عناصر المادة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
حياكم الله -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- في برنامجكم: (مجالس الفقه).
(مجالس الفقه) برنامجٌ يُذاع عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم”، بالتعاون مع “الجمعية الفقهية السعودية”، جمعيةٌ متخصصةٌ في خدمة الفقه والفقهاء، يصدر عن هذه الجمعية سلسلةٌ من الأبحاث العلمية المُحَكَّمة في مجال الفقه وأصوله، وصدر عنها كذلك سلسلةٌ من اللقاءات والندوات، كل ذلك يمكن الاطلاع عليه عبر موقع الجمعية في الشبكة العنكبوتية.
في مستهل هذه الحلقة أرحب بضيفنا، فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بقسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، ورئيس الجمعية الفقهية السعودية، فمرحبًا بكم يا شيخنا.
الشيخ: أهلًا، حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المستمعين.
زكاة الأسهم
المقدم: أحسن الله إليكم، شيخنا كنا قد استعرضنا في حلقاتٍ ماضيةٍ سلسلةً أو جملةً من النوازل، ولعلي أعرض جملةً أخرى في هذه الحلقة بإذن الله عز وجل، وكلها تتعلق بمسائل مرتبطةٍ بالزكاة، من ذلك -أحسن الله إليكم- ما يتعلق بزكاة الأسهم التي يتملكها الإنسان، وقد ذاعت وانتشرت هذه الأسهم في زماننا، وأصبح كثيرٌ من الناس يتعامل بها، فكيف يمكن أن يُزكَّى هذا السهم، والطريقة الشرعية في تبرئة الذمة في زكاته؟
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فالأسهم: جمع سهمٍ، والسهم معناه: حصةٌ برأس مال شركةٍ، هذه الشركة المساهِمة نسميها مثلًا: شركة (أ)، تتكون مثلًا من عشرة ملايين سهمٍ، فهذا زيدٌ من الناس يملك فيها مثلًا عشرين سهمًا، ومحمدٌ يملك فيها مئة سهمٍ، وعليٌّ يملك فيها ألف سهمٍ، وفلانٌ يملك عشرة آلاف سهمٍ، وهكذا، فمجموع هذه الأسهم يكون رأس مال هذه الشركة.
فإذنْ مُلَّاك هذه الشركة هم هؤلاء المساهمون، وهذه الشركات المساهمة أصبحت تقوم بدورٍ كبيرٍ في المجتمعات عمومًا، بل إنها أصبحت هي عصب الاقتصاد في الحقيقة، فهي التي تعتمد عليها الصناعة والتجارة وما يَحتاج إليه المجتمع، وأصبحت أيضًا تجارةً رائجةً؛ ولذلك يبرز الحديث عن زكاتها، كيف تكون زكاة هذه الأسهم، ومن يملك أسهمًا كيف يُزكيها؟
والجواب عن ذلك: نقول: إن صاحب الأسهم لا يخلو من حالين:
- إما أن يكون مضاربًا ومتاجرًا في هذه الأسهم.
- وإما أن يكون مستثمرًا لا يُضارب فيها، وإنما تملَّك هذه الأسهم؛ إما اكتُتب فيها مثلًا، أو اشتراها وتملكها وبقيت عنده لأجل أن يُفيد من رَيعها وربحها.
أما الحال الأولى: وهي الحال التي يكون فيها المساهم مضاربًا، ولست أعني بقولي: مضاربًا، المضاربة المعروفة عند الفقهاء، التي هي إحدى الشركات؛ شركات المضاربة، وشركات العنان، ليس هذا المقصود، إنما المقصود بالمُضارب: المُتاجر، لكن هذا المصطلح أصبح مصطلحًا مشتهِرًا عند الناس وعند العامة، فيقولون: فلانٌ يضارب في الأسهم، يقصدون أنه يتاجر فيها، أي: يبيع ويشتري في هذه الأسهم.
المقدم: أن يتربَّح بفروقات الأسعار.
الشيخ: نعم، يبيع ويشتري، ويستفيد من فروقات الأسعار، فهذا يُسمى مضاربًا، ويسمى متاجرًا، فهو قَصَد بتملك الأسهم المتاجَرة بها والبيع والشراء، فهذه الأسهم عنده بهذه الطريقة تُعتبر عروض تجارةٍ؛ لأنه يُقلِّبها ويبيع ويشتري فيها، وهو في الحقيقة يملك حصةً من هذه الشركة، قد تكون حصةً يسيرةً، ربما تكون الشركة فيها مثلًا عشرة ملايين سهمٍ، أو أكثر أو أقل، فهو يملك عددًا من هذه الأسهم، فهو يملك جزءًا من هذه الشركة ويُتاجر فيها، يبيع ويشتري فيها، فهذه توصيفها الفقهي: أنها عروض تجارةٍ؛ وعلى ذلك: فيجب عليه أن يزكيها كزكاة عروض التجارة، فيزكي رأس مال السهم مع أرباحه؛ وذلك بأن ينظر عند تمام الحول للقيمة السوقية للمحفظة، ويُخرج ربع العشر (2.5%).
مثال ذلك: رجلٌ دخل في المضاربة والمتاجرة في الأسهم، وفتح محفظةً له في (1 شعبان)، ثم أصبح يبيع ويشتري ويُضارب في هذه الأسهم، فإذا أتى (1 شعبان) من العام الهجري الذي بعده؛ فينظر إلى القيمة السوقية لمحفظته ويُخرِج ربع العشر، يُخرج (2.5%) من القيمة السوقية للمحفظة، بغض النظر عن كون الشركات التي ساهم فيها تزكي أو لا تزكي؛ لأن هذه عروض تجارةٍ، فلا يُنظر إلى مسألة أن الشركة قد زكَّت؛ لأنه مُضاربٌ ومُتاجرٌ.
فإذن هذه هي الحال الأولى: أن يكون المُساهم مضاربًا أو متاجرًا ويبيع ويشتري في الأسهم، فيجب عليه أن يزكي القيمة السوقية للمحفظة، يُخرج ربع العشر (2.5%).
أما الحالة الثانية: وهي أن يكون المساهم مستثمرًا وليس مضاربًا أو متاجرًا، والمقصود بالمستثمر: الذي قَصَد بتملُّك الأسهم: الإفادة من أرباحها ومن رَيعها، سواءٌ كان تملُّكه لهذه الأسهم بطريق الاكتتاب، أو كان بطريق الشراء، أو حتى بطريق الهبة، أو بأي طريقٍ من طرق التملك، المهم أنه تملَّك هذه الأسهم ولا يريد أن يبيعها، وإنما يريد أن يستفيد من ريعها ومن أرباحها، فكيف يزكي هذه الأسهم؟
هذا له حالان:
- الحال الأولى: أن تكون الشركة المساهمة تُخرج الزكاة عن المساهمين، كما عليه الحال في الشركات المساهمة في المملكة العربية السعودية، فإن جميع الشركات المساهمة في المملكة تُخرج الزكوات عن المساهمين، فهذا لا زكاة عليه في هذه الأسهم؛ لأن زكاة الشركة تكفي عن زكاة المساهمين، والمال لا يُزكَّى مرتين.
- الحال الثانية: أن تكون الشركة المساهمة لا تُخرج الزكاة عن المساهمين، وهو مستثمرٌ ليس مضاربًا، فهنا يجب على المساهم أن يُخرج الزكاة، كيف يخرج الزكاة في هذه الحال؟ يَنظر للوعاء الزكوي للسهم، ويضربه في عدد الأسهم، فالوعاء الزكوي تُحدِّده الشركة، يَسأل الشركة التي اكتُتب فيها عن الوعاء الزكوي ويضربه في عدد الأسهم، هذه حال الشركات التي لا تُخرج الزكوات عن المساهمين، كما هو عليه الحال في معظم الشركات خارج المملكة العربية السعودية، فإن معظم الشركات المساهمة لا تُخرج الزكوات عن المساهمين، لكن هذا لا يُعفي المساهم من الزكاة.
فنقول: لا بد أن تزكِّي هذه الأسهم؛ وذلك بأن تنظر للوعاء الزكوي وتضربه في عدد الأسهم، وهذا أيضًا يقال لمن يملك أسهمًا دوليةً، يعني خارج المملكة، أسهمًا غير محليةٍ، وهو يريد أيضًا الاستثمار ولا يريد المضاربة، فنقول: تضرب الوعاء الزكوي في عدد الأسهم.
فإذنْ نَخلُص من هذا إلى أن زكاة الأسهم ترجع لحال المساهم:
- فإذا كان المساهم متاجرًا أو مضاربًا بالأسهم؛ فيجب عليه أن يزكيها، يزكِّي رأس المال مع الربح، يعني بزكاة القيمة السوقية للمحفظة عند تمام الحول.
- الحال الثانية: أن يكون المساهم ليس مضاربًا وليس متاجرًا، وإنما مستثمرًا، يعني: قصدَ بتملُّك الأسهم الإفادة من الرَّيع، فإن كانت الشركة تزكِّي؛ فلا زكاة عليه، أما إذا كانت الشركة لا تزكي؛ فيجب عليه أن يزكي؛ وذلك بأن يضرب مقدار الوعاء الزكوي للسهم في عدد الأسهم.
المقدم: أحسن الله إليكم، ماذا -يا شيخنا- عن حالةٍ -وهي تَرِد عند بعض المساهمين- أن ينوي ابتداءً المضاربة، ثم إنه قُدِّر على السهم وحصل فيه انخفاضٌ، فبقي مدةً طويلةً على هذه الحال يرقب ارتفاع السعر، فهل هذه الصورة تجعله في حكم المستثمر، أم أنه لا يزال يبقى في حكم المضارب؟
الشيخ: في الحقيقة هذه من المسائل المشكلة في باب الزكاة، وهي ما إذا كان المساهم لم تتضح حاله؛ هل هو مستثمرٌ أو مُضارِبٌ، كما في الصورة التي تفضلتم، يضارب ويبيع ويشتري، ثم يتوقف مدةً من الزمن، فهل نقول: إنه مُضارِبٌ يجب عليه أن يزكي ويخرج زكاة القيمة السوقية للمحفظة عند تمام الحول، أو نقول: إنه مستثمرٌ وتكفي زكاة الشركة عنه؟
هذه في الحقيقة من المسائل المشكلة: كيف نحدد المستثمر من المضارب في هذه الصورة؟ لكن أقرب ما يقال في مثل هذه النازلة: هو أن يُنظَر للقرائن؛ فإذا كان الغالب عليه أنه توقَّف معظم السنة عن البيع والشراء؛ فيُلحَق بالمستثمر وتكفي زكاة الشركة عنه.
أما إذا كان الغالب عليه أنه كان يبيع ويشتري، لكن توقف في السنة شهرًا أو شهرين أو ثلاثةً، فيُغلَّب جانب أنه مضاربٌ أو متاجرٌ.
أيضًا يُنظَر لسبب توقفه عن المضاربة وعن البيع والشراء؛ إذا كان مثلًا خسر خسارةً كبيرةً، ويُعلَم من القرائن أنه لن يُتاجر ولن يُضارب فيها؛ لأن الخسارة كبيرةٌ، والأسهم قد نزلت بشكلٍ كبيرٍ، وسيتوقف عن المتاجرة وعن المضاربة فترةً طويلةً؛ معنى ذلك: انتقلت حاله من حال كونه مضاربًا إلى كونه مستثمرًا، فهذه في الحقيقة من المسائل المشكلة في التمييز بين المستثمر والمضارب، لكن أقرب ما يقال: إنه يُعمَل فيها بالقرائن ويُجتهد في ذلك.
زكاة الديون المؤجلة
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم هذا البيان، أستأذنكم أن نذكر نازلةً أخرى متعلقةً كذلك بالزكاة، وهي متعلقةٌ بجانب الديون، ولا سيما في زماننا المعاصر، وقد تطورت قضايا الديون بشكلٍ كبيرٍ؛ فنتج عن ذلك ما يتعلق بالديون المؤجَّلة، وقد يكون التأجيل فيها طويلًا ويمتد لسنواتٍ كثيرةٍ، فكيف تكون زكاة هذه الديون المؤجلة؟
الشيخ: قبل أن نتكلم عن الديون المؤجلة، أولًا إذا كان الإنسان دائنًا ليس مدينًا، فالدين الذي له في ذِمَمِ الآخرين هل عليه زكاةٌ؟
إذا كان المدين مليئًا باذلًا، وأعني بقولي: “مليئًا”، يعني: قادرًا على سداد الدين، “باذلًا” يعني: غير مماطِلٍ؛ فهذا يكون في حكم المال المملوك له، يجب عليه أن يزكيه عن كل سنةٍ حتى ولو لم يتسلم الدين، لكن يجوز له أن يؤخر إخراج زكاة هذا الدين حتى يقبضه فيزكيه عن السنوات السابقة.
أما إذا كان المدين معسرًا أو مماطلًا أو جاحدًا للدين؛ فهنا لا زكاة في هذا الدين، هذا هو القول الأقرب والله أعلم، وهو اختيار شيخنا عبدالعزيز بن بازٍ رحمه الله، وهو الذي أيضًا أقره “مجمع الفقه”.
فإذنْ إذا كان المدين مليئًا باذلًا؛ وجب على الدائن أن يزكيه عن كل سنةٍ، وإذا كان المدين معسرًا أو مماطلًا؛ فلا زكاة في هذا الدين، هذا بالنسبة للدائن.
أما بالنسبة للمدين: فننظر أولًا لتأثير الدين على الزكاة، فهذا رجلٌ عنده مبلغٌ، وعنده رصيدٌ -نفترض: مئة ألفٍ- وعليه دينٌ، وهذا الدينُ دينٌ حالٌّ، له أن يخصم مقدار هذا الدين من المبلغ الذي يريد زكاته؛ مثلًا في رصيده مئة ألفٍ وعليه دينٌ حالٌّ، مطلوبٌ الآن عشرة آلافٍ؛ معنى ذلك: أنه يزكِّي تسعين ألفًا، وليس مئة ألفٍ، لماذا؟ لأن العشرة الآلاف هذه ليست له، هي مستحَقةٌ للدائن، مادام أنها ليست له، ومستحقةٌ للدائن؛ فلا يجب عليه أن يزكيها؛ لأن الزكاة شُرعت من باب المواساة، فكيف يزكي مبلغًا مستحقًّا لغيره أصلًا؛ فإذنْ المدين له أن يخصم الدين الحالَّ من المبلغ الذي يريد أن يزكيه.
ننتقل بعد ذلك لمسألةٍ -الحقيقةَ- شائكةٍ، وهي: الدَّين المؤجل، ونعني بذلك: إذا كان الإنسان يطلب غيره ديونًا مؤجلةً، وأصبح الآن أيضًا في هذا شركاتٌ وبنوكٌ ومؤسساتٌ، بل هناك شركاتٌ تأسست لهذا العمل، وأحيانًا الديون تبقى عشر سنين، وبعضها تبقى عشرين سنةً، بل بعضها ثلاثين سنةً، بل وقفت على ديونٍ في بعض البنوك تصل إلى خمسٍ وثلاثين سنةً، فهذه الديون المؤجلة هل فيها زكاةٌ أم لا؟
في الحقيقة: الفقهاء السابقون تكلموا عن الدين المؤجل، وأقول: إنه لا يصح تخريج زكاة الديون المؤجلة بوضعها المعاصر على ما ذكره الفقهاء السابقون من زكاة الديون المؤجلة؛ للاختلاف الكبير بينهما، ففي قديم الزمان كانت الديون المؤجلة سنةً أو سنتين أو ثلاثًا لا تطول المدة، ولم يكن فيها تجارةٌ رائجةٌ، ولم يوجد عند الناس قديمًا دينٌ يبقى عشرين سنةً، وثلاثين سنةً، وخمسًا وثلاثين سنةً، وربما أربعين سنةً، هذا ليس موجودًا؛ فتُعتبر هذه نازلةً؛ ولذلك لا يصح تخريج هذه النازلة على ما ذكره الفقهاء السابقون في هذه المسألة؛ للفرق الكبير بينهما، خاصةً وأن التقسيط الآن أصبح صناعةً رائجةً وتجارةً، وتقوم عليها مؤسساتٌ وشركاتٌ وبنوكٌ، وهذه المسألة تكلَّم عنها وناقشها العلماء المعاصرون، وهي زكاة الديون المؤجلة، ويَرِد عليها الإشكال من جهتين:
الجهة الأولى: لو قلنا بعدم وجوب الزكاة في الدين المؤجل، كما قاله كثيرٌ من الفقهاء السابقين؛ لترتب على ذلك إسقاط الزكاة عن تجارةٍ رائجةٍ تقوم عليها بنوكٌ وشركاتٌ ومؤسساتٌ، فكيف تسقط الزكاة في هذه التجارة الرائجة، ونوجب الزكاة على من عنده خمسة آلاف ريالٍ أو عشرة آلاف ريالٍ؟! هذا الإنسان المسكين الذي ليس عنده إلا خمسة آلافٍ، أو عشرة آلاف ريالٍ، نقول له: عليك الزكاة، وهذه التجارة الرائجة لكنها في ديونٍ مؤجلةٍ نُسقط عن أصحابها الزكاة؟! هذا لا تَرِد به الشريعة.
في المقابل من الجهة الأخرى: إذا قلنا: تجب زكاة هذه الديون المؤجلة عن جميع السنوات؛ عن مثلًا عشرين سنةً، أو ثلاثين سنةً أو أكثر؛ فهذا سيؤدي إلى إفلاس بعض شركات التقسيط؛ لأن الزكاة ستكون كبيرةً جدًّا، عشرين سنةً، ثلاثين سنةً، أربعين سنةً، ستكون كبيرةً؛ فهذا سيؤدي إلى إفلاس هذه الشركات، وأيضًا مثل هذا الأمر لا تَرِد به الشريعة؛ ولذلك هناك قولٌ وسطٌ في هذه النازلة: وهو أن يزكَّى رأس المال وأصل الدين مع ربح السنة الحالية دون أرباح بقية السنوات، وهذا هو أعدل الأقوال، وهو القول الراجح، وهو الذي أقره “المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي”، وأيضًا المعايير الشرعية، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، واختاره أيضًا بعض كبار العلماء المعاصرين، فيزكَّى أصل الدَّين مع ربح السنة الحالية دون أرباح بقية السنوات؛ وعلى ذلك: الزكاة سوف تتناقص مع مرور الوقت.
لو أخذنا مثالًا يسيرًا: سيارةٌ رأس مالها خمسون ألفًا، ومثلًا مقسَّطةٌ لأربع سنواتٍ، والربح خمسة آلافٍ، أو نقول: لخمس سنواتٍ، ما دام خمسون ألفًا؛ نقول: لخمس سنواتٍ، والربح: خمسة آلافٍ لكل سنةٍ؛ فمعنى ذلك: أنه في السنة الأولى ستكون الزكاة لكم ألفٍ؟ رأس المال خمسون ألفًا، والربح: خمسة آلافٍ؛ معنى ذلك: سيزكِّي السنة الأولى خمسةً وخمسين ألفًا، السنة الثانية سيزكِّي ربح تلك السنة مع ما تبقى من رأس المال، وهو قد سدَّد عشرة آلافٍ، نحن قلنا: على خمس سنواتٍ؛ معنى ذلك: سيزكِّي أربعين ألفًا مع خمسة آلافٍ؛ يعني خمسةً وأربعين ألفًا في السنة الثالثة، يزكِّي ما تبقى بعد سداد القسطين السابقين، وهو ثلاثون ألفًا مع خمسة آلافٍ؛ يعني خمسةً وثلاثين ألفًا، في السنة الرابعة سيُزكِّي خمسةً وعشرين ألفًا، في السنة الخامسة سيزكِّي خمسة عشر ألفًا، لاحظ أن الزكاة تتناقص مع مرور الوقت، ففي هذه المسألة الشائكة هذا القول هو أعدل الأقوال: وهو أن يزكِّي أصل الدين ورأس المال أو المتبقي منه؛ لأن أصل الدين سيكون كاملًا في السنة الأولى فقط، أما في السنوات التي بعد السنة الأولى فسيتناقص أصل الدين؛ فإذنْ يزكِّي أصل الدين أو ما يتبقى منه مع ربح السنة الحالية لتلك السنة التي يُخرج فيها الزكاة، دون أرباح بقية السنوات، هذا القول هو أعدل الأقوال، وهو الذي تجتمع به الأدلة، وهو الذي يُحقِّق أيضًا مقاصد الشريعة من الزكاة، فلا نجنح للقول بإسقاط الزكاة في هذه الديون؛ لأنها تجارةٌ رائجةٌ، ولا نقول أيضًا -في المقابل- بإيجاب الزكاة عن جميع السنوات؛ وهذا سيؤدي إلى إفلاس بعض شركات التقسيط، وهذا أيضًا لا تأتي به الشريعة، وإنما نسلك المسلك الوسط، وهو أن نقول: أن يزكِّي أصل الدين -أو ما تبقى من أصل الدين- مع ربح السنة الحالية التي يُخرِج فيها الزكاة دون أرباح بقية السنوات.
المقدم: أحسن الله إليكم، ماذا فيما يتعلق بجانب المدين؟ إذا كان الشخص عليه دينٌ مؤجلٌ؛ فهل هذا التأجيل يؤثر في أن ينقص النصاب عنده كما قلنا في الدين الحال؟
الشيخ: نعم، أحسنت، هذا السؤال مهمٌّ، إذا كان الدين مؤجلًا اختلف الفقهاء، هل هذا الدين يُؤثِّر على الزكاة أم لا؟ والقول الراجح: إنه لا يُؤثِّر؛ لأنه غير مطالبٍ به؛ مثلًا: إذا كان الدين لا يحل إلا بعد سنةٍ أو سنتين، فكيف نسقط من المبلغ الذي يُراد زكاته مقدار هذا الدين وهو لم يحل بعد، ولم يُطالب به بعد، ولم يُستحق بعد؟!
إنما الدين الذي يُؤثِّر على الزكاة: هو الدين الحال؛ لأن الدائن مستحِقٌّ له، كما مثلنا في المثال السابق قبل قليلٍ، قلنا: هذا الرجل رصيده مئة ألفٍ، ومطلوبٌ منه قسطٌ بعشرة آلافٍ؛ فمعنى ذلك: أنه سيزكِّي تسعين ألفًا، وليس مئة ألفٍ؛ لأن هذه العشرة الآلاف ليست له أصلًا، وإنما هي مستحَقةٌ للدائن، لكن بشرط: أن يكون الدين حالًّا؛ لأنه هو الدين المستحق، أما إذا كان الدين مؤجلًا فالأقرب -والله أعلم- أنه لا يؤثر على الزكاة.
المقدم: أحسن الله إليكم، وفيما يخص -إن أذنتم- ما يتعلق بالشِّق الأول: إذا كان دائنًا، وكان الدين بِرُمَّته مؤجلًا ولا يُستحق إلا بعد أربع أو خمس سنواتٍ، مثل هذه الصورة، هل يُفهم من كلامكم السابق: أنه يجب عليه أن يُؤدِّي زكاته؟
الشيخ: نعم، إذا كان الدَّين كله مؤجلًا ولا يُستحق إلا بعد مدةٍ من الزمن؛ فهل نقول: إنه يجب عليه أن يُزكِّيه طوال هذه المدة بأصل الدين مع الأرباح، أم أنه يزكيه عن سنةٍ واحدةٍ؟
الذي يظهر -والله أعلم- أنه يجب عليه أن يزكيه لهذه السنوات؛ لأنه إذا كان الدين كله مؤجلًا ولا يُستَحق إلا بعد سنةٍ أو سنتين، والغالب أن أمده لا يكون طويلًا، إذا كان مستحَقًّا بِرُمَّته (بكامله)؛ فالغالب أن أمده لا يكون طويلًا، فيزكيه عنه مادام أنه مستحقٌّ وهو دائنٌ، ولكن هذا الدين مؤجلٌ، فيجب عليه أن يزكيه إذا كان المدين مليئًا باذلًا، إذا كان واثقًا من أن المدين سيُسدِّد؛ لأنه في الحقيقة لا فرق بين الرصيد الذي عنده، وبين الدين عند المَلِيء الباذل، هو نفسه؛ يعني كأنه عنده لكن عند فلان من الناس، لكنه واثقٌ منه تمامًا كأنه في رصيده، كأنه في يده، فالقول الراجح: أنه يجب عليه أن يزكيه.
على أن مسألة زكاة الديون من المسائل المُشْكِلة؛ ولذلك “مجمع الفقه” لما بحثها؛ قال: إنه لا يوجد فيها دليلٌ، ولا يوجد فيها حتى آثارٌ، وإنما مبناها على النظر والتعليل والربط بمقاصد الشريعة في باب الزكاة، فهي من المسائل الشائكة، لكن الذي ذكرتُه هو الذي استقر عليه رأي كثيرٍ من المعاصرين، وهو الذي عليه أيضًا مجامع الفقه.
المقدم: أحسن الله إليكم، إذنْ يُفهم أو يُستفاد من هذا: أن جميع الأحاديث التي تَرِد في مسائل الديون لا تخلو من مقالٍ؟
الشيخ: نعم، لا تخلو من مقالٍ، وحتى الآثار أيضًا ليس فيها آثارٌ واضحةٌ يُعتمد عليها؛ ولذلك مبناها على النظر والتعليل والربط بمقاصد الشريعة من الزكاة.
المقدم: أحسن الله إليكم، وشكر الله لكم.
بهذا نكون قد وصلنا إلى ختام حلقتنا لهذا اليوم، أسأل الله جل وعلا أن يجزي شيخنا خير الجزاء على هذا البيان والطرح.
والشكر موصولٌ لكم أنتم -أيها الإخوة المستمعون والمستمعات- على استماعكم وإنصاتكم.
كما أشكر من قام بتسجيل هذه الحلقة.
إلى أن ألتقيكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله عز وجل، ومع جملةٍ من النوازل المعاصرة، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.