الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(225) أحكام المناسك- تعريفها وحكم الحج والعمرة
|

(225) أحكام المناسك- تعريفها وحكم الحج والعمرة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين:

تعريف المناسك

المناسك: جمع مَنْسَك، وهو التعبُّد، يقال: تَنسَّك فلانٌ، أي: تعبَّد، وغلب إطلاقها على أفعال الحج لكثرة أنواعها، ومراد الفقهاء بالمناسك عند الإطلاق: الحج والعمرة.

والحج لغةً: القصد.

شرعًا: التعبُّد لله تعالى بأداء المناسك على ما جاء في السنة.

والعمرة في اللغة معناها: الزيارة.

وشرعًا: زيادة البيت على وجهٍ مخصوص.

حكم الحج والعمرة

والحج أحد أركان الإسلام الخمسة، قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97].

وقال النبي : بني الإسلام على خمس [1]؛ وذكر منها: حج بيت الله الحرام.

وأما العمرة: فقد اختلف العلماء في حكمها:

  • فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّـها واجبة.
  • وذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّـها سنة.
  • وقال بعض العلماء: إنـها تجب على الآفاقي دون المكي، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد.

وأقرب الأقوال في هذه المسألة -والله تعالى أعلم- هو القول الأول: وهو أن العمرة واجبة.

ويدل لهذا: حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: قالت: “يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم، عليهنَّ جهادٌ لا قتال فيه: الحج والعمرة [2]، رواه أحمد، وابن ماجه؛ بسندٍ صحيح.

وقوله عليه الصلاة والسلام: عليهنَّ ظاهرٌ في الوجوب؛ لأن (على) من صيغ الوجوب، كما هو مقرر عند الأصوليين، وإذا ثبت هذا في حق النساء، فالرجال أولى.

وعن أبي رُزَين العقيلي : “أنه أتى النبي ، فقال: يا رسول الله، إن أبي شيخٌ كبيرٌ، لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الضَّعْن -أي: الركوب على الراحلة- فقال النبي : حجَّ عن أبيك واعتمر [3]، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وقال الترمذي: “حديثٌ حسنٌ صحيح”.

وقد اختار هذا القول -أعني: القول بوجوب العمرة- البخاري في صحيحه، حيث بوّب عليه بقوله: “بابٌ: وجوب العمرة وفضلها”، قال: وقال ابن عمر رضي الله عنهما: “ليس أحدٌ إلا وعليه حجةٌ وعمرة” [4].

وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: “إنـها لقرينتها في كتاب الله ​​​​​​​: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، وقال الحافظ ابن حجر: “الضمير في قوله: “لقرينتها” للفريضة، وكان أصل الكلام أن يقول: لقرينته؛ لأن المراد الحج” ثم ساق البخاري بسنده عن أبي هريرة : أن رسول الله قال: العمرة إلى العمرة كفارةٌ لِمَا بينهما، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة [5].

عمرات النبي

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: “وقد اعتمر النبي  أربع عُمَر، كلهنَّ في ذي القعدة:

  • الأولى: عمرة الحديبية، وهي أولاهنَّ سنة ست، فصده المشركون عن البيت، فنحر البدن حيث صُدَّ بالحديبية، وحلق هو وأصحابه رؤوسهم، وحلُّوا من إحرامهم، ورجع من عامه إلى المدينة.
  • الثانية: عمرة القضية في العام المقبل، أي: في السنة السابعة، دخل مكة فأقام بـها ثلاثًا، ثم خرج بعد إكمال عمرته.

واختُلف: هل كانت قضاءً للعمرة التي صُدَّ عنها في العام الماضي، أم عمرةً مستأنفة؟

على قولين للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد:

  1. إحداهما: أنَّـها قضاء، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله.
  2. والثانية: ليست بقضاء، وهو قول مالك رحمه الله.

والذين قالوا: كانت قضاءً، احتجوا بأنـها سميت: عمرة القضاء، وهذا الاسم تابعٌ للحكم، وقال آخرون: القضاء هنا من المقاضاة؛ لأنه قاضى أهل مكة عليها، لا أنه من: قضى قضاءً، قالوا: ولهذا سميت: عمرة القضية، قالوا: والذين صُدُّوا عن البيت كانوا ألفًا وأربعمائة، وهؤلاء كلهم لَـم يكونوا معه في عمرة القضية، ولو كانت قضاءً لَـم يتخلف منهم أحد.

قال ابن القيم: وهذا القول أصح؛ لأن رسول الله  لَـم يأمر من كان معه بالقضاء.

  • عمرة النبي  الثالثة: عمرته التي قرنـَهَا مع حجته، فإنه كان قارنًا لبضعة عشر دليلًا.
  • الرابعة: عمرته من الجِعِرَّانة، فإنه لـمَّا خرج من حُنين، ثم رجع إلى مكة، اعتمر منها داخلًا ليلًا.

ففي الصحيحين عن أنس بن مالك  قال: “اعتمر رسول الله أربع عُمَر كلهنَّ في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته، عمرةٌ من الحديبية، أو: زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرةٌ من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرةٌ من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرةٌ مع حجته” [6].

قال ابن القيم: “فأما قول عبدالله بن عمر: إن النبي اعتمر أربعًا إحداهنَّ في رجب” قال: “فوهمٌ منه ، قالت عائشة لـمَّا بلغها ذلك: يرحم الله أبا عبدالرحمن، ما اعتمر رسول الله عمرةً قط إلا وهو شاهد -أي: حاضر- وما اعتمر في رجب قط” [7].

قال: “ولا خلاف في أن عُمَرَه لَـم تزد على أربع، فلو كان قد اعتمر في رجب، لكانت خمسًا”.

وجوب الحج

ويشترط لوجوب الحج خمسة شروط، ويـمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف:

  • الصنف الأول: شروط الوجوب والصحة.
  • الصنف الثاني: شروط الوجوب والإجزاء دون الصحة.
  • الصنف الثالث: شروط الوجوب دون الإجزاء.

أولًا: شروط الوجوب والصحة

أما الصنف الأول، وهي: شروط الوجوب والصحة، فهي: الإسلام والعقل.

ومعنى كونـها شروطًا للوجوب والصحة: أنه لا يجب الحج على غير المسلم، وغير العاقل، ولا يصح منهما لو حجَّا، فلا يجب الحج على الكافر؛ لأن الكافر لا تصح منه العبادة؛ لقول الله : وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54] لكنه مع ذلك معاقبٌ على ترك هذه العبادة؛ لقول الله عن المـجرمين: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:42-43] إلى قوله: وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:46]؛ فعوقبوا على ترك الصلاة مع أنَّـهم كفار، وهكذا يعاقبون على ترك الحج وسائر العبادات.

وأما شرط العقل: فلأن المـجنون مرفوعٌ عنه القلم؛ لقول النبي : رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم: المـجنون حتى يفيق [8]؛ ولأن المـجنون لا يعقل النية، والحج عبادةٌ تحتاج إلى القصد.

ثانيًا: شروط الوجوب والإجزاء دون الصحة

وأما الصنف الثاني: وهي شروط الوجوب والإجزاء دون الصحة: فهي البلوغ، وكمال الحرية.

ومعنى كونـها شروطًا للوجوب والإجزاء: أنه لا يجب الحج على غير البالغ والرقيق، ولا يجزئهما عن حجة الإسلام؛ لكنه يصح منهما إذا حجا، أما كونه لا يجب الحج على الصبي؛ فلأنه غير مكلف؛ لقول النبي في الحديث السابق: رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم: الصبي حتى يبلغ [9]، وكذا الرقيق لا يجب عليه الحج؛ لأنه لا مال له، والحج إنـما يجب على المستطيع.

وأما كون الحج لا يجزئ عنهما عن حجة الفريضة: فلحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي قال: أيـما صبيٍّ حجَّ ثم بلغ، فعليه حجةٌ أخرى، وأيـما عبدٍ حج ثم عَتُق، فعليه حجةٌ أخرى [10] أخرجه الشافعي والبيهقي بسندٍ صحيح.

ويصح الحج من الرقيق ومن الصبي، أما الرقيق فلأنه مسلمٌ عاقلٌ بالغٌ، فصح منه الحج، وإن كان لا يجزئه عن حجة الإسلام إذا عَتُق، وأما الصبي فيصح منه الحج، حتى وإن كان غير مُـميِّز؛ لِمَا جاء في (صحيح مسلم) عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: “أن امرأةً رفعت للنبي صبيًا، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولَكِ أجرٌ [11]؛ لكن إن كان الصبي مـميِّزًا أحرم بإذن وليه، وإن كان غير مـميِّز، أحرم عنه وليه فيصير محرمًا بذلك.

ومعنى إحرامه عنه: أن يعقد له الإحرام، سواء كان الولي محرمًا أو حلالًا.

وإن أحرمت عنه أمه صح ذلك؛ لقول النبي في الحديث السابق: ولَكِ أجرٌ ولا يضاف الأجر إليها إلا لكونه تبعًا لها في الأحرام.

ثالثُا: شروط الوجوب دون الإجزاء

وأما الصنف الثالث من شروط وجوب الحج: فهي شرط الوجوب دون الإجزاء، وهي: شرط الاستطاعة.

وهذا الشرط هو المنصوص عليه في قول الله ​​​​​​​: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97].

فما هو ضابط الاستطاعة؟ ومتى يكون المسلم مستطيعًا للحج؟ ومتى يكون غير مستطيع؟

هذا ما سنبينه لاحقًا إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 8، ومسلم: 16.
2 رواه ابن ماجه: 2901، وأحمد: 25322.
3 رواه أبو داود: 1810، والترمذي: 930، وابن ماجه: 2906، والنسائي: 2621، وأحمد: 16184.
4 صحيح البخاري: 3/ 2.
5 رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349.
6 رواه البخاري: 4148، ومسلم: 1253.
7 رواه البخاري: 1776، ومسلم: 1255.
8 رواه أبو داود: 4398، والترمذي: 1423، وابن ماجه: 2041، وأحمد: 940.
9 سبق تخرجه.
10 رواه الطبراني في المعجم الأوسط: 2731، والبيهقي في السنن الكبرى: 8613، والشافعي في مسنده: 743.
11 رواه مسلم: 1336.

مواد ذات صلة