الرئيسية/خطب/فضائل الصحابة رضي الله عنهم
|

فضائل الصحابة رضي الله عنهم

مشاهدة من الموقع

الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة، وهو الحكيم الخبير، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ما من خير إلا دل أمته عليه، وما من شر إلا حذرها منه، أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

اختيار الله ​​​​​ لصحابة نبيه

عباد الله: اقتضت حكمة الله ​​​​​​​ أن أرسل الرسل للناس مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب، وكل نبي يدعو قومه، ويختار الله تعالى منهم المؤمنين الصادقين، أعوانًا ووزراء وأصحابًا وحواريين، يحملون هم الدعوة معه، ويجاهدون وإياه، ويقومون بما تقتضيه مصلحة الرسالة، فنوح عليه السلام ركب في السفينة هو ومن آمن معه، وموسى عليه السلام كان معه الخُلّص من بني إسرائيل، وعيسى عليه السلام قال: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آل عمران:52].

وأما نبينا محمد فاختار الله له صحابة أخيارًا صالحين، آمنوا به واتبعوه، وآزروه ونصروه، وفدوه بالنفس والأموال والأوقات، فكانوا خير صحبة لخير نبي، أخرج الإمام أحمد في مسنده، عن عبدالله بن مسعود قال: “إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون عن دينه”.

إنهم صحابة رسول الله ، ذلك الجيل العظيم، الذي رباه النبي ، فأصبحوا صدارة هذه البشرية بعد الأنبياء والرسل، لقد اجتمع فيهم من عوامل الخير ما لم يجتمع في جيل قبلهم، ولن يجتمع في جيل بعدهم، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: “من نظر في سيرة الصحابة بعلم وبصيرة، وما من الله تعالى به عليهم من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم صفوة قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله تعالى”.

فضل الصحابة رضوان الله عليهم

وعندما نتأمل آيات القرآن الكريم نجد أن الله ذم بعض أتباع الأنبياء على تعنتهم، وكثرة سؤالهم، وأذيتهم لأنبيائهم؛ كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى [الأحزاب:69].

وذكر الله تعالى بعض قصص بني إسرائيل، كما في قصة البقرة: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [البقرة:67]، فذكر الله هذا التعنت، وهذه الأذية للأنبياء.

وأما حديث القرآن عن صحابة رسول الله  فهو حديث من نوع آخر، فيه الثناء العظيم، الثناء العطر على أصحاب النبي ، يقول ربنا سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100]، فلما ذكر الله صحابة نبيه أخبر بأنه رضي عنهم، وأعد لهم الجنة.

ويقول سبحانه: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ۝وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [الفتح:18-19]، وهذه البيعة هي بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية، وقد قال عليه الصلاة والسلام: لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة [1].

ثم انظر إلى هذا الوصف البديع العجيب في أصحاب النبي ، يقول ربنا سبحانه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح:29] أي: أصحابه، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29].

ويقول نبينا محمد : خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم [2]، ويقول: لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مدّ أحدهم، ولا نصيفه [3]، متفق عليه، فتأملوا هذا الحديث العظيم، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد، أي: مثل جبل أحد ذهبًا، ما بلغ مدّ أحدهم أي: ما بلغ في الفضل والثواب مثل إنفاق أحد، مثل إنفاق مد أحد من الصحابة، والمدّ هو ملء كفي الإنسان المعتدل الخلقة إذا مدهما.

فلو أن أحدًا ممن أتى بعدهم أنفق مثل جبل أحد ذهبًا، ما بلغ في الفضل مثل إنفاق صحابي لمد ذهب أو نصف مد، فانظر إلى هذه المزية العظيمة لصحابة النبي .

التحذير من انتقاص الصحابة  أو سبهم

وعدالة الصحابة  ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله لهم المطلع على بواطنهم، لا يحتاج الصحابة إلى تعديل أحد من الخلق، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.

قال أبو زرعة رحمه الله: “إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ، فاعلم أنه زنديق”.

ومن عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم يحبون أصحاب النبي ، ويرون أن حبهم دين وإيمان وإحسان، وأن بغضهم كفر ونفاق وطغيان.

إن القدح في أصحاب النبي هو في الحقيقة قدح في النبي ؛ لأنهم هم أصحابه، والقدح في الصاحب قدح في المصحوب.

ثم إن القدح في أصحاب النبي فيه قدح في شريعة الله؛ لأن الصحابة هم نقلة الشريعة للأمة، فكيف يوثق بالشريعة إذا قدح في نقلتها، وهم صحابة النبي ؟!

بل إن القدح في الصحابة هو في الحقيقة قدح في الله وفي حكمته، وأنه اختار لصحبة نبيه هؤلاء الذين يقدح فيهم، فالقدح والطعن والتنقص في الصحابة هو قدح في الله، وفي رسوله، وفي شريعته.

فإذا رأيت من يقدح في الصحابة، أو من يتنقصهم، أو يقدح أو يتنقص بعضهم، فاعلم أنه صاحب ضلالة وبدعة وانحراف عن الصراط المستقيم، إذا رأيت من يتنقص أبا بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب، أو عثمان بن عفان، أو علي بن أبي طالب، أو معاوية بن أبي سفيان، أو أم المؤمنين عائشة، أو غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم جميعا، فهذا دليل على بدعته وانحرافه.

الكف عما شجر بين أصحاب النبي

ومن حق الصحابة علينا: الكف عما شجر بين بعضهم من حروب، الكل فيها مجتهد، وكان مقصدهم من ذلك نصرة دين الله، وحماية الملة، لكن دخل فيها من المنافقين من أوقد نار الفتنة، وحصل ما حصل مما قضاه الله تعالى وقدره فيما بينهم من الحروب، وكانت ابتلاء وامتحان لمن أتى بعدهم، فالواجب الكف عما شجر بينهم، وألا يتحدث ويتكلم فيهم إلا بخير، وألا يتعرض لأحد منهم بسوء أو نقيصة.

ألا فاتقوا الله عباد الله، واعرفوا قدر نبيكم، واعرفوا قدر أصحابه الكرام البررة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:88-89].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

حب الصحابة  وتعظيمهم

عباد الله: وإذا كانت المحبة مشروعة بين المؤمنين عامة، فمع أصحاب رسول الله  أولى وأحق، إن حب الصحابة دليل على الإيمان، وإن بغضهم تهمة بالنفاق، عن البراء قال: قال رسول الله : الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله [4]، متفق عليه.

ومن حقوقهم: الثناء عليهم باللسان، وبما أسدوه من المعروف والإحسان، ومن حقوقهم: الدعاء لهم والترضي عنهم؛ كما قال ربنا سبحانه: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

وهي درس للأمة في الدعاء لمن سبقهم بهذا الدعاء العظيم: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

عباد الله: ينبغي غرس محبة الصحابة  في نفوس الأجيال، في نفوس البنين والبنات وتعظيمهم، وتوقيرهم، واحترامهم، هذا هو منهج السلف الصالح، الذين كانوا يعلمون أولادهم حب الصحابة وسيرتهم، قال الإمام مالك رحمه الله: “كانوا يعلموننا حب أبي بكر وعمر، كما يعلموننا السورة من القرآن”.

فينبغي أن يغرس محبة الصحابة وتعظيمهم وتوقيرهم في نفوس الأجيال، في نفوس الناشئة، فإن تعظيم الصحابة هو من تعظيم دين الله ، ومن تعظيم الله تعالى ورسوله؛ لأن الصحابة هم نقلة دين الله، هم نقلة شريعة الله ، فتعظيمهم ومحبتهم هو في الحقيقة تعظيم لدين الله .

اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين، اللهم ارض عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرًا رشدًا، يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وترفع فيه السنة، وتقمع فيه البدعة، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

نسألك اللهم الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وشكر نعمتك، وحسن عبادتك، وقلوبًا سليمة، وألسنة صادقة، ونستغفرك لما تعلم، ونعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم، ونستغفرك لما تعلم ولا نعلم، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة، التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه، اللهم وفقه لما فيه صلاح البلاد والعباد، ولما فيه عز الإسلام والمسلمين، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه الترمذي: 3860.
2 رواه البخاري: 3650.
3 رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2540.
4 رواه البخاري: 3783، ومسلم: 75.

مواد ذات صلة