الرئيسية/مقاطع/هل الزكاة تتعلق بعين المال أو بالذمة؟
|categories

هل الزكاة تتعلق بعين المال أو بالذمة؟

مشاهدة من الموقع

اختلف العلماء: هل الزكاة تتعلق بعين المال، أو بالذمة؟ ثلاثة أقوالٍ:

  1. القول الأول: أنـها تتعلق بعين المال، وهو أحد قولي الشافعي[1]، وإحدى الروايات عن أحمد، وهو المذهب[2]، واستدلوا بقول الله ​​​​​​​: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24]، قالوا: دلت الآية على أن الزكاة تجب في عين المال، وأيضًا يدل لذلك: كتاب أبي بكرٍ  الذي كتبه لأنسٍ ، وجاء فيه: “هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله على المسلمين..” إلى أن قال: “وفي صدقة الغنم في سائـمتها -إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئةٍ- شاةٌ” [3]، قالوا: فأوجب زكاة الغنم في عينها، ولـم يوجبها في الذمة؛ ولأن كل حقٍّ ثابتٍ في الذمة لا يَبطل بتلف المال كالدَّين، فإذا تلف المال بعد الحول من غير تعدٍّ ولا تفريطٍ؛ لـم تجب فيه الزكاة؛ فدل ذلك على أن الزكاة تجب في عين المال.
  2. القول الثاني: أن الزكاة تجب في الذمة، وهو قولٌ للإمام الشافعي في القديم[4]، واستدلوا بحديث أنسٍ السابق، وفيه: “فإذا بلغت خمسًا من الإبل؛ ففيها شاةٌ”، ووجه الدلالة: أنه أوجب شاةً في إخراج خمسٍ من الإبل؛ فدل على أن الزكاة تتعلق بالذمة لا بعين المال؛ لأنـها لو كانت تتعلق بعين المال؛ لوجب أن يكون المـُخرَج من الإبل، لقال مثلًا: بعيرٌ، ولـم يقل: شاةٌ.
  3. القول الثالث، وهو قولٌ وسطٌ بين القولين: أن الزكاة تجب في عين المال ولها تعلقٌ بالذمة، وهذا هو الذي نص عليه صاحب “زاد المستقنع” فقال: “وتجب الزكاة في عين المال، ولها تعلقٌ بالذمة”[5]، قال الزركشي: “والزكاة وإن تعلَّقت بالعين؛ فهي مع ذلك لها تعلقٌ بالذمة قطعًا”[6].

 هذا القول الثالث هو القول الراجح، فهي في الأصل تجب في عين المال، لكن أيضًا لها تعلقٌ بالذمة.

لأننا لو قلنا: إنـها تتعلق بالذمة فقط، وليس لها تعلقٌ بعين المال؛ لكان في هذا إشكالٌ، فيما لو وجبت عليه الزكاة بعد تـمام الحول، وتلف المال من غير تعدٍّ منه ولا تفريطٍ، إذا قلنا: إنـها تتعلق بالذمة فقط؛ لوجب عليه أن يخرج الزكاة، وهذا محل نظرٍ؛ لأن التلف هنا من غير تعدٍّ ولا تفريطٍ، إن قلنا: إنـها تتعلق بعين المال، وليس لها تعلق بالذمة؛ أيضًا في هذا إشكالٌ؛ لأنه يكون تعلقها بعين المال كتعلق الرهن بالعين المرهونة، والإنسان لا يلزمه أن يُخرج الزكاة من عين المال -وإن كان هذا هو الأفضل- بل له أن يخرجها من مالٍ آخر يـملكه.

ولذلك فالقول الراجح: أن الزكاة تتعلق بعين المال، ولها تعلق بالذمة؛ وعلى هذا: فالزكاة في مال الصغير والمجنون تجب، وهو -كما ذكرنا- مأثورٌ عن أكثر الصحابة والتابعين، وهو قول جماهير الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، كما كان عمر  يقول: “اتجروا في أموال اليتامى؛ لا تأكلها الزكاة”، ورُوي هذا مرفوعًا [7]، وأيضًا قال به الإمام أحمد وجماعةٌ من أهل العلم، فالزكاة إذنْ تجب في أموال اليتامى والمـجانين.

ولذلك ينبغي لمن ولي مالًا ليتيمٍ أو مجنونٍ أن ينميه وأن يستثمره؛ لأنه إذا لـم يستثمره؛ فربـما تأكله الزكاة، فلو أن هذا اليتيم خلَّف أبوه له 40 ألفًا، وهذا اليتيم مثلًا عمره سنةٌ، ووليُّ اليتيم يزكي هذا المال؛ معنى ذلك أنه سيزكي في السنة الأولى (1000 ريالٍ)، وفي السنة الثانية (1000) إلا قليلًا، وفي السنة الثالثة كذلك، يعني: ما إن يبلغ هذا الطفل سن البلوغ وسن الرشد؛ إلا وقد أنفق وليُّه على الزكاة منه ما يقارب نصف هذا المال؛ ولهذا ينبغي أن يستثمر هذا المال وأن ينميه.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 الحاوي الكبير للماوردي: (3/ 127-128)، ط دار الكتب العلمية.
^2 الفروع لابن مفلح: (3/ 477)، ط مؤسسة الرسالة.
^3 رواه البخاري: 1454.
^4 الحاوي الكبير للماوردي: (3/ 128).
^5 زاد المستقنع للحجاوي: (ص 73)، ط دار الوطن.
^6 شرح الزركشي: (2/ 463)، ط دار العبيكان.
^7 رواه الطبراني في المعجم الأوسط: 4152.
مواد ذات صلة