الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(145) أحكام صلاة الجمعة- أحكام متعلقة بخطبة الجمعة
|

(145) أحكام صلاة الجمعة- أحكام متعلقة بخطبة الجمعة

مشاهدة من الموقع

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

لا يزال الحديث موصولًا عن أحكام صلاة الجمعة، وكان آخر ما تحدثنا عنه شروط صلاة الجمعة، وذكرنا أن من شروطها تقدُّم الخطبتين، ونستكمل في هذه الحلقة الحديث عن الأحكام والمسائل المتعلقة بخطبة الجمعة، فأقول وبالله التوفيق:

أحكام متعلقة بخطبة الجمعة

سلام الخطيب على الناس

يُسنُّ للخطيب إذا صعد المنبر أن يسلّم على الناس، ويدل لذلك ما جاء في سنن ابن ماجه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما “أن النبي كان إذا صعد المنبر سلّم” [1]، وهذا الحديث وإن كان في سنده مقالٌ إلا أنه قد جرى عليه عمل الخلفاء الراشدين من بعد النبي ، بل قد حُكي الإجماع عليه.

ولكن لو أن الخطيب مرّ بأناسٍ قبل صعوده المنبر فيُشرع أن يسلِّم عليهم، فيكون للخطيب حينئذ سلامان:

  • الأول: إذا دخل المسجد سلّم على من يمرُّ به.
  • الثاني: إذا صعد المنبر يسلّم تسليمًا عامًا على جميع المصلين.

الخطبة على المنبر أو موضع عال

والسنة أن يخطب على منبرٍ أو موضعٍ عالٍ؛ لأن ذلك أبلغ في إيصال الخطبة إلى الناس، حتى مع وجود مكبرات الصوت في الوقت الحاضر؛ وذلك لأن الخطبة على المنبر أو الموضع المرتفع مع كونها أبلغ في إيصال الخطبة إلى الناس فإنها كذلك أكثر تأثيرًا؛ لأن تأثر السامع إذا رأى المتكلِّم أبلغ من تأثره وهو لا يراه.

قال البخاري في صحيحه: “بابٌ الخطبة على المنبر”، وقال أنس : “خطب النبي على المنبر”، ثم ساق البخاري بسنده عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: “كان جذعٍ يقوم إليه النبي ، فلما وضِع له المنبر سمعنا للجذع مثل صوت العشار حتى نزل النبي فوضع يده عليه” [2]، قال الخطابي: “العشار: الحوامل من الإبل إذا قاربت الولادة”.

وفي رواية أخرى عند البخاري عن جابر رضي الله عنهما: “أن النبي كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة صاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي فضمّه إليه يئن أنين الصبي الذي يُسكّن، قال: كانت -أيْ النخلة- تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها” [3].

وجاء في حديث بريدة رضي الله عنه عند الدارمي أن النبي قال لهذا الجذع: اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، يعني قبل أن تصير جذعًا، وإن شئت أن أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها فيحسن نبتك وتُثمر، فيأكل منك أولياء الله؟ فقال النبي : اختار أن أغرسه في الجنة [4].

وجاء في رواية ابن خزيمة من حديث أنس  أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة؛ حُزنًا على رسول الله ، ثم أمر به فدُفِن [5]،

ونقل الحافظ ابن حجر عن الحسن البصري رحمه الله أنه كان إذا حدث بهذا الحديث قال: “يا معشر المسلمين! الخشبة تحنُّ إلى رسول الله شوقًا إلى لقائه؛ فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه”.

قال الحافظ ابن حجر: “وفي هذا الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله تعالى لها إدراكًا كالحيوان، بل كأشرف الحيوان”.

أن يخطب الخطيب قائمًا

والسنة للخطيب أن يخطب قائمًا؛ لقول الله تعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا [الجمعة:11]، وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة : “أن رسول الله كان يخطب قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمن نبّأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب” [6].

حكم اعتماد الخطيب على سيف أو عصا

واستحب بعض العلماء أن يعتمد الخطيب على سيفٍ أو قوسٍ أو عصا؛ لحديث الحكم بن حزن رضي الله عنه قال: “شهدنا الجمعة مع رسول الله فقام متوكئًا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه” [7]، وهذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه؛ قال الحافظ ابن حجر: “إسناده حسن”.

ويرى بعض العلماء أن الاعتماد على السيف لا أصل له، وأما الاعتماد على العصا أو القوس فإنما يكون عند الحاجة، فإذا احتاج الخطيب إلى الاعتماد على العصا مثل أن يكون ضعيفًا أو كبيرًا في السن فيكون سنة؛ لأن ذلك يعينه على القيام وما أعان على سنة فهو سنة، أما إذا لم يكن هناك حاجةٌ للاعتماد على العصا فلا يقال إن الاعتماد على العصا في الخطبة سنة.

وهذا القول الأخير لعله هو الأقرب في هذه المسألة والله أعلم، ويدل لذلك أن ظاهر الروايات المروية عن النبي في اعتماده على العصا أثناء الخطبة إنما كانت قبل اتخاذه المنبر لحاجته إلى الاعتماد على العصا في هذه الحال، أما بعد اتخاذه المنبر فلم يُحفظ عنه  أنه كان يعتمد على عصا.

قال ابن القيم رحمه الله: “ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوسٍ أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصا، ولم يُحفَظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجُهَّال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، وأن ذلك إشارةٌ إلى أن الدين قام بالسيف فمن فَرَطِ جهله؛ فإنه لا يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيفٍ ولا قوسٍ ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفًا البتة، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس”.

والحاصل أيها الإخوة المستمعون: أن الاعتماد على العصا في خطبة الجمعة إنما يُستحب لمن يحتاج إليها؛ إما لضعفٍ أو لكِبر سنٍ ونحو ذلك، وأما من لا يحتاج إلى الاعتماد على العصا فليس ذلك بمستحب، والله تعالى أعلم.

حكم الالتفات أثناء الخطبة

واستحب العلماء للخطيب أن يقصد تلقاء وجهه، ولا يلتفت أثناء الخطبة لا يمينًا ولا شمالًا، وقد نص كثيرٌ من العلماء على كراهة التفات الخطيب أثناء الخطبة، بل حُكي الاتفاق على ذلك.

قال النووي رحمه الله: “اتفق العلماء على كراهة الالتفات أثناء خطبة الجمعة، وهو معدودٌ من البدع المنكرة”.

وقول النووي عن هذا الالتفات إنه من البدع المنكرة لعله يقصد أمرًا كان موجودًا في بعض الأزمنة، من أن الخطيب كان إذا صلى على النبي التفت يمينًا وشمالًا، لكن الالتفات أثناء الخطبة مكروهٌ عمومًا في قول عامة أهل العلم.

حكم استقبال المأمومين للخطيب بوجوههم

والمشروع لمن يستمع الخطبة أن يستقبل الخطيب بوجهه قال البخاري في صحيحه: “بابٌ يستقبل الإمام القوم، واستقبال الناس الإمام إذا خطب”، واستقبل ابن عمر وأنس  الإمام، ثم ساق البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري : “أَنَّ النَّبِيَّ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله” [8].

واستقبال المأمومين للخطيب بوجوههم من السنن التي أغفلها كثيرٌ من الناس اليوم.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “ومن حكمة استقبالهم الإمام التهيؤ لسماع كلامه، وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وقلبه وحضور ذهنه كان أدعى لتفهُّم موعظته”.

حكم تحريك الخطيب يديه في الخطبة

وهل من السنة أن يحرّك الخطيب يديه عند الانفعال؟

الجواب: ليس من السنة أن يحرّك الخطيب يديه في خطبة الجمعة، ولكن يشير في الخطبة بأصبعه عند الدعاء، أما في غير خطبة الجمعة فلا بأس أن يتحرّك الخطيب بحركات تناسب الجمل التي يتكلم بها، أما خطبة الجمعة فإن المغلّب فيها التعبُّد فلا يُشرع فيها إلا ما ورد عن النبي ، ولهذا أنكر الصحابة على بشر بن مروان حين رفع يديه في الدعاء، مع أن الأصل في الدعاء رفع اليدين؛ كما جاء في صحيح مسلم عن عمارة بن رؤيبة: أنه لما رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، يعني عند الدعاء، فقال: “قبّح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبِّحة” [9].

حكم رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة

رفع اليدين عند الدعاء في خطبة الجمعة لا يُشرع لا للخطيب ولا للمأمومين، ولكن يُستثنى من ذلك الاستسقاء فقط، فإذا استسقى الخطيب؛ فالسنة أن يرفع يديه ويرفع المأمومون أيديهم، وما عدا الاستسقاء يدعو الخطيب من غير رفع اليدين.

أسأل الله تعالى أن يوفقني وإياكم لاتباع سنة نبيه ، وأن يرزقنا العلم النافع، والفقه في الدين.

وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه ابن ماجه: 1109.
2 رواه البخاري: 918.
3 رواه البخاري: 3584.
4 رواه الدارمي: 33.
5 رواه الدارمي: 42.
6 رواه مسلم: 862.
7 رواه أبو داود: 1096.
8 رواه البخاري: 921.
9 رواه مسلم: 874.

مواد ذات صلة