الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(58) شروط صحة الصلاة- ستر العورة
|

(58) شروط صحة الصلاة- ستر العورة

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

لا يزال الحديث موصولًا عن شروط صحة الصلاة، وحديثنا في هذه الحلقة عن شرط ستر العورة.

مشروعية أخذ الزينة في الصلاة

قبل الحديث عن هذا الشرط، نتحدث عن مشروعية أخذ الزينة في الصلاة، فنقول: إنه يشرع للمسلم أن يأخذ زينته في الصلاة، امتثالًا لأمر الله تعالى بذلك في قوله سبحانه: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] فالأمر بأخذ الزينة في هذه الآية، يتناول الأمر بستر العورة، والأمر بستر ما جرت العادة بستره من البدن، وقوله سبحانه: عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ المراد به: عند كل موضع سجود، أي: عند كل صلاة.

فدلت هذه الآية الكريـمة على أن المسلم يشرع له أن يأخذ زينته في صلاته على أحسن حالٍ يقدر عليها، من المبالغة في ستر ما جرت العادة بستره، ولبس أحسن الثياب على أجمل هيئةٍ، وأحسن حال؛ لأنه عندما يقوم في صلاته، يقوم في أشرف مقامٍ، وأجله وأعظمه؛ إذ إنه في مقام مناجاة رب العالمين.

ولذلك: فإنه يشرع له أخذ الزينة في صلاته، ولو كان يصلي وحده، ولا يراه أحدٌ من الناس، كما جاء ذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي قال: إذا صلى أحدكم، فليلبس ثوبَيْه، فإن الله أحق من تُزُيِّن له [1] أخرجه البيهقي، والطحاوي في (شرح معاني الآثار)، وقال الهيثمي: “إسناده حسن”.

وفي حديث بـهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، أنه قال: “قلت: يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليًا؟ فقال رسول الله : فالله أحق أن يُستحيا منه من الناس [2]، أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والبيهقي، وقد ذكره البخاري في صحيحه معلَّقًا بصيغة الجزم.

فإذا كان هذا خارج الصلاة فهو في الصلاة أحق أن يُستحيا منه، فتؤخذ الزينة لمناجاة الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال ابن عمر رضي الله عنهما لغلامه نافع لـمَّا رآه يصلي حاسر الرأس: “أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا؟! قال: لا، قال: فالله أحق أن يُتجمَّل له”.

وفي (صحيح مسلمٍ) عن عبدالله بن مسعودٍ : أن النبي قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كِبـْر فقال رجلٌ: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا، فقال : إن الله جميلٌ يحب الجمال، الكِبْـر: بطر الحق، وغمط الناس [3].

ففي هذا الحديث بيَّـن النبي  أن لبس الثوب الحسن، والنعل الحسن، ليس هذا من الكبر، بل هو من التجمُّل الذي يحبه الله ​​​​​​​، وإذا كان الله ​​​​​​​ يحبه فهو من الأمور المـحمودة، والمندوب إليها، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن التجمُّل في اللباس يتأكَّد في الصلاة؛ إذ أن المصلي في صلاته في مقام مناجاة رب العالمين، فينبغي له حين مناجاته أن يكون على أحسن هيئةٍ وأجمل حال.

وقد كان كثيرٌ من السلف يتخيَّـرون أحسن الثياب التي يقدرون عليها؛ ليصلوا فيها، فقد اشترى تـميمٌ الداري رحمه الله حُلَّةً بألف درهم، كان يصلي فيها، وكان مالك بن دينارٍ يصلي في ثيابه العَدَنِيَّة الـجِيَاد، وكان ثوب أحمد بن حنبل الذي يصلى فيه يشترى بنحو الدينار.

فأين حال هؤلاء من حال بعض الناس اليوم الذين لا يبدون اهتمامًا بأخذ الزينة في الصلاة؛ لربَّـما تجد بعضهم يعمد إلى الصلاة في ثياب مهنته، أو ملابس نومه، بينما يتجمَّل لملاقاة البشر بأحسن لباسٍ، وأجمل هيئة، أليس ربُّ العالمين أحق أن يُتجمَّل له، وأن تؤخذ الزينة لمناجاته؟!

اللباس في الصلاة

ومن أخذ الزينة في الصلاة: أن يصلي الرجل في ثوبين فأكثر، وهو ما يُعبِّـر عنه بعض الناس بـملابس داخلية، وثيابٌ فوقها، وهذا مـمَّا لا خلاف بين العلماء في مشروعيَّته واستحبابه.

ودلَّ على ذلك عدة أحاديث، منها: حديث أبي هريرة : “أن سائلًا سأل رسول الله عن الصلاة في ثوبٍ واحدٍ، فقال رسول الله : أولكلكُم ثوبان؟ [4]، أخرجه البخاري ومسلمٌ في صحيحيهما، فقوله عليه الصلاة والسلام: أولكلكُم ثوبان؟ يدل على أن الصلاة في الثوبين أفضل وأكمل، لمن قدر عليهما، فكأن المعنى: ليس لكل واحدٍ منكم ثوبان، فلذلك رُخِّص في الصلاة في الثوب الواحد، ويفهم منه: أن الصلاة في الثوبين أفضل لمن قَدِر عليهما.

قال الخطابي رحمه الله: “قوله عليه الصلاة والسلام: أولكلكُم ثوبان؟ لفظه لفظ استفهام، ومعناه: الإخبار عمَّا كان يعلمه من حالهم، من العدم وضيق الثياب، يقول: فإذا كنتم بـهذه الصفة، وليس لكل واحدٍ منكم ثوبان، والصلاة واجبةٌ عليكم، فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة”.

ويدل لذلك أيضًا: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : إذا كان لأحدكم ثوبان فليصلِّ فيهما، فإن لَـم يكن إلا ثوبٌ واحدٌ فليتَّزِر به [5] وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي قال: إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبَيْه، فإن الله أحق من تُزُيِّن له [6]، ففي هذين الحديثين أمر النبي  بالصلاة في ثوبين عند القدرة عليهما، ولا أقل من أن يفيد ذلك الأمر استحباب الصلاة في الثوبين لمن قدر عليهما.

وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنـهما قالا: “إذا وَسَّع الله فأوسعوا، جمع رجلٌ عليه ثيابه، صلى رجلٌ في إزارٍ ورداء، في إزارٍ وقميص، في إزارٍ وقَبَاء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقَبَاء، في تُبَّانٍ وقَبَاء، في تُبَّان وقميص، في تُبَّان ورداء” [7]، ففي هذا الأثر الأمر بالتوسُّع في اللباس في الصلاة لمن وَسَّع الله تعالى عليه.

وقد رأى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نافعًا يصلي في خلوته في ثوبٍ واحد، فقال له: “ألـم أكْسُكَ ثوبين؟ قال: بلى، قال: أفكُنْتَ تخرج إلى السوق في ثوبٍ واحدٍ؟! قال: لا، قال: فالله أحق أن يُتجَمَّل له”.

ولأن الصلاة في ثوبين فأكثر أبلغ في الستر، وما كان أبلغ في الستر؛ كان أحب إلى الشارع.

حكم تغطية الرأس في الصلاة

ومن الهيئة الحسنة، وأخذ الزينة في الصلاة: أن يغطي الرجل رأسه بـما جرت العادة تغطيته به؛ إذ إن المشروع في حق المسلم أن يدخل في صلاته على أكمل هيئة، ومن الهيئة الحسنة: تغطية الرأس بـما جرت العادة تغطيته به من اللباس، وقد كان رسول الله  يحرص على تغطية رأسه في صلاته بالعمامة، وقد كانت اللباس المعتاد لتغطية الرأس زمن النبوة.

ولـم يثبت عن النبي  أنه صلى في غير الإحرام وهو حاسرٌ الرأس دون عمامة، مع توافر الدواعي لنقله لو فعله عليه الصلاة والسلام، وسبق أن نقلنا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أنكر على غلامه نافع، لـمَّا رآه يصلي حاسر الرأس، وقال له: “أرأيت لو خرجت إلى الناس، كنت تخرج هكذا؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يُتجمَّل له”.

يظن بعض الناس أن أخذ الزينة، إنـما يُشرع لمن يصلي أمام الآخرين؛ ولهذا تجد أنه إذا صلى في بيته، صلى في ملابس النوم، أو في ملابس رثَّة، وهذا الفهم غير صحيح، بل إن أخذ الزينة في الصلاة مشروعٌ لكل مصلٍّ، سواءٌ كان يصلي أمام الناس، أو كان يصلي في بيته وحده؛ لأن أخذ الزينة في الصلاة إنـما هو لحق الله تعالى.

ولهذا نقول: إن من يصلي وحده دون أن يراه الناس، يسن له أن يأخذ كامل زينته في الصلاة، سواء كانت الصلاة صلاة فريضة أو نافلة؛ لأن الله تعالى أحق من تُزُيِّن له.

أيها الإخوة، هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البيهقي في الكبرى: 3088، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 2218، والطبراني في المعجم الأوسط: 9368، والبزار: 5903.
2 رواه أبو داود: 4017، والترمذي: 2794، وابن ماجه: 1920، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
3 رواه مسلم: 91.
4 رواه البخاري: 358، ومسلم: 515.
5 رواه أبو داود: 635.
6 سبق تخريجه.
7 رواه البخاري: 365.

مواد ذات صلة