|

(119) صلاة الضحى

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

لا يزال الحديث موصولًا عن صلاة التطوُّع: وحديثنا عن صلاة الضحى.

فضل صلاة الضحى وحكمها

وقد وردت أحاديث كثيرة النبي  في الحثِّ على صلاة الضحى.

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله: “جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى في جزءٍ مفرد”.

وبلغ عدد رواة الحديث نحو عشرين نفسًا من الصحابة، ومـما ورد في ذلك:

ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة  قال: “أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام” [1].

وفي (صحيح مسلمٍ) عن أبي الدرداء  قال: “أوصاني حبيبي بثلاثٍ لن أدعهنَّ ما عشت: بصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وصلاة الضحى، وبألَّا أنام حتى أُوتِر” [2].

وفي (صحيح مسلمٍ) أيضًا عن أبي ذرٍّ : عن النبي قال: يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة والسُّلامَى: هي العظام المنفصل بعضها عن بعض، ثم قال: فكل تسبيحةٍ صدقة، وكل تحميدةٍ صدقة، وكل تـهليلةٍ صدقة، وكل تكبيرةٍ صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونـهيٌ عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى [3].

وهذا الحديث من أظهر الأدلة على أن سنة الضحى سنةٌ مطلقة، وفيه ردٌ على من قال: إنـها سنةٌ تفعل أحيانًا، ولا يُداوَم عليها، أو أنَّـها سنةٌ لا تفعل إلا لسببٍ من الأسباب، فإن قوله عليه الصلاة والسلام: يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة [4]، وفي روايةٍ عند مسلم: خلق الإنسان على ستين وثلاثـمائة مفصل، على كل مفصلٍ صدقة [5].

والمعنى: أنه مطلوبٌ من الإنسان كل يومٍ ثلاثـمائة وستون صدقة، بعدد مفاصل عظامه، شكرًا لنعمة الله تعالى، وهذه الصدقات لا تنحصر في صدقة المال، بل كل ما يُقرِّب إلى الله تعالى فهو صدقة.

ولذلك قال: فكل تسبيحةٍ صدقة، وكل تحميدةٍ صدقة، وكل تـهليلةٍ صدقة، وكل تكبيرةٍ صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونـهيٌ عن المنكر صدقة [6].

ويجزئ عن هذه الصدقات كلها الثلاثـمائة والستين، ركعة الضحى؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى وهذا يدل على فضل ركعتي الضحى، وأنـها تجزئ عن ثلاثـمائة وستين صدقة، ومعلومٌ أن أكثر الناس لا يستطيعون أن يأتوا بهذه الصدقات كلها، الثلاثـمائة والستين، فيجزئ عنها ركعة الضحى.

وهذا دليلٌ على أنـها سنةٌ مطلقةٌ دائمًا، أي: يسنُّ أن يأتي بـها كل يوم؛ ولهذا أوصى النبي  بـها أبا هريرة وأبا الدرداء، ولـم يقل: صلها أحيانًا، بل أوصاهما بـها وصيَّةً مطلقة.

وأما ما ورد في بعض الأحاديث من أن النبي  كان لا يداوم على صلاة الضحى، فإن ذلك لا ينفي استحبابـها، أو استحباب المداومة عليها، فإنه عليه الصلاة والسلام كما تقول عائشة رضي الله عنها: “كان يدع العمل وهو يحب أن يعمل به؛ خشية أن يفرض على أمته”.

وقد أخبر عليه الصلاة والسلام: بأن أفضل الصيام أعني: صيام التطوع، صيام داود ، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا [7]، ومعلومٌ من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لـم يكن يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وإنـما كان يصوم حتى يقول القائل: لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا يصوم.

قال ابن دقيق العيد رحمه الله: “عدم مواظبته عليه الصلاة والسلام على فعلها، لا ينافي استحبابـها؛ لأنه حاصلٌ بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلة القول والفعل، لكن ما واظب النبي  على فعله، مُرجَّحٌ على ما لـم يواظب عليه”.

عدد ركعاتها

وأقل صلاة الضحى ركعتان؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي ذر السابق: ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى.

ولأن الركعتين هما أقل ما يشرع في الصلوات غير الوتر، فلا يسن للإنسان أن يتطوع بركعة، ولا يشرع له ذلك إلا في الوتر خاصة؛ ولهذا قال النبي للرجل الذي دخل وهو يخطب يوم الجمعة، قال: قم فصلِّ ركعتين وتـجوَّز فيهما [8]، ولو كان يشرع شيءٌ أقل من ركعتين لأمر به، من أجل أن يستمع الخطبة؛ ولهذا أمره النبي  أن يتجوَّز في الركعتين.

وأما أكثرها: فقد قال بعض أهل العلم: إن أكثرها ثـمان ركعاتٍ بأربع تسليمات.

واستدلوا بـما جاء في الصحيحين عن أم هانئ رضي الله عنها: “أن النبي دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل وصلى ثـماني ركعات” [9]، قالوا: وهذا أكثر ما ورد من فعله عليه الصلاة والسلام في صلاة الضحى.

والراجح -والله تعالى أعلم- أنه لا حدَّ لأكثر صلاة الضحى؛ لعدم الدليل الصريح الدال على تحديد أكثرها بحد معيَّـن.

ولهذا جاء في (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان النبي يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله” [10]؛ ولـم تُقيِّد ذلك بعددٍ معيَّـن.

وأما صلاة النبي ثـماني ركعاتٍ، كما في حديث أم هانئ، فقد قال بعض أهل العلم: إن هذه الصلاة ليست صلاة ضحى، وإنـما هي سنة الفتح، قالوا: ولهذا يُستحب للقائد إذا فتح بلدًا أن يصلي ثـماني ركعات شكرًا لله تعالى، وقد صلاها خالد بن الوليد  في بعض فتوحه.

ثم على تقدير أنـها صلاة ضحى، فإن هذه قضية عين، فاقتصاره عليه الصلاة والسلام على ثـمان ركعات لا يستلزم عدم مشروعية الزيادة عليها؛ ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها في الحديث السابق: “كان النبي  يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله”.

وقت صلاة الضحى

وأما وقت صلاة الضحى: فهو من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، أي: من بعد طلوع الشمس بنحو عشر دقائق تقريبًا، إلى قُبَيل وقت الزوال، وإنـما قلنا: إلى قبيل وقت الزوال، ولـم نقل: إلى الزوال؛ لأن ما قُبَيل وقت الزوال هو وقت نـهي، ينهى فيه عن الصلاة.

كما جاء في حديث عقبة بن عامرٍ ، قال: “ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله ينهانا أن نصلي فيهنَّ، أو أن نقْبِـرَ فيهنَّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تـميل الشمس، وحين تَضَيَّف الشمس للغروب حتى تغرب”. [11].

وقائم الظهيرة يكون قُبَيل الزوال بنحو عشر دقائق تقريبًا.

وأفضل وقتٍ تُفعَل فيه صلاة الضحى: هو آخر وقتها.

لِمَا جاء في (صحيح مسلمٍ) عن زيد بن أرقم : “أنه رأى قومًا يصلون من الضحى، فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله قال: صلاة الأوابين حين تَرْمَض الفِصَال [12]، ومعنى: تَرْمَض الفِصَال أي: تقوم من شدة حرِّ الرمضاء.

قال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: “قوله : صلاة الأوابين حين تَرْمَض الفِصَال هو بفتح التاء والميم، يُقال: رَمِض يَرْمَضُ، كعَلِم يَعلَمُ، والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس، والفِصال: الصغار من أولاد الإبل، جمع: فصيل، والأواب: المطيع.

قال: وفيه فضيلة الصلاة في هذا الوقت، وهو أفضل وقت صلاة الضحى”.

أخي الكريم، وصية النبي لبعض أصحابه بصلاة الضحى هي وصيةٌ للأمة جميعًا، فاحرص على المـحافظة على هذه السنة؛ فإنك إن حافظت عليها في سنةٍ واحدةٍ، تكون قد صلَّيت لله تعالى أكثر من سبعمائة ركعة، والموفق من وفقه الله تعالى.

وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 1981، ومسلم: 721.
2 رواه مسلم: 722.
3, 4, 6 رواه مسلم: 720.
5 رواه مسلم: 1007.
7 رواه البخاري: 1131، ومسلم: 1159.
8 رواه مسلم: 875.
9 رواه البخاري: 1176.
10 رواه مسلم: 719.
11 رواه مسلم: 831.
12 رواه مسلم: 748.

مواد ذات صلة