logo

معنى قوله تعالى: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ}

مشاهدة من الموقع

يقول الله ​​​​​​​: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:30].

سليمان بن داود -عليه وعلى أبيه والأنبياء جميعًا الصلاة والسلام- أعطاه الله المُلْك والنُّبوة، وأثنى الله عليه، وجعله مثالًا للغني الشَّاكر.

إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ عُرِضَ على سليمان عليه الصلاة والسلام بالعَشِي -وهو آخر النهار بعد العصر- الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ [ص:31] يعني: الخيل، وكان يُحبها محبةً شديدةً، والصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ أجود أنواع الخيل.

فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32]، أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ يعني: أحبَّ هذه الخيل واشتغل بها حتى فاتته صلاة العصر، وتوارت الشمس بالحجاب يعني: غربت الشمس.

رُدُّوهَا عَلَيَّ [ص:33] يعني: قال: مالٌ تسبب في تفويتي للصلاة لا خير فيه، ولا بركة فيه: رُدُّوهَا عَلَيَّ فَرَدُّوا عليه الخيل: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص:33] ضرب أعناقها، وأمر بأن يُستفاد منها، لكنه فعل ذلك؛ لأنه رأى أن هذه الخيل أَلْهَتْهُ وأشغلته عن الصلاة.

وكما قال الحافظ ابن كثيرٍ رحمه الله: المقطوع أنه لم يفعل ذلك عمدًا -يعني: لم يُؤخِّر الصلاة عمدًا- وإنما وقع ذلك نسيانًا بسبب انشغاله بالخيل.

وقيل: إنه في شرعهم كان سائغٌ تأخير الصلاة لعذرٍ، وكان الاشتغال بالخيل المُعدَّة للقتال في سبيل الله يُعتبر عذرًا.

وقيل غير ذلك، لكن المقطوع به أنه لم يتعمد تأخير الصلاة، لكنه رأى أن هذه الخيل تسببت في تأخيره الصلاة عن وقتها فتخلص منها تمامًا [1].

رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ، يقول الحافظ ابن كثيرٍ رحمه الله: فَعَوَّضَه الله خيرًا منها بالريح، وهي أسرع من الخيل: غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [2].

فينبغي -أيها الإخوة- للمسلم إذا رأى شيئًا من أمور الدنيا يُشْغِله عن طاعة ربه أن يقتدي بنبي الله سليمان في أن يتخلص منه، فلا بارك الله في هذا الشيء الذي يَصُدُّني عن طاعة ربي، والذي يُشْغِلُني عن طاعة ربي.

سليمان عليه الصلاة والسلام كانت الخيل أحبَّ مالٍ إليه، لكن لما رأى أنها أشغلته عن الصلاة أمر بأن تُردَّ عليه، وطفق مَسْحًا بالسُّوق والأعناق.

فأيُّ شيءٍ يُشْغِلك عن طاعة ربك لا خير فيه، ولا بركة فيه، تخلص منه، واشتغل بطاعة ربك، وبما يُقرِّبك إلى ربِّك، وينفعك بعد مماتك.

^1 ينظر "البداية والنهاية" لابن كثير: 2/ 338.
^2 ينظر "البداية والنهاية" لابن كثير: 2/ 340.
مواد ذات صلة