، أو يريد الحصول على السيولة، أو يريد الانتقال لحيٍّ آخر، المهم أنه لا يقصد التربُّح، هذا العقار لا زكاة فيه.
فإذنْ الزكاة في العقار، والزكاة في الأرض، إنما تكون في حالةٍ واحدةٍ: وهي ما إذا جزم بنية البيع بقصد التربح، وما عدا ذلك فلا زكاة في هذه الأرض.
المقدم: أحسن الله إليكم، إذا كانت نية البيع مستقبليةً؛ يعني يريد البيع لكن يقول: أريد أن أبيعها بعد خمس سنواتٍ أو ست سنواتٍ؟
الشيخ: هذه تجب فيها الزكاة عند الجمهور، خلافًا للمالكية الذين يُفرِّقون بين محتكرٍ ومديرٍ، والقول الراجح الذي يُفتي به مشايخنا: هو قول الجمهور؛ الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو أن هذه الأرض تجب فيها الزكاة، مادام أنه جزم بنية البيع ولو مستقبلًا؛ ففيها الزكاة، لكن إذا جزم بنية البيع بقصد التربح في الحال أو في المستقبل؛ ففيها الزكاة عن كل سنةٍ.
هل يُؤثِّر تقلُّب النية في أثناء الحول في حكم الزكاة؟
المقدم: أحسن الله إليكم.
أيضًا -ولعلي أختم بهذه المسألة- فيما يتعلق بهذه النازلة: تقلُّب النية في أثناء الحول هل يُؤثِّر في حكم الزكاة؟ لو افترضنا أنه كان ينوي الاستثمار أو التربح في هذه الأرض، ثم إنه في نصف الحول عَدَل عن هذه النية إلى نية أن يبني عليها مسكنًا أو استراحةً؟
الشيخ: نعم، هذا مؤثرٌ؛ ولذلك ذكرت في بداية عرض هذه المسألة: أن زكاة الأراضي متأثرةٌ بنية المالك؛ لذلك لا بد أن يُحدِّد المالك نيته، وأيضًا المفتي يَسأل المستفتي عن نيته، فلو أنه مثلًا جزم بنية البيع بقصد التربح، ومضى على ذلك ثمانية أشهرٍ، ثم عدل عن ذلك ونوى أن يبني عليها مسكنًا؛ فلا زكاة فيها.
استخدام المراصد الفلكية، أو إعمال الحساب في إثبات الأهِلَّة
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم.
لعلي أنتقل إلى نازلةٍ أخرى متعلقةٍ بالصيام، وهي ما يتعلق -أحسن الله إليكم- بحكم استخدام المراصد الفلكية أو إعمال الحساب في إثبات الأهِلَّة دخولًا وخروجًا؟
الشيخ: أما بالنسبة للمراصد، وكذلك أيضًا المناظير وما يسمى بــ: (الدَّرَابِيل) أو (التلسكوبات)، ونحو ذلك مما يُكبِّر الرؤية؛ فهذه لا بأس بها، وصدر فيها قرار من “هيئة العلماء” قديمًا بأن الرؤية التي تكون عن طريقها تُعتَمد شرعًا، ولا إشكال في ذلك؛ لأنه مجرد تكبيرٍ للرؤية.
وأما بالنسبة للاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات الأهِلَّة: فإذا كان ذلك في الإثبات؛ فإنه لا يُعتمد عليها، وإنما يُعتمد على الرؤية؛ لأن هذا هو الذي وردت به السنة؛ كما في قول النبي : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين [3]، فالعبرة بالرؤية وليست العبرة بالحساب، لكن في مجال النفي إذا دلَّت الحسابات الفلكية القطعية مثلًا بأن غروب القمر قبل الشمس، أو لم يُولد الهلال إلا بعد غروب الشمس؛ فذهب بعض العلماء إلى عدم اعتبار الشهادة إذا خالفت المقطوع به من علم الفلك، ومن أوائل من ذهب إلى هذا: السبكي رحمه الله، وقرر ذلك، وأيضًا بعض العلماء المعاصرين؛ كالشيخ محمد بن العثيمين رحمه الله، وذلك في الأشياء المقطوع بها فقط، وليس في الأشياء الظنية، إنما المقطوع بها، كما لو غرب القمر قبل الشمس مثلًا؛ لأن هذا أمرٌ مقطوعٌ به، وشهادة الشاهد ظنيةٌ، والمقطوع به مقدمٌ على الظني؛ ولأن الشهادة يُشترط لها أن تنفك عما يُكذِّبها.
وبكل حالٍ: فمِثل هذه المسائل المرجع فيها للقضاة، فهم الذين يُمحِّصون شهادات الشهود، وما يُعلنه ولي الأمر يجب اتباعه؛ لقول النبي : الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس [4].
المقدم: أحسن الله إليكم.
فيما يتعلَّق بالعمل بالحساب، إذا كان على سبيل الظن؛ كما لو غرب القمر بعد الشمس بوقتٍ يسيرٍ جدًّا؟
الشيخ: إذا كان على سبيل الظن، وليس على سبيل القطع؛ فلا يُلتفت إليه، وإنما العبرة بالرؤية، لكن ما كان مقطوعًا به من علم الفلك، هذا الذي يكون مؤثِّرًا في قبول الشهادة.
أثر استخدام بخاخ الربو أو الأكسجين على الصيام
المقدم: أحسن الله إليكم.
لعلي أختم بنازلةٍ أيضًا متعلقةٍ بالصيام، وهي: أثر استخدام بخاخ الربو أو الأكسجين على صوم الصائم؟
الشيخ: أولًا استخدام بخاخ الربو: بخاخ الربو -وليس علاج الربو، إنما مجرد البخاخ- محل خلافٍ بين العلماء المعاصرين، ولكن الذي عليه أكثر العلماء المعاصرين، والذي يُفتي به عامة مشايخنا: هو أن هذا البخاخ لا يُفسد الصوم؛ وذلك لأنه إنما يذهب لمجاري النفس، ولا يذهب للمعدة إلا شيءٌ يسيرٌ جدًّا يُعفى عنه؛ لأنه أقل من أثر ملوحة الماء التي تختلط بالريق ويبتلعها الصائم عند المضمضة في الوضوء لصلاة الظهر والعصر؛ فإن ملوحة الماء تختلط بالريق وهي معفوٌّ عنها بالإجماع، مع أنها أكثر مما قد يذهب من بخاخ الربو إلى المعدة، فهذا القدر اليسير جدًّا معفوٌّ عنه، وأكثر بخاخ الربو إنما يكون في مجاري النفس؛ ولذلك بخاخ الربو لا يُفسد الصيام.
ومثل ذلك أيضًا: الأكسجين، الأكسجين كذلك إنما يذهب لمجاري النَّفَس؛ ولذلك فالأكسجين أيضًا لا يُفسد الصيام، لكن هناك علاج الربو الذي يكون على شكل (بودرة)، ويُوضع في الفم ويختلط بالريق ثم يبتلعه الصائم، هذا يُفسد الصيام؛ لذلك نقول: بخاخ الربو، وليس علاج الربو، فعلاج الربو إذا كان عن طريق هذه الـ(بودرة) التي تختلط بالريق ويبتلعها الصائم؛ هذا يفسد الصيام، أما مجرد بخاخ الربو فهذا لا يُفسد الصيام، ومثله أيضًا الأكسجين.
المقدم: أحسن الله إليكم، والمَنزِع الفقهي في هذا أن يقال مثلما تفضلتم: إن القدر الذي يوجد فيها من الماء هو في الحقيقة أقل بكثيرٍ من القدر المعفو عنه شرعًا؟
الشيخ: المنزع الفقهي: أنها تذهب لمجاري النَّفَس، ولا تذهب للمعدة، وما قد يقال من ذهابٍ للمعدة، هو قدْرٌ يسيرٌ جدًّا معفوٌّ عنه؛ بدليل: أن أثر ملوحة الماء التي تختلط بالريق معفوٌّ عنها بالإجماع، وهي أكثر مما قد يذهب من بخاخ الربو أو من الأكسجين إلى المعدة.
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم هذا البيان.
وبهذا نكون قد وصلنا إلى ختام حلقتنا هذا اليوم، أسأل الله جل وعلا أن يجزي شيخنا خير الجزاء على ما قدم.
والشكر لكم أنتم -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- على إنصاتكم واستماعكم، كما أشكر من قام بتسجيل هذه الحلقة.
إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله ، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.