الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(18) تعريف الربا وحكمه وأقسامه وما يجري فيه
|

(18) تعريف الربا وحكمه وأقسامه وما يجري فيه

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وحياكم الله تعالى في هذه الحلقة الجديدة من هذا البرنامج.

تعريف الربا وحكمه

أيها الإخوة: نتحدث معكم في هذه الحلقة عن جملة من مسائل الربا، فنبتدئ أولًا بتعريف الربا، فنقول:

الربا في اللغة معناه: الزيادة، ومنه قول الله تعالى: فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج:5] أيْ: زادت وعلت، ومنه قول الله تعالى: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ [النحل:92] أيْ: أكثر عددًا.

ومعناه في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة، وسيأتي الكلام عن هذه الأشياء المخصوصة.

وقد أجمعت الأمة على تحريم الربا، فمن أنكر تحريم الربا فهو كافرٌ؛ لأنه من المحرمات المعلومة من دين الإسلام بالضرورة.

أقسام الربا

وينقسم الربا إلى: ربا الفضل، وربا النسيئة.

وأضاف بعض العلماء قسمًا ثالثًا، وهو ربا القرض.

وسنتكلم في هذه الحلقة وفي الحلقات القادمة إن شاء الله عن هذه الأقسام الثلاثة بالتفصيل.

الأشياء التي يجري فيها الربا

والأشياء التي يجري فيها الربا بيّنها النبي  بقوله: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل، يدًا بيد [1].

فمن الفقهاء من قصر الربا على هذه الأشياء الستة، وقالوا: لا يجري الربا فيما سواها.

وهذا القول مرويٌ عن قتادة وطاووس، وهو مذهب أهل الظاهر، وذهب إليه أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي، رحمة الله على الجميع.

ولكن هذا القول قولٌ مرجوح، والصواب هو ما عليه جمهور الأمة من أن الربا يجري في هذه الأشياء الستة، وما وافقها في العلّة؛ لأن هذه الشريعة الكاملة المحكمة لا يمكن أن تفرِّق بين متماثلين.

ولأنه قد وردت عدة آثارٍ تدلُّ على جريان الربا فيما عدا هذه الستة المنصوص عليها، ومنها ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي نهى عن المزابنة والمحاقلة، قال: والمزابنة هي أن يبيع ثمر حائطه بتمرٍ كيلًا، وإن كان كرْمًا أن يبيعه بزبيبٍ كيلًا، وإن كان طعامًا أن يبيعه بكيل طعام [2].

ففي هذا الحديث أدخل نوعًا جديدًا من غير الأنواع الستة المنصوص عليها، وهو الزبيب والعنب، فدل ذلك على أن الربا لا يقتصر على تلك الأشياء الستة المنصوص عليها.

علة الربا

ثم اختلف الجمهور في علّة الربا:

  • فقال بعضهم: إن العلة هي الكيل أو الوزن، فيجري الربا عندهم في كل مكيل أو موزون ولا يجري فيما عدا المكيل والموزون، وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنابلة والحنفية.
  • وقال آخرون: العلة في الربا هي في الذهب والفضة غلبة الثمنية، وفيما عداهما الطُّعْم، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية.
  • وقال آخرون: العلة في الربا في الذهب والفضة غلبة الثمنية، وفيما عداهما الاقتيات والادخار، وإليه ذهب المالكية.

والقول الصحيح في هذه المسألة هو الذي عليه المحققون من أهل العلم، هو أن علّة الربا في النقدين -أيْ الذهب والفضة- الثمنية، فيقاس عليهما كل ما جُعِل أثمانًا، كالأوراق النقدية في وقتنا الحاضر، والعلة فيما عدا النقدين هي الكيل أو الوزن مع الطُّعْم.

وقد اختار هذا القول الموفق ابن قدامة رحمه الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.

ووجه هذا القول: أنّ الذهب والفضة وما يقوم مقامها في التعامل بين الناس، وفي تقويم الأشياء كالأوراق النقدية بها قوام الأموال، والمقصود منها أن تكون معيارًا يتوصل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يُقصد الانتفاع بعينها، فكان التعليل بالثمنية تعليلًا بوصفٍ مناسب.

وأما ما عدا النقدين، وما في معناهما، فالعلة فيه الطُّعم مع الكيل أو الوزن، أما الطعم فلحديث معمر بن عبدالله : أن النبي  قال: الطعام بالطعام مثلًا بمثل [3]، رواه مسلم، ففي هذا الحديث إشارةٌ إلى علة الطُّعم.

وأما الكيل والوزن، فقد قال الموفق ابن قدامة رحمه الله، نهي النبي عن الطعام إلا مثلًا بمثل، يتقيد بما فيه معيارٌ شرعي، وهو الكيل والوزن؛ إذ أنّ الطعم بمجرده لا تتحقق به المماثلة لعدم المعيار الشرعي، فوجب تقييده بالمعيار الشرعي، وهو الكيل والوزن.

وبناءً على ما تقدّم، فإن ما اجتمع فيه الكيل أو الوزن مع الطعم فيجري فيه الربا؛ وذلك كالأرز والذرة واللحم والخل واللبن والدهن، ونحو ذلك.

وما انعدم فيه الكيل والوزن والطعم فلا ربا فيه، كالآلات والسيارات وجميع الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، ونحو ذلك.

وأما ما وجِد فيه الطُّعم وحده، لكنه لا يكال ولا يوزن، كالبيض والجوز، فلا يجري فيه الربا.

وكذلك ما كان مكيلًا لكنه غير مطعوم، كالأشنان لا يجري فيه الربا؛ بناءً على القول الراجح في علّة الربا.

ولا يجري الربا كذلك في الفواكه كالبرتقال والتفاح، ونحو ذلك.

إذا اختلفت علة الربا بين شيئين، فما حكمه؟

وإذا اختلفت علّة الربا بين شيئين فيجوز فيهما التفاضل والتأجيل؛ وذلك كبيع التمر بالأوراق النقدية مثلًا، فلا يُشترط فيه التقابض؛ لأن العلة في التمر هي الكيل مع الطُّعم، والعِلّة في الأوراق النقدية هي مطلق الثمنية، ومع اختلاف العلة يجوز التفاضل والتأجيل.

وكذلك يجوز بيع الذهب بالبر، والفضة بالشعير من غير اشتراط التماثل أو التقابض؛ وذلك لاختلاف العلة.

إذا اتحدت علة الربا في شيئين، فما حكمه؟

أما إذا اتحدت علة الربا في شيئين فلا يخلو من أن يكونا من جنسٍ واحد، أو من جنسين، فإن كانا من جنسٍ واحد كتمر بتمر، فيُشترط لصحة بيع أحدهما بالآخر شرطان:

  • الشرط الأول: التماثل في القدر.
  • والشرط الثاني: التقابض قبل التفرُّق.

أما إذا اختلف الجنس كتمر ببر، فيُشترط شرطٌ واحد فقط، وهو التقابض قبل التفرُّق، ويجوز التفاضل في هذه الحال؛ لقول النبي : فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد [4].

والجنس: هو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها، فالتمر مثلًا جنس، والبر جنس، وهكذا.

والنوع: هو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها، فمثلًا التمر جنسٌ وله أنواع، فالتمر السكّري نوع، والتمر الخلاص نوع، والتمر الصفر نوع، وهكذا.

والذي يُؤثر في الحكم هو اختلاف الجنس، أما اختلاف النوع، فلا أثر له.

فمثلًا لا يجوز بيع كيلو تمر سكري بكيلوي تمر خلاص، ولو كانت قيمتهما متساوية، كما أنه لا أثر للجودة والرداءة والقِدم والحداثة، ففي مثالنا السابق بيع كيلو تمر بكيلويِ تمر خلاص، هنا يلاحظ عدم التماثل؛ لأن هذا كيلو واحد، ومن التمر الآخر كيلوان، وهذا نوعٌ وهذا نوعٌ، ولكن كما قلنا -أيها الإخوة- لا أثر للنوع في هذا الحكم، كما أنه لا أثر للجودة والرداءة، ولا للقِدم والحداثة في باب الربا.

يدل لذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة : أنّ رسول الله استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب -وهو نوعٌ من التمر الجيد-، فقال رسول الله : أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين -يعني من التمر الرديء، جاء تسميته في بعض الروايات بالجمع-، والصاعين بالثلاثة، فقال النبي : لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا [5]، ففي هذا الحديث نهى النبي  عن بيع الصاعين من التمر الرديء بالصاع من التمر الجيد.

وجاء في بعض الروايات أنّ النبي  قال: أوّه، عين الربا [6]؛ مع أنّ الظاهر هو تساوي الصاعين من التمر الرديء بالصاع من التمر الجيد في القيمة، ومع ذلك نهى النبي  عن ذلك، بل جعله عين الربا.

ومثل ذلك يقال فيما ذكرناه من المثال، فلا يجوز أن يباع صاع تمر سكري بصاعي تمر خلاص، ونحو ذلك.

ومثل ذلك أيضًا يقال في الذهب، فلا يجوز للمرأة أن تبيع ذهبًا قديمًا بذهب جديد مع التفاضل في الوزن، ولو تساويا في القيمة، والمخرج الشرعي في هذا هو أن تبيع الذهب القديم بدراهم، ثم تشتري بالدراهم ذهبًا جديدًا، كما أرشد إلى ذلك النبي  بقوله: بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا [7].

ونكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، وإلى لقاء في حلقة قادمة إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 1584.
2 رواه البخاري: 2205، ومسلم: 1542.
3 رواه مسلم: 1592.
4 رواه مسلم: 1587.
5 رواه البخاري: 2201، ومسلم: 1593.
6 رواه البخاري: 2312، ومسلم: 1594.
7 سبق تخريجه.

مواد ذات صلة