الرئيسية/مقاطع/أحكام المحرم للمرأة في الحج
|categories

أحكام المحرم للمرأة في الحج

مشاهدة من الموقع

قال المصنف رحمه الله:

وتزيد الأنثى شرطًا سادسًا[1].

بعضهم يعتبره شرطًا سادسًا، وبعضهم لا يعتبره شرطًا سادسًا، وإنـما يدخلونه في الشرط الخامس، في شرط الاستطاعة، وهذا هو الأقرب.

وهو أن تجد لها زوجًا أو مـحرمًا.

فلو قال المؤلف: أن تجد مـحرمًا؛ لشمل الزوج، فلا داعي لأن يقول: زوجًا أو مـحرمًا؛ فإن محرم المرأة يعرفه الفقهاء بأنه هو زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مباحٍ؛ وعلى هذا: فمحارم المرأة حتى من الرضاع يجوز أن تحج معهم.

قال:

مكلفًا.

يعني: يكون هذا الـمحرم مكلَّفًا، أي: عاقلًا بالغًا، فلا يكون مجنونًا، وهذا ظاهرٌ، أما كونه بالغًا فهذا محل الخلاف.

هل يشترط في الـمحرم أن يكون بالغًا، فلو كان صبيًّا عمره أربع عشرة سنةً، هل يصح أن يكون مـحرمًا؟ 

ذهب الجمهور إلى اشتراط البلوغ؛ وعللوا لذلك: بأن الكفاية إنـما تحصل بـمن كان بالغًا.

وذهب المالكية: إلى أنه لا يشترط البلوغ، وإنـما يشترط حصول الكفاية، فإذا كانت الكفاية تحصل بـمن كان قريبًا من البلوغ؛ فإن ذلك يكفي في المـحرمية، وهذا هو الأقرب والله أعلم.

قال:

وتقدر على أجرته وعلى الزاد والراحلة لها وله.

أي: أنه يشترط في المرأة التي تريد الحج أن تقدر على أجرة الحج لنفسها ولمـحرمها، في وقتنا الحاضر تقدر على أجرة الحج مع حملة حجٍّ أو مع شركة حجٍّ لشخصين: لنفسها، ولمـحرمها.

طيب هل يلزم الزوج أن يحج مع امرأته؟

الجواب: لا يلزمه ذلك؛ لأننا لو ألزمناه بذلك؛ لأوجبنا عليه الحج في العمر أكثر من مرةٍ، والله تعالى إنـما أوجب الحج في العمر مرةً واحدةً، لكنه يستحب له ذلك، ويدخل هذا في حسن المعاشرة، وفي الوفاء، وفي كريـم الأخلاق، لكنه غير واجبٍ عليه.

 طيب هل يجب على أبي المرأة أو أخيها أن يحج بـها؟

الجواب: لا يجب ذلك؛ لأننا لو أوجبنا ذلك؛ لأوجبنا على كل منهما الحج في العمر أكثر من مرةٍ، وهذا خلاف الإجماع، لكن هذا من الإحسان إليها، أن يحج مع هذه المرأة أبوها أو أخوها.

إذا لـم تجد المرأة مـحرمًا؛ لـم يجب عليها الحج، لكن إذا لـم تجد المرأة مـحرمًا ووجدت رفقةً مأمونةً، فهل يجب عليها أن تحج مع هذه الرفقة؟

في هذه المسألة قولان لأهل العلم: 

القول الأول:..، طبعًا هذه المسألة المقصود: هل يحب على المرأة الحج مع الرفقة المأمونة؟

ستأتي مسألةٌ أخرى، وهي: إذا حجت المرأة مع رفقةٍ مأمونةٍ بدون محرمٍ: هل تأثـم أم لا؟ فهما مسألتان: 

لنبدأ بالمسألة الأولى: هذه امرأةٌ لـم تجد مـحرمًا، لكنها وجدت رفقةً مأمونةً، فهل يجب عليها الحج أو لا يجب؟ هل نقول: إنـها معذورةٌ -لكونـها لـم تجد مـحرمًا- وغير مستطيعةٍ، أو نقول: لا، ما دام أنـها قادرةٌ ماليًّا، ووجدت رفقةً مأمونةً، وجدت مثلًا شركة حجٍّ أو حملة حجٍّ مأمونةً، فهل يجب عليها أن تحج؟

في هذه المسألة قولان لأهل العلم:

  • القول الأول: أن المرأة إذا لـم تجد مـحرمًا؛ لـم يجب عليها الحج ولو وجدت رفقةً مأمونةً، وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة، واستدلوا لذلك بعموم الأدلة الدالة على عدم جواز سفر المرأة بغير محرمٍ؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: لا تسافرنَّ امرأةٌ إلا ومعها محرمٌ، فقال رجلٌ: يا رسول الله، إني قد اكتُتِبت في غزوة كذا وكذا، قال: اذهب فحج مع امرأتك [2].
  • القول الثاني: أن المرأة إذا وجدت الرفقة المأمونة؛ فيجب عليها الحج ولو لـم يكن معها محرمٌ، وهذا هو مذهب المالكية والشافعية، واستدلوا لذلك بـما جاء في “صحيح البخاري” أن زوجات النبي عليه الصلاة والسلام حججن بعد موته بدون محرمٍ، وكان القائم عليهن عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف في خلافة عمر [3]، واستدلوا أيضًا بحديث عدي بن حاتمٍ  أن النبي قال له: إنْ طالت بك حياةٌ لتريَنَّ الظَّعينة ترتحل من الحِيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله [4]، فقوله: الظعينة، يقصد: المرأة، يعني: تسير من الحِيرة بالعراق إلى مكة، فهي مسافة سفرٍ بدون محرمٍ.

والأقرب -والله أعلم- هو القول الأول: وهو أن المرأة إذا لـم تجد مـحرمًا؛ لـم يجب عليها الحج حتى لو وجدت الرفقة المأمونة؛ لقوة أدلته؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر ذلك الرجل أن يترك الجهاد الذي قد أصبح في حقه فرض عينٍ؛ لكونه قد اكتُتب، ومع ذلك أمره أن يتركه لكي يكون مـحرمًا لزوجته، فلو لـم يكن وجود الـمحرم واجبًا؛ لـما أمره بترك الجهاد الواجب عليه.

أما حج نساء النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا غاية ما يدل: على الجواز، لكنه لا يدل على وجوب الحج عند وجود الرفقة المأمونة، أما حديث عدي بن حاتمٍ : إن طالت بك حياةٌ؛ لتَرَيَنَّ الظَّعينة، فهذا إخبارٌ عما سيقع، وهذه الإخبارات لا يلزم منها الجواز؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر عن أمورٍ كثيرةٍ ستقع، بعضها محرمٌ وبعضها جائزٌ، فمثلًا قال: ليكوننَّ من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِرَ -يعني الزنا- والحرير، والخمر والمعازف [5]، فأخبر عن أمورٍ محرمةٍ، فالإخبار لا يقتضي الجواز، ولا يقتضي التحريم، وإنـما يؤخذ الجواز والتحريم من أدلةٍ أخرى.

قوله:

فإن حجَّت بلا محرمٍ حرُم وأجزأها.

هذه المسألة الثانية: 

إذا حجت المرأة بدون محرمٍ؛ أجزأها الحج بالإجماع، لكن هل تأثم؟ هل تأثم المرأة إذا حجت مع رفقةٍ مأمونةٍ بدون محرمٍ؟ هذه أيضًا فيها قولان للعلماء:

  • القول الأول: أنـها تأثم، وهو قول الحنفية والحنابلة.
  • والقول الثاني: أنـها لا تأثـم، وهو قول المالكية والشافعية.

والقول الراجح والله أعلم: أن المرأة إذا وجدت رفقةً مأمونةً؛ جاز لها أن تحج معها ولو بدون محرمٍ، وهذا هو الذي فعله زوجات النبي عليه الصلاة والسلام بعد وفاته، حججن بدون محرمٍ، وكان ذلك بـمحضرٍ من الصحابة ، فكان كالإجماع، وهذا اختيار جمعٍ من المـحققين من أهل العلم؛ كابن تيمية رحمه الله تعالى، ولأن المقصود من الـمحرم: هو حفظ وصيانة المرأة، وهذا يتحقق مع الرفقة المأمونة.

وعلى هذا فالقول الراجح: أن من لـم تجد مـحرمًا؛ لا يجب عليها الحج، لكن لو وجدت رفقةً مأمونةً؛ جاز لها أن تحج مع الرفقة المأمونة، ولا تأثم بذلك. 

فعلى هذا: مثلًا بعض الخادمات في الوقت الحاضر لا يجدن محارم، ولو ذهبت لبلدها فاحتمالية أن يأتيها الدور في الحج احتمالٌ ضعيفٌ، فتريد أن تغتنم وجودها هنا، فتحج مع الرفقة المأمونة، نقول: لا بأس بذلك على القول الراجح، هنا تأتي بركنٍ من أركان الإسلام، وعملٍ صالحٍ، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة [6]، فنقول: لا بأس، تحج هذه الخادمة مع رفقةٍ مأمونةٍ في حملةٍ من حملات الحج.

أيضًا بعض النساء قد لا يتيسر لهن الـمحرم؛ ولهذا عائشة استدركت على ابن عمر ، قالت: “يرحم الله أبا عبدالرحمن! وهل كل امرأةٍ تجد مـحرمًا؟! بعض النساء قد لا يتيسر لها المـحرم، إما أنه ليس لها محرمٌ، أو عندها محرمٌ لكنه يرفض أن يحج معها، فإذا وَجدت مثلًا حملة حجٍّ أو شركة حجٍّ مأمونةً؛ فلا بأس أن تحج معهم على القول الراجح.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 دليل الطالب لمرعي الكرمي: (ص 102)، ط دار طيبة.
^2 رواه البخاري: 3006، ومسلم: 1341.
^3 رواه البخاري: 1860.
^4 رواه البخاري: 3595.
^5 رواه البخاري: 5590.
^6 رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349.
مواد ذات صلة