الرئيسية/مقاطع/صنائع المعروف تقي مصارع السوء
|categories

صنائع المعروف تقي مصارع السوء

مشاهدة من الموقع

صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متكأً.

أي: أن صاحب المعروف الذي يكثر الإحسان وبذل المعروف للآخرين، بذله للمعروف يقيه بإذن الله ​​​​​​​ من المصائب ومن النكبات، وإن وقع في مصيبةٍ فإنـها تكون خفيفةً، صاحب المعروف لا يقع، يعني: أن صنائع المعروف تقيه مصارع السوء، وتقيه المصائب الشديدة، فإن وقع في مصيبةٍ؛ تكون خفيفة، لا تكون شديدةً؛ بسبب هذا المعروف، وهذا أمرٌ قد عرفه الناس من قديم الزمان، وعرفوا أن سنة الله جاريةٌ بـهذا؛ ولهذا لـمَّا أتى جبريل  النبي أول ما بُعث، فإنه أول ما بعث نزل عليه جبريل ، وكان نزوله في ليلة القدر، وهذا معنى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، يعني: ابتداء نزول القرآن كان في ليلة القدر، فكان نزول هذه الآيات في ليلة القدر، فأتى جبريل النبي وضمَّه، وقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئٍ، أنا ما أعرف أقرأ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان أميًّا، لا يقرأ ولا يكتب، ثم ضمه الثانية، قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئٍ، ثم ضمه مرةً ثالثةً، قال:  اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ۝الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5] [1]، هذه أول ما نزل من القرآن.

فالنبي كان في غار حراء، وكان هذا ليلًا، وكان المكان أيضًا موحشًا، غار حراء -كما تعرفون- في مكانٍ مرتفعٍ في الجبل، فنزل النبي وهو يرتجف، وذهب إلى من؟ إلى الصدر الحنون، إلى زوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، ويقول: زمِّلونـي، زمِّلونـي، دثِّرونـي، دثِّرونـي، قالت: ما بك؟ فذكر لها ما الذي جرى، ماذا قالت خديجة؟ قالت: كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا!، لماذا قالت: لا يخزيك الله أبدًا؟، استدلت بصنائع المعروف على أن الله تعالى لن يخزيه، ثم ذكرت بعض أمور المعروف التي كان النبي يفعلها، قالت: “كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعِين على نوائب الحق [2]، يعني: ومن كان هذا شأنه؛ فإن سنة الله جاريةٌ بأنه لن يخزيه.

فاستدلت خديجة رضي الله عنها بـما عُلم في سنة الله: أن من يأتي بـهذه الأخلاق وهذا المعروف؛ أن الله تعالى لا يخزيه أبدًا، فحلفت بالله، قالت: “كلا والله”، أقسمَت بالله العظيم: “لا يخزيك الله أبدًا”، لاحِظ التأبيد أيضًا؛ لأنـها تعرف أن هذا من سنة الله تعالى: أن من يأتي بصنائع المعروف؛ لا يخزيه الله ​​​​​​​، ثم ذكرت أمثلةً لصنائع المعروف التي كان النبي يأتي بـها قبل بعثته، ذكرت هذه الصنائع العظيمة من النبي قبل أن يُبعث: كان يصل الرحم، ويحمل الكَلَّ، ويَكسِب المعدوم، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فانظر كيف أن الله تعالى اصطفاه من بين العالمين برسالته، ومن كان كذلك لا يخزيه الله أبدًا؛ فاستدلت خديجة رضي الله عنها بما علمت من سنة الله تعالى، وما علم الناس من سنة الله أن من كان يفعل هذه الاخلاق الكريمة، ويأتي بصنائع المعروف؛ أن الله تعالى لا يخزيه أبدًا.

وقد رزقه الله تعالى هذه الزوجة العظيمة التي جمعت بين العقل وجمال الروح وجمال الظاهر؛ ولهذا كانت قريشٌ يخطبونـها، تزوجت برجلين، وكان كلما أتاها رجلٌ ترده، حتى سـمعت بالنبي ، وأعجبت به، فعلم النبي عليه الصلاة والسلام أنـها ترغب في أن يتزوج بـها، فتزوج بـها، فأكرمته إكرامًا عظيمًا رضي الله عنها وأرضاها.

ومن كمال عقلها: أنـها ذهبت به لورقة بن نوفلٍ، ورقة بن نوفلٍ كان رجلًا نصرانيًّا، لكن كان عالـمًا بالتوراة وعالـمًا بالإنجيل؛ لـمَّا سـمع بالنبي عليه الصلاة والسلام وبالذي جرى له، قال: هذا هو الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، يا ليتني كنت جَذَعًا إذ يخرجك قومك! قال عليه الصلاة والسلام: أوَمُـخرِجيَّ هم؟! قال: نعم، لـم يأت أحدٌ بـمثل ما أتيت به إلا أُوذي وأُخرِج [3]؛ ولذلك اعتبر العلماء أن هذا يعتبر إسلامًا من ورقة؛ لأنه كان يشهد أن لا إله إلا الله، وشهد بأن محمدًا رسول الله، وقال: “إن هذا هو الناموس”، يقصد جبريل ، فاعتبره ابن القيم وجماعةٌ أنه قد أسلم، وأنه معدودٌ من الصحابة ، وترحموا عليه، بل جاء في ذلك بعض الأحاديث عن النبي بشأنه؛ ولذلك هو معدودٌ من الصحابة ، ومن أوائل من أسلم.

فإذنْ صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وهذا قد جاء في حديث رواه الطبراني في “الأوسط”، وحسنه بعض أهل العلم: صنائع المعروف تقي مصارع السوء [4]، وإن كان في سنده مقالٌ، لكن معناه صحيحٌ، وسنة الله تعالى به جاريةٌ في أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، فصاحب المعروف لا يقع، وإن وقع وجد متكأً.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1, ^2, ^3 رواه البخاري: 3، ومسلم: 160.
^4 رواه الطبراني في المعجم الأوسط: 943.
مواد ذات صلة