الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(70) شروط صحة الصلاة- نية الصلاة
|

(70) شروط صحة الصلاة- نية الصلاة

مشاهدة من الموقع

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

حديثنا في هذه الحلقة عن الشرط السادس من شروط صحة الصلاة: وهو النية.

تعريف النية وأقسامها

  • معناها في اللغة: القصد.
  • معناها شرعًا: العزم على فعل العبادة تقرُّبًا إلى الله تعالى.

وهي شرطٌ لصحة الصلاة، فلا تنعقد الصلاة إلا بـها بإجماع العلماء.

وهذا الشرط لا يسقط بأي حالٍ من الأحوال؛ إذ إنه لا يُتصوَّر العجز عنه من الإنسان العاقل.

وتنقسم النية إلى قسمين:

  • نِيَّة المعمول له.
  • ونِيَّة العمل.

أما نِيَّة العمل: فهي التي يتكلم عنها الفقهاء، ويقصدون بـها تـمييز العبادات عن العادات، وتـمييز العبادات بعضها عن بعض.

أما نية المعمول له: فهي التي يتكلم عنها أرباب السلوك، ويقصدون بـها: إخلاص العمل لله تعالى، فيقصد بعمله وجه الله تعالى دون غيره، وعليها مدار قبول العمل، قال الله تعالى في الحديث القدسي: أن أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه [1].

حكم التلفظ بالنية

قد أجمع العلماء على أن النية محلها القلب؛ لقول النبي : إنـما الأعمال بالنيات، وإنـما لكل امرئٍ ما نوى [2].

ولهذا: فإن اللفُّظ بالنية بدعة.

وبـهذا يُعلَم خطأ الذين يتلفَّظون بالنية عند أداء بعض العبادات، فعندما يقوم أحدهم لصلاة الظهر مثلًا يقول: اللهم إني نويت أن أصلي صلاة الظهر أربع ركعات، أو عندما يريد الطواف بالكعبة يقول: اللهم إني نويت أن أطوف طواف العمرة سبعة أشواط، فهذا كله غير مشروع، بل هو معدودٌ من البدع؛ لأنه لـم ينقل ذلك عن رسول الله ، ولا عن أحدٍ من الصحابة أو التابعين، وهم خير القرون، وهم أعلم الناس بشريعة الله.

ولأن النية محلها القلب، والله تعالى يعلم ما في القلوب، فلا حاجة للنطق بـها باللسان، حتى الحج والعمرة، لا يُشرع للمسلم أن يقول: اللهم إني نويت العمرة، أو نويت الحج، ولكن يلبِّـي بـما نوى، فيقول: اللهم لبيك حجًا، أو: اللهم لبيك عمرة، وفرقٌ بين التلبية وبين التلفُّظ بالنية، فالتلبية تتضمَّن الإجابة لله تعالى، فهي ينفسها ذكرٌ، وليست إخبارًا عما في القلب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الجهر بالنية لا يجب، ولا يستحب باتفاق المسلمين، بل الجاهر بالنية مبتدعٌ مخالفٌ للشريعة، إذا فعل ذلك معتقدًا أنه من الشرع، فهو جاهلٌ ضال”.

قال رحمه الله: “ومحل النية القلب دون اللسان باتفاق المسلمين، فلو تكلم بلسانه بخلاف ما نوى بقلبه؛ كان الاعتبار بـما نوى بقلبه لا باللفظ، ولو تكلم بلسانه ولـم تحصل النية في قلبه؛ لـم يجزئ ذلك باتفاق أئمة المسلمين”.

النية تتبع العلم

فمن علم ما يريد فعله فلا بد أن ينويه؛ فمن قام لأداء صلاة معينة كصلاة الظهر مثلًا؛ فقد نوى هذه الصلاة، نقول هذا لأن بعض الناس مبتلى بالوساوس، فيشق على نفسه كثيرًا في مسألة تحقيق نية الصلاة؛ ولهذا تجده يقطع الصلاة عدة مراتٍ، لكونه يشك: هل أتى بالنية أم لا؟

وهذا التصرُّف يدل على جهل صاحبه، وقلَّة بصيرته، وإلا فإنه متى توضأ وخرج من بيته إلى الصلاة، فقد نوى الصلاة، بل إن ترك النية في هذه الحال هو الشاق في الحقيقة؛ ولهذا قال بعض العلماء: لو كلَّفنا الله عملًا بلا نية، لكان من التكليف بـما لا يطاق، فلو قيل لإنسان مثلًا: صلَّ ولكن لا تنوي الصلاة، أو: توضأ ولكن لا تنوي الوضوء، لـم يستطع ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “النية تتبع العلم، فمن علم ما يريد أن يفعله، فلا بد أن ينويه، فإذا علم المسلم أن غدًا من رمضان، وهو مـمن يصوم رمضان، فلا بد أن ينوي الصيام، وإذا علم أن غدًا العيد، لـم ينو الصيام تلك الليلة، وكذلك الصلاة: فإذا علم أن الصلاة القائمة صلاة الفجر أو الظهر، وهو يعلم أنه يريد أن يصلي صلاة الفجر أو الظهر، فإنه إنـما ينوي تلك الصلاة، لا يـمكنه أن يعلم أنـها الفجر وينوي الظهر، فالنية تتبع العلم والاعتقاد اتباعًا ضروريًا”.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: “من قام ليصلي فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل يفعل شيئًا من العبادات ولا غيرها بغير نية، ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية عن نيةٍ؛ لعجز عن ذلك، ولو كلَّفه الله ​​​​​​​ الصلاة والوضوء بغير نية؛ لكلَّفه ما لا يطيق، ولا يدخل في وسعه”.

وبـهذا التقرير يتبيَّـن أن القول الراجح في تعيين صلاة مُعيَّنة: أنه ليس بشرط، فلا يجب على من أراد أن يصلي صلاة الظهر مثلًا أن ينوي صلاة الظهر، وإنـما يكفيه أن ينوي الصلاة، وتتعيَّـن الصلاة بتعيُّـن الوقت.

حكم استصحاب النية إلى آخر الصلاة

ويجب استصحاب حكم النية إلى آخر الصلاة، ومعنى استصحاب حكمها، ألا يقطعها، فلو ذَهَلَ عن النية في أثناء الصلاة لـم يضر؛ لأن التحرُّز من هذا غير مـمكن.

وقد قال النبي : إذا أقيمت الصلاة أدبر الشيطان وله ضُراطٌ، فإذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا؛ لِمَا لـم يكن يذكر من قبل [3] ولـم يأمره النبي  بإعادة الصلاة في هذه الحال، مع أنه قد ذهل عن النيَّة.

لكن قال الفقهاء: يستحب استصحاب ذكر النية في جميع الصلاة؛ لأنه أبلغ في الإخلاص، وأقرب للخشوع.

والحاصل: أن استصحاب حكم النية بألا ينوي قطعها، أنه واجبٌ، وأما استصحاب ذكرها بألا يذهل عنها في جميع الصلاة، فمستحبٌ وليس بواجب.

حكم صلاة من نوى قطعها أو تردد في قطعها

ويتفرَّع عن ذلك: لو أن رجلًا قام يصلي صلاة نافلة، ثم ذكر شغلًا، أو سمع قارعًا يقرع الباب، أو سمع صوت الهاتف، فنوى قطع الصلاة فإن صلاته تبطل؛ لعموم قول النبي : إنـما الأعمال بالنيات، وإنـما لكل امرئٍ ما نوى [4]، وهذا قد نوى قطع صلاته فانقطعت وبطلت.

ولكن إذا تردَّد في قطع النية، ولـم يعزم عليه، ففي مثالنا السابق: لو كان يصلي صلاة نافلة، وسمع قارعًا يقرع الباب، أو سمع صوت الهاتف، فتردد: هل يقطع صلاته أم يستمر فيها، فهل تبطل صلاته بـهذا التردد في النية؟

هذا محل خلافٍ بين الفقهاء:

  • فمنهم من قال: صلاته تبطل في هذه الحال؛ لأن استدامة النية في الصلاة شرطٌ لصحتها، ومع التردد لا يبقى مستديـمًا.
  • وقال بعض الفقهاء: لا تبطل الصلاة في هذه الحال بالتردد في قطع النية؛ لأن الأصل بقاء النية.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “إن تردد في قطعها فقال ابن حامد: لا تبطل؛ لأنه دخل فيها بنيةٍ مُتيقَّنة، فلا يزول بالشك والتردد كسائر العبادات، وقال القاضي: يحتمل أن تبطل، وهو مذهب الشافعي؛ لأن استدامة النية شرطٌ، ومع التردد لا يبقى مستديـمًا لها أشبه إذا نوى قطعها”.

والأقرب -والله تعالى أعلم- هو أن الصلاة لا تبطل بالتردد؛ لأن الأصل بقاء النية؛ ولأنه دخل الصلاة بنيةٍ مُتيقَّنة، فما دام أنه لـم يعزم على قطعها؛ فالأصل أنه باقٍ على نيته.

أيها الإخوة، هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 2985.
2 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
3 رواه مسلم: 389.
4 سبق تخريجه.

مواد ذات صلة