logo
الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(130) أحكام صلاة الجماعة- ما تُدرك به الجماعة

(130) أحكام صلاة الجماعة- ما تُدرك به الجماعة

مشاهدة من الموقع

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

مسألة: ما تُدرك به الجماعة

هل تدرك بإدراك جزءٍ منها: بأن يُكبِّـر قبل سلام الإمام، أو أنَّـها لا تُدرَك إلا بإدراك ركعة؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين مشهورين:

  • القول الأول: أن الجماعة تدرك بإدراك جزءٍ من الصلاة، كمن كبَّـر قبل سلام إمامه، فقد لحق بالجماعة، وإليه ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة.
    واستدلوا بـما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة : أن النبي قال: إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتـمُّوا [1].
    قالوا: فدلَّ الحديث بإطلاقه على أن من أدرك جزءً من الصلاة، فإنه يكون مدركًا للصلاة؛ ولأنه قد أدرك جزءً من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة.
  • القول الثاني: أن الجماعة إنـما تُدرك بإدراك ركعةٍ كاملة، وإليه ذهب المالكية.
    واستدلوا بـما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة : أن النبي قال: من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة [2]، وهذا الحديث يدل بـمنطوقه على أن من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة، ويدل بـمفهومه على أن من أدرك دون ذلك، فإنه لَـم يدرك الصلاة.
    ويدل لذلك من جهة القياس: أنه لو أدرك في الجمعة أقل من ركعة؛ فقد فاتته الجمعة ويتمها ظهرًا، فإذا كانت الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة، فكذلك الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة.

وهذا القول الأخير وهو أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة هو القول الراجح في هذه المسألة -والله تعالى أعلم-، وقد اختاره جمعٌ من المـحققين من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى على الجميع.

وأما ما استدلَّ به الجمهور من حديث أبي هريرة: فما أدركتم فصلوا فإنه ليس بصريح الدلالة في أن الجماعة تدرك بإدراك جزءٍ من الصلاة، وحديث أبي هريرة: من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة أصرح دلالةً منه، في أن الجماعة إنـما تدرك بإدراك ركعة.

وأما قياس إدراك ما دون الركعة على إدراك الركعة، فقياسٌ مع الفارق؛ لأن أدراك الركعة أكبر وأكثر من إدراك ما دون الركعة، والأقل لا يُقاس على الأكبر والأكثر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “والصحيح هو القول بأن الجماعة إنـما تدرك بإدراك ركعة، وذلك لوجوه:

  • الوجه الأول: أن قدر التكبيرة لَـم يُعلِّق به الشارع شيئًا من الأحكام، لا في الوقت، ولا في الجمعة، ولا الجماعة ولا غيرها، فهو وصفٌ مُلغى في نظر الشارع، فلا يجوز اعتباره.
  • الثاني: أن النبي إنـما علَّق الأحكام بإدراك الركعة، فتعليقها بالتكبيرة إلغاءٌ لِمَا اعتبره، واعتبارٌ لِمَا ألغاه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : إذا أدرك أحدكم ركعةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمَّ صلاته، وإذا أدرك ركعةً من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتمَّ صلاته [3].
    وأما ما في بعض طرقه: إذا أدرك أحدكم سجدة [4]؛ فالمراد بـها الركعة التامَّة، كما في اللفظ الآخر؛ ولأن الركعة التامة تسمى باسم الركوع، فيقال: ركعة، وباسم السجود فيقال: سجدة، وهذا كثيرٌ في ألفاظ الحديث، مثل هذا الحديث وغيره.
  • الثالث: أن النبي علَّق الإدراك مع الإمام بركعة، وهو نصٌّ في المسألة، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة : عن النبي قال: من أدرك ركعةً من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة [5]، وهذا نصٌ رافعٌ للنزاع.
  • الوجه الرابع: أن الجمعة لا تُدرَك إلا بركعة، كما أفتى به أصحاب رسول الله ، منهم ابن عمر، وابن مسعود، وأنس وغيرهم، ولا يُعلَم لهم في الصحابة مُخالف، وقد حكا غير واحدٍ أن ذلك إجماع الصحابة، والتفريق بين الجمعة والجماعة غير صحيح.
  • الوجه الخامس: أن ما دون الركعة لا يُعتد به من الصلاة، فإنه يستقبلها جميعها منفردًا، فلا يكون قد أدرك مع الإمام شيئًا يحتسب له به، فلا يكون قد اجتمع هو والإمام في جزءٍ من أجزاء الصلاة يُعتدُّ له به، فتكون صلاته جميعًا صلاة منفرد.

يوضح هذا: أنه لا يكون مدركًا للركعة إلا إذا أدرك الإمام في الركوع، وإذا أدركه بعد الركوع لَـم يعتدَّ له بـما فعله معه، مع أنه قد أدرك معه القيام من الركوع والسجود، وجلسة الفصل، ولكن لـمَّا فاته معظم الركعة، وهو القيام والركوع؛ فاتته الركعة.

فكيف يقال مع هذا: إنه قد أدرك الصلاة مع الجماعة، وهو لَـم يدرك معهم ما يُحتسب له به؟! فإدراك الصلاة بإدراك الركعة، نظير إدراك الركعة بإدراك الركوع؛ لأنه في الموضعين قد أدرك ما يُعتدُّ له به، وإذا لَـم يدرك من الصلاة ركعةً؛ كان كمن لَـم يدرك الركوع مع الإمام في فوت الركعة؛ لأنه في الموضعين لَـم يدرك ما يحتسب له به، وهذا من أصح القياس”.

ما يترتب على أنها إنـما تدرك بركعة؟

وترجيح هذا القول: وهو أن الجماعة إنـما تدرك بإدراك ركعة يترتب عليه مسائل:

منها: أنه إذا أتى رجلٌ مسجدًا وقد رفع الإمام من الركوع في الركعة الأخيرة، وكان يرجو وجود جماعةٍ أخرى، فإنه لا يدخل مع الإمام، وإنـما ينتظر حتى يصلي مع الجماعة التي يرجوها؛ لأنه لو دخل مع الإمام في هذه الحال، يفوته فضل الجماعة، لكنه إذا انتظر ثم صلى مع الجماعة التي يرجوها، فقد أدرك الجماعة، لكن إذا كان لا يرجو وجود جماعةٍ أخرى، فإنه يدخل مع الإمام؛ لأن كونه يدخل مع الإمام في هذه الحال، فيدرك جزءًا من الصلاة، خيرٌ من كونه يصلي منفردًا.

ولكن إذا صلى منفردًا لكونه لا يرجو وجود الجماعة، ثم في أثناء صلاته أحس بجماعةٍ تصلي، فإن الأفضل في حقه في هذه الحال، أن يقلب صلاته إلى نفل، فيتمها ركعتين خفيفتين، ثم يلتحق بالجماعة الجديدة؛ لأجل أن يدرك معهم فضل الجماعة.

ومـمَّا يترتب على ترجيح هذا القول من المسائل: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “من أن المسافر إذا ائتـمَّ بـمُقِيمٍ، ولَـم يدرك معه إلا أقل من ركعة؛ فإن المسافر يقصر صلاته، ولا يلزمه إتـمامُها؛ لأنه إذا لَـم يدرك معه إلا أقل من ركعة، فصلاته في الحقيقة صلاة منفرد، فيصليها مقصورة، ولكن إذا أدرك معه ركعةً فأكثر، فيلزمه إتـمام الصلاة؛ لقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما لـمَّا سئل: ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين، وإذا ائتمَّ بـمقيمٍ صلى أربعًا؟ قال: تلك السنة”.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بـما علَّمنا، وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 636، ومسلم: 602.
^2 رواه البخاري: 580، ومسلم: 607.
^3 رواه البخاري: 556، ومسلم: 608.
^4 رواه البخاري: 556.
^5 رواه مسلم: 607.
مواد ذات صلة
zh