جدول المحتويات
- عَظَمَةُ نِعْمَةِ المَاءِ وَأَهَمِّيَّتُهَا لِلْحَيَاةِ
- وُرُودُ ذِكْرِ المَاءِ فِي القُرْآنِ وَآثَارُهُ المُبَارَكَةُ
- خُطُورَةُ إِلْفِ النِّعْمَةِ وَغَفْلَةِ النَّاسِ عَنْ شُكْرِهَا
- هَدْيُ النَّبِيِّ وَالسَّلَفِ فِي تَرْشِيدِ اسْتِخْدَامِ المَاءِ
- ذَمُّ الإِسْرَافِ فِي كَافَّةِ صُوَرِ وَمَجَالَاتِ الحَيَاةِ
- تَرْبِيَةُ النَّاشِئَةِ وَنَشْرُ الوَعْيِ بِحِفْظِ النِّعَمِ
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ، نَقِيًّا مِنَ الشَّوَائِبِ وَالكَدَرِ، عَمَّ بِهِ البَوَادِيَ وَالحَضَرَ، أَحْمَدُهُ تَعَالَى وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، مَا مِنْ خَيْرٍ إِلَّا دَلَّ أُمَّتَهُ عَلَيْهِ، وَمَا مِنْ شَرٍّ إِلَّا حَذَّرَهَا مِنْهُ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِ وَاتَّبَعَ سُنَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًايُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمً [الأحزاب:70-71]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5].
عَظَمَةُ نِعْمَةِ المَاءِ وَأَهَمِّيَّتُهَا لِلْحَيَاةِ
عِبَادَ اللَّهِ!! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَسْبَغَ عَلَيْنَا نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً مِنَ المَأْكَلِ وَالمَشْرَبِ وَاللِّبَاسِ وَالمَسْكَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34].
وَمِنْ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَيْنَا: نِعْمَةُ المَاءِ الَّذِي نَشْرَبُهُ وَتَقُومُ عَلَيْهِ أُمُورُ حَيَاتِنَا، فَإِنَّهُ مَحْضُ نِعْمَةٍ وَفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ ، مَا جَاءَ بِحَوْلِنَا وَلَا بِقُوَّتِنَا، يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَأَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة: 68-69].
فَالْمَاءُ عِمَادٌ مِنْ أَعْمِدَةِ البَقَاءِ فِي الحَيَاةِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُعْتَبَرُ أَسَاسَهَا وَمِنْ مُقَوِّمَاتِ العَيْشِ عَلَى الأَرْضِ لِجَمِيعِ الكَائِنَاتِ الحَيَّةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30].
وُرُودُ ذِكْرِ المَاءِ فِي القُرْآنِ وَآثَارُهُ المُبَارَكَةُ
وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ المَاءِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المِيَاهِ النَّازِلَةِ ومِنَ السَّمَاءِ أَوْ الخَارِجَةِ مِنَ الأَرْضِ أَوْ المُخْتَزَنَةِ فِيهَا؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ [الزمر: 21]، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ نِعْمَةِ المِيَاهِ وَعَظِيمِ قَدْرِهَا، فَلَوْلَا نِعْمَةُ المَاءِ لَمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ هَذِهِ البَسِيطَةِ إِنْسَانٌ وَمَا عَاشَ حَيَوَانٍ، وَمَا نَبَتَ زَرْعٌ أَوْ شَجَرٌ، فَمِنْهُ تَشْرَبُ المَوَاشِي وَمِنْهُ يَخْرُجُ المَرْعَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَيُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 10-11].
المَاءُ هِبَةُ الخَالِقِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، هَذَا المَاءُ المُبَارَكُ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ جَمِيعُ الكَائِنَاتِ الحَيَّةِ؛ فَلَا غِذَاءَ إِلَّا بِالمَاءِ، وَلَا زِرَاعَةَ وَلَا صِنَاعَةَ إِلَّا بِالمَاءِ، هُوَ الثَّرْوَةُ الثَّمِينَةُ، وَالبِلَادُ الَّتِي بِلَا مَاءٍ تُهْجَرُ وَلَا تُسْكَنُ.
خُطُورَةُ إِلْفِ النِّعْمَةِ وَغَفْلَةِ النَّاسِ عَنْ شُكْرِهَا
عِبَادَ اللَّهِ!! إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَعَوَّدَ وُجُودَ النِّعْمَةِ وَأَلِفَهَا، فَهُمْ عَلَى تَأْثِيرِ هَذَا الإِلْفِ وَهَذِهِ العَادَةِ يَنْسَوْنَ قَدْرَهَا؛ لِأَنَّهَا دَائِمًا حَاضِرَةٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَيَنْسَوْنَ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَالإِنْسَانُ قَدْ لَا يَشْعُرُ بِقَدْرِ وَقِيمَةِ بَعْضِ النِّعَمِ وَيَتَبَلَّدُ إِحْسَاسُهُ حَتَّى إِذَا فَقَدَهَا عَرَفَ قَدْرَهَا، وَنِعْمَةُ المَاءِ لَوْ فُقِدَتْ وَلَوْ لِزَمَنٍ يَسِيرٍ حِينَهَا يَعْلَمُ العَبْدُ عَظِيمَ قَدْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [الملك: 30].
وَكَذَلِكَ أَيْضًا نِعْمَةُ عُذُوبَةِ المَاءِ؛ فَلَوْ كَانَ مِلْحًا أُجَاجًا فَمَنْ يَسْتَسِيغُهُ وَمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ؟ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [الواقعة: 68-70]، فَهِيَ نِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ شُكْرَ اللَّهِ وَحَمْدَهُ.
هَدْيُ النَّبِيِّ وَالسَّلَفِ فِي تَرْشِيدِ اسْتِخْدَامِ المَاءِ
عِبَادَ اللَّهِ!! شُكْرُ نِعْمَةِ المَاءِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الشُّكْرِ بِاللِّسَانِ بَلْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى الشُّكْرِ بِالأَفْعَالِ، وَمِنْ ذَلِكَ الِاقْتِصَادُ وَالتَّرْشِيدُ فِي اسْتِعْمَالِهِ، فَالإِسْرَافُ تَصَرُّفٌ سَيِّئٌ أَخْبَرَ اللَّهُ بِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31].
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ»[1].
كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ، أَتَدْرُونَ كَمْ قَدْرُ المُدِّ؟ المُدُّ هُوَ مِلْءُ كَفَّيِ الإِنْسَانِ المُعْتَدِلِ الخَلْقِ إِذَا مَدَّهُمَا، نَعَمْ؛ كَانَ النَّبِيُّ يَتَوَضَّأُ بِقَدْرِ هَذَا، بِقَدْرِ مِلْءِ كَفَّيْكَ إِذَا مَدَدْتَهُمَا وَمَلَأْتَهُمَا مَاءً.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «كَانَ يُقَالُ: مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ وَلَعُهُ بِالْمَاءِ».
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ: «قُلْتُ لِأَبِي: إِنِّي لَأُكْثِرُ الْوَضُوءَ -يَعْنِي اسْتِعْمَالَ كَثِيرٍ مِنْ مَاءِ الْوُضُوءِ- فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلَهَانُ».
وَقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: «نَزِيدُ فِي ثَلَاثٍ عَلَى الْوُضُوءِ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثٍ إِلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى» -أَيْ بِالوَسْوَاسِ-.
ذَمُّ الإِسْرَافِ فِي كَافَّةِ صُوَرِ وَمَجَالَاتِ الحَيَاةِ
انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ النُّصُوصِ وَإِلَى كَلَامِ بَعْضِ السَّلَفِ فِي الِاقْتِصَادِ فِي المَاءِ، وَقَارِنُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحْوَالِ بَعْضِ النَّاسِ اليَوْمَ، وَكَمْ يَسْتَهْلِكُونَ مِنَ المَاءِ عِنْدَ الوُضُوءِ وَعِنْدَ الِاغْتِسَالِ؛ بَلْ حَتَّى عِنْدَ تَنْظِيفِ المَنَازِلِ وَالسَّيَّارَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ!
وَالإِسْرَافُ مَذْمُومٌ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، الإِسْرَافُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ الإِنْسَانِ مَذْمُومٌ: الإِسْرَافُ فِي اسْتِهْلَاكِ المَاءِ، الإِسْرَافُ فِي اسْتِهْلَاكِ الكَهْرَبَاءِ، الإِسْرَافُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، الإِسْرَافُ فِي الوَلَائِمِ وَالمُنَاسَبَاتِ، الإِسْرَافُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَذْمُومٌ، وَهُوَ يُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ الِاتِّزَانِ فِي التَّصَرُّفِ؛ وَلِهَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَصْحَبَهُ تَقْصِيرٌ فِي بَعْضِ الحُقُوقِ الأُخْرَى، يَقُولُ مُعَاوِيَةُ : «كُلُّ سَرَفٍ فَبِإِزَائِهِ حَقٌّ مُضَيَّعٌ».
وَيَكْفِي المُسْرِفَ أَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يُحِبُّهُمُ اللَّهُ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ القُرْآنِ بِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: 141]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31].
فَلْيَضَعِ المُسْلِمُ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَلْيَحْرِصْ عَلَى الَابْتِعَادِ عَنِ الإِسْرَافِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِمَامُ المُتَّقِينَ وَقَائِدُ الغُرِّ المَحَجَّلِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ.
تَرْبِيَةُ النَّاشِئَةِ وَنَشْرُ الوَعْيِ بِحِفْظِ النِّعَمِ
عِبَادَ اللَّهِ!! يَنْبَغِي نَشْرُ الوَعْيِ بَيْنَ النَّاسِ بِالاعْتِدَالِ وَالبُعْدِ عَنِ الإِسْرَافِ فِي جَمِيعِ أُمُورِ حَيَاتِهِمْ، وَخَاصَّةً فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ، يَنْبَغِي أَنْ تُغْرَسَ فِي نُفُوسِهِمْ هَذِهِ المَعَانِي؛ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاشِئَةِ نَشَأُوا مُتْرَفِينَ وَلَمْ يُعَانُوا مِمَّا عَانَى مِنْهُ آبَاؤُهُمْ وَأَجْدَادُهُمْ، فَلَا يُدْرِكُونَ قَدْرَ كَثِيرٍ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي هُمْ فِيهَا الآنَ، وَلَا يُدْرِكُونَ الآثَارَ السَّيِّئَةَ لِلإِسْرَافِ عَلَى الفَرْدِ وَعَلَى المُجْتَمَعِ.
فَمَثَلًا هَذَا المَاءُ الَّذِي نَشْرَبُهُ عَذْبًا زُلَالًا قَدْ بُذِلَتْ لِأَجْلِهِ الأَمْوَالُ الطَّائِلَةُ لِتَوْفِيرِهِ مِنْ مَسَافَاتٍ بَعِيدَةٍ، وَالدَّوْلَةُ -أَيَّدَهَا اللَّهُ- تَعْمَلُ عَلَى تَحْلِيَةِ المِيَاهِ وَعَلَى تَنْقِيَتِهَا وَجَلْبِهَا لِلنَّاسِ فِي بُيُوتِهِمْ.
عِبَادَ اللَّهِ!! نَحْنُ نَعِيشُ فِي بِلَادِنَا -وَلِلَّهِ الحَمْدُ- فِي أَمْنٍ وَأَمَانٍ وَاسْتِقْرَارٍ وَرَغَدِ عَيْشٍ، لَكِنَّ بِلَادَنَا هَذِهِ بِلَادٌ صَحْرَاوِيَّةٌ شَحِيحَةُ المِيَاهِ، تَعْتَمِدُ -بَعْدَ اللَّهِ - عَلَى الأَمْطَارِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الِاقْتِصَادِ فِي اسْتِخْدَامِ المَاءِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ نَسْتَشْعِرَ جَمِيعًا المَسْؤُولِيَّةَ، وَأَنْ نُحَافِظَ عَلَى المِيَاهِ وَلَا نُسْرِفَ فِي اسْتِخْدَامِهَا، وَقَدْ نَهَانَا الشَّرْعُ الحَنِيفُ عَنِ الإِسْرَافِ فِي المَاءِ وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا؛ فَكَيْفَ إِذَا قَلَّتِ المِيَاهُ؟!
وَإِنَّ مِنَ المُهِمِّ الأَخْذَ بِالوَسَائِلِ الَّتِي تُعِينُ عَلَى حِفْظِ المِيَاهِ وَمَصَادِرِهَا مِنَ الهَدْرِ وَالضَّيَاعِ، وَالاسْتِعَانَةَ بِتِقْنِيَةِ تَرْشِيدِ المِيَاهِ فِي البُيُوتِ وَالمَزَارِعِ وَالمُؤَسَّسَاتِ وَغَيْرِهَا.
أَلَا وَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى البَشِيرِ النَّذِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِيرِ؛ فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنْ صَحَابَةِ نَبِيِّكَ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَذِلَّ الكُفْرَ وَالكَاِفِرِينَ، اللَّهُمَّ أَبْرِمْ لِأُمَّةِ الإِسْلَامِ أَمْرًا رَشَدًا يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ، وَيُهْدَى فِيهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِهِ، وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالمَعْرُوفِ، وَيُنْهَى فِيهِ عَنِ المُنْكَرِ، وَتُرْفَعُ فِيهِ السُّنَّةُ، وَتُقْمَعُ فِيهِ البِدْعَةُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِ المـُسْلِمِينَ لِتَحْكِيمِ شَرْعِكَ وَاجْعَلْهُمْ رَحْمَةً لِرَعَايَاهُمْ، وَوَفِّقْ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى وَلِمَا فِيهِ صَلَاحُ البِلَادِ وَالعِبَادِ، وَقَرِّبْ مِنْهُ البِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ الَّتِي تُعِينُهُ إِذَا ذَكَرَ وَتُذَكِّرُهُ إِذَا نَسِيَ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ، نَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَوَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَوَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].
| ^1 | أخرجه البخاري في «الصحيح» (201)، ومسلم في «الصحيح» (326). |
|---|


