الرئيسية/خطب/التنجيم وأبراج الحظ
|categories

التنجيم وأبراج الحظ

مشاهدة من الموقع

الحمد لله مُصرّف الأوقات والدهور، ومدبر الأحوال والأيام والشهور، ومُسَهِّل الصعاب ومُيَسِّر الأمور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإليه المنتهى والمصير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله السراج المنير، والبشير النذير، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أهمية العناية بصفاء العقيدة

عباد الله: إن صفاء العقيدة، وسلامتها من الانحراف، من أهم الأمور التي ينبغي أن يسعى المسلم إلى تحقيقها، وإن الله تعالى قد بعث الأنبياء والرسل إلى أمم وأقوامٍ كانوا يعرفون أن الله هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون؛ كما قال الله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف:87]، قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [يونس:31]، فقد كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون، ولكن كان عند هذه الأمم انحراف في العقيدة، فأرسل الله تعالى إليهم الرسل، وأنزل الكتب؛ لتصحيح عقائدهم، وتخليصها من شوائب الشرك، ومن هنا يبرز الاهتمام بسلامة العقيدة وصفائها وخلوها من الشرك والبدعة.

ونبينا محمد بُعث وعمره أربعون سنة وتوفي وعمره ثلاث وستون، أي أنه بقي في البعثة والرسالة ثلاثًا وعشرين سنة، أمضى منها ثلاث عشرة سنة -أكثر من النصف- في دعوة الناس إلى تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله ، ثم في العشر السنوات الأخيرة دعا الناس إلى بقية شرائع الإسلام، وهذا يبين أهمية العناية بجانب العقيدة وصفائها وخلوها من الشوائب.

التعلق بالنجوم والأبراج

عباد الله: والحديث في هذه الخطبة عن أمر من الأمور التي تخدش في سلامة التوحيد الخالص، وفي صفاء العقيدة، وهو: التنجيم، الذي هو الاستدلال بالنجوم والأبراج ونحوها على ما سيقع في الأرض من أمور غيبية.

وهذه الأمور بدأت تكثر في الآونة الأخيرة في الوسائل الإعلامية من قنوات فضائية، وغيرها؛ وهذا نوع من الكهانة، ومن اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد.

ومن ذلك: التعلق بالأبراج التي تكتب في بعض الصحف والمجلات، والقنوات الفضائية، والمواقع على الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها، وهي على أنواع، فبعضها يقال فيها: إذا كنت من مواليد برج كذا فسيحصل لك كذا وكذا، وبعضها بطريق السنوات، فيقال: إذا كنت من مواليد سنة كذا فسنتك الجديدة سيحصل فيها كذا وكذا، وبعضها بطريقة الأشهر، وبعضها إذا كنت من مواليد شهر كذا فسيحصل لك كذا وكذا، إلى غير ذلك.

ومن يكتب ذلك يضحك بهذا على السذج من الناس، ويأتي بأشياء تقع دائمًا أو غالبًا للناس، مثل أن يقول: إذا ولدت في برج كذا أو شهر كذا أو سنة كذا فستعترضك بعض الصعوبات.

وهل يوجد إنسان لا تعترضه بعض الصعوبات؟ والله تعالى يقول: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4].

أو يقول: سيأتيك خبر سار؛ وهل رأيت إنسانًا ما أتاه خبر سار في حياته أو يقول: ستواجهك مشاكل مادية، ونحو ذلك مما يقع غالبًا لكثير من الناس.

فهذا كله وأشباهه من التنجيم وادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ​​​​​​​. والعجيب أن بعض الناس يتعلق بهذه الأبراج، وكلها مبنية على دجل وخرافات وكذب، وإذا أنكر على بعضهم قال: أنا أعرف أنها دجل، ولكني أفعل ذلك من باب التسلية، فنقول: لا يجوز مطالعتها ولو على سبيل التسلية؛ فقد يقع في القلب ما يقع مما يخدش كمال التوحيد، ثم إنها قد توافق قدرًا فيقع ما قيل فيكون فتنة.

والعجيب أن هذا التنجيم إذا وافق القدر فوقع اغتر به كثير من الناس، ونسوا ما قبله من كذبات وتخرصات ودجل، وإذا خالف الواقع اعتذروا للمنجم، وقالوا: هو منجم وليس بنبي حتى يصدق في كل ما يقول.

لا قيمة للمنجمين لدى المسلمين الأوائل

ومن تأمل أحوال هؤلاء المنجمين قراء الأبراج، وكيف يستدلون على السعد والنحس، وعلى التوفيق والحرمان بهذه الأبراج؛ ازداد يقينًا بضلالهم، وتكذيبًا لتخرصاتهم وخرافاتهم التي لا يقبلها العقل السليم، ولا الفطرة السوية، فضلًا عن قلب متحل بحلية الإيمان، روي أن علي بن أبي طالب لما أراد الخروج لحرب الخوارج اعترضه منجم، فقال له: يا أمير المؤمنين لا تخرج فإن القمر في العقرب، أي في برج العقرب، فإن خرجت أصبت وهزم عسكرك، فقال علي : بل أخرج ثقة بالله وتوكلًا عليه وتكذيبًا لقولك! فخرج علي وانتصر نصرًا عظيمًا بل ما سافر بعد وفاة الرسول سفرة أكثر بركة منها، ورجع مؤيدًا منصورًا.

ولما أراد الخليفة العباسي المعتصم بالله فتح عمورية حذره المنجمون، وقالوا له: إنه إن قاتل في ذلك الوقت انهزم، فلم يلتفت إلى قولهم، وكانت النتيجة نصرًا عظيمًا مؤزرًا للمسلمين.

وقال أبو تمام قصيدته المشهورة التي سخر فيها بالمنجمين سخرية كبيرة:

“السيف أصدق إنباء من الكتب”؛ أي: من كتب المنجمين *** “في حده الحد بين الجد واللعب”.

“بيض الصفائح” أي: السيوف، “لا سود الصحائف” أي: كتب المنجمين *** “في متونهن جلاء الشك والريب”.

أين الرواية؟ بل أين النجوم وما *** صاغوه من زخرف فيها ومن كذب؟

فسخر بهم سخرية عظيمة، وانتصر المسلمون نصرًا مؤزرًا، مع أن المنجمين قد أجمعوا على أنه إن خرج انهزم، فكانت النتيجة على العكس من ذلك.

فهؤلاء المنجمون لم يكن لهم قيمة ولا وزن لدى المسلمين الأوائل، بل كانت النتائج تأتي بخلاف ما يتوقعون.

فالحذر الحذر يا عباد الله من هؤلاء المنجمين، ومن أساليبهم، سواء أكان في قراءة الأبراج أو ما يسمونه بقراءة الفنجان أو ما يدعونه من تنبآت بما يحصل في المستقبل أو في السنة الجديدة، أو في غير ذلك، كل هذا من الدجل ومن الشعوذة التي يدّعون عن طريقها علم الغيب وهم كاذبون.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

لا يعلم الغيب إلا الله تعالى

عباد الله: ينبغي أن تستقر هذه الحقيقة لدى المسلم وهي أن الغيب لا يعلمه إلا الله ، وأن علم الغيب استأثر الله تعالى بعلمه؛ كما قال ربنا سبحانه: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، وقال: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان:34].

بل إن سيد البشر وسيد الأنبياء والمرسلين محمدًا يقول الله تعالى له: قُلْ أي يا محمد لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:188]، فأمر الله نبيه أن يقول للناس: إنه لا يملك نفعًا ولا ضرًا، وأنه لا يعلم الغيب وهو خير البشر وسيد البشر، يقول: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، لكنه لا يعلم الغيب صلوات الله وسلامه عليه.

فإذا كان سيد البشر وسيد الأنبياء والمرسلين المؤيد بالوحي لا يعلم الغيب فكيف بغيره؟

فالغيب مما استأثر الله تعالى بعلمه، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو كذاب أشر، وينبغي الإنكار على كل من ادعى الغيب من ادعى علم الغيب بأية صورة من الصور، وأن يبين بأن هذا الذي يتتبع كلامهم ويقرأ أبراجهم أنه على خطر كبير من أن يخدش ذلك في صفاء عقيدته، وفي كمال توحيده، يقول النبي : من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا [1]، ويقول: من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد [2].

هذه الحقيقة وهي أن الغيب لا يعلمه إلا الله ينبغي أن تكون حاضرة في ذهن كل مسلم، وإذا كان موقنًا بها فلا داعي لقراءة الأبراج، ولا لغيرها، ولا داعي للسماع لمن يدعي، أو يتنبأ بما سيقع في المستقبل. فإن هؤلاء كذابون دجالون.

وقد أخبر النبي بأنه لم يبق بعد النبوة من المبشرات إلا شيء واحد فقط، وهو الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له هذه، هي التي يمكن أن يكون فيها بشارة أو نذارة لما قد يكون في المستقبل على أنها أيضًا لا تفيد القطع على أن تعبيرها، لا يفيد القطع فقد يخطئ المعبر، ولهذا فإن من أعطاه الله تعالى علم التعبير وهو يوسف عليه السلام مع ذلك يقول الله تعالى عنه: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42]، فظن فقط ظنًا ولم يقطع بذلك، فهي أيضًا الرؤيا هي الطريق الوحيد الذي يمكن أن الإنسان يستدل به بشارة أو نذارة لما قد يقع في المستقبل بناء على تعبير تلك الرؤى على سبيل الظن وليس على سبيل القطع؛ لأنها أولًا ربما لا تكون رؤيا أو تكون أحلامًا ثم أيضًا قد يخطئ المعبر في تعبيرها، ولذلك فغاية ما تفيده الظن.

ولهذا فلم يبق بعد النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، وما عدا ذلك مما يدعيه أهل الشعوذة والدجل فكله كذب ودجل وافتراء، ولا يجوز للمسلم أن يتتبع ما يقومون به هؤلاء من الكف أو الفنجان أو الأبراج أو غيرها.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك، فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم.

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، ولما فيه صلاح البلاد والعباد، اللهم قرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه على الحق وتدله عليه، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ۝ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه مسلم: 2230.
^2 رواه ابن ماجه: 639، وأحمد: 9536.
مواد ذات صلة