الرئيسية/خطب/التسامح فضائله وآثاره
|

التسامح فضائله وآثاره

مشاهدة من الموقع

الحمد لله الرؤوف الرحيم، البرّ، الجواد، الكريم، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العظيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الهادي إلى صراطٍ مستقيمٍ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتَّقوا الله عباد الله، اتَّقوا الله حقَّ التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا۝وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5].

تمايز الناس في أخلاقهم

عباد الله: لما خلق الله تعالى الناس جعلهم مُختلفين في خلقهم، وفي صورهم، وفي تفكيرهم ومشاعرهم، وفي سلوك حياتهم، فالنفس البشرية هذه طبيعتها؛ ولهذا تمايز الناس في أخلاقهم، وتشاكلوا في طباعهم، يقول ربنا سبحانه: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا۝فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7-8].

والمؤمن عليه أن يسعى لنيل أفضل الصفات، وأزكى السَّجايا، ألا وإن من أحسن صفات المرء، ومن خير ما يتحلَّى به في حياته: صفة التسامح، فهي صفةٌ كريمةٌ، والسعي لها كريم النفس.

التسامح قيمةٌ عظيمةٌ

النفس المُتسامحة من أصفى النفوس وأسعدها، فهي تحمل روحًا مُحبةً للخير، تبذل الإحسان للناس، إنها نفسٌ تحمل بين جوانحها قلبًا رحيمًا يُحب السعادة للآخرين، ويرجو الخير لكل المسلمين، يتألم لآلامهم، ويفرح لفرحهم.

أخرج ابن ماجه بسندٍ صحيحٍ عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: أن النبي سُئل: أي الناس أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: كل مَخْمُوم القلب، صدوق اللسان، قالوا: يا رسول الله، صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التَّقي، النَّقي، لا إثمَ فيه، ولا بغي، ولا غِلَّ، ولا حسد [1].

صاحب النفس المُتسامحة السَّمحة تراه بَرِقَ الثَّنايا، يبتسم لكل مَن يراه، ليِّن العريكة، ودودًا، لطيفًا، يألف ويُؤْلَف.

صاحب القلب المُتسامح تراه سهلًا، قريبًا من الناس، غير فَظٍّ، ولا غليظٍ، وهذه من صفات أهل الجنة، يقول النبي في بعض صفات أهل الجنة: أهل الجنة ثلاثةٌ، وذكر منهم رجلًا رحيمًا رقيق القلب لكل ذي قُرْبَى ومسلمٍ [2] أخرجه مسلمٌ في “صحيحه”.

التسامح معنًى عظيمٌ، مَن وُفِّقَ له وُفِّقَ لخيرٍ كثيرٍ، فإذا تسامحتَ وتنازلتَ عن بعض حقِّك، إذا تنازلت عن حقِّك أو بعض حقِّك ترجو بذلك الأجر من الله ​​​​​​​؛ فإن الأجر يكون عند الله عظيمًا، يقول الله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40].

إن التسامح والتنازل خلقٌ يدل على روح الحياة في تلك النفس، بل هو عنوان صفائها، وبرهان نقائها.

وتأمل معي هذا الحديث العظيم الذي يدل على عظيم شأن التسامح؛ جاء في الصحيحين عن أبي مسعودٍ قال: قال رسول الله : حُوسِبَ رجلٌ ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيءٌ إلا أنه كان يُخالط الناس، وكان مُوسِرًا، فكان يأمر غلمانه أن يُيَسِّروا على المُوسِر، وأن يتجاوزوا عن المُعْسِر، فقال الله: نحن أحقُّ بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي [3].

إنه رجلٌ كان يُداين الناس، فإذا جاءوا بما عندهم وإلا صبر، ويأمر غلمانه بألا يُعَسِّروا على المدينين، بل يُيَسِّروا على المُوسِرين، ويُسقطوا الدَّين عن المُعْسِرين، فكان جزاؤه أن غفر الله له، وقال: نحن أحقُّ بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي.

تسامح النبي

عباد الله: إذا جاء الحديث عن التسامح فإن أول مَن يُذْكَر في هذا الشأن رسول الله ، الذي قال الله عنه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، لم يكن فَظًّا، ولا غليظًا: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

يقول ربنا عن نبيه : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

جاء في الصحيحين: أن أعرابيًّا أتى النبيَّ من خلفه وجَبَذَه جَبْذَةً شديدةً، وقال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه النبي ، وتبسم، وأمر له بعطاءٍ [4].

كان بإمكانه أن يأمر مَن معه من الصحابة أن يُعاقبوه، لكنه عليه الصلاة والسلام آثر أن يختار خلق التسامح، فابتسم، وأمر له بعطاءٍ.

وعلى هذا الخلق النَّبيل الكريم صار صحابته ، وقد كان مجتمعه مجتمعًا مُتصافيًا، مُتسامحًا، فلا عداوة، ولا انتقام، حتى ذكروا أن عمر جلس زمن خلافة أبي بكرٍ  للقضاء، فمكث عامًا كاملًا لم يأتِ إليه أحدٌ يرفع شكوى أو مظلمةً؛ لأن التسامح وأخلاق المؤمنين كان هو السائد بينهم.

أجر العفو والصَّفح في الدنيا والآخرة

عباد الله: ربما يظن بعض الناس أن التسامح لغة الضعفاء، وهذا مفهومٌ مُخالفٌ للصواب، بل بتسامحك عن حقِّك أو بعض حقِّك، وتسامحك مع إخوانك المؤمنين، أنت بهذا تنال في الدنيا وسامًا رفيعًا لك عند الناس، وفي الآخرة لك الثواب العظيم والأجر الجزيل من الله : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40].

وتأمل يا أخي الكريم عندما تكون هناك خصومةٌ بين اثنين، وكلٌّ منهما مُتمسكٌ برأيه، مُطالبٌ بحقِّه، غير ناظرٍ لفضل الصُّلح والإصلاح، وغابت عنهما فضائل التسامح؛ فإنه لن يكون بينهما إلا القطيعة الطويلة، والهجر المقيت، وتوتر النفوس، وتكون بينهما معركةٌ، كلٌّ منهما خاسرٌ فيها، ليس فيها مُنتصرٌ.

نعم كلٌّ منهما خاسرٌ، خسر رضا الله، وخسر راحة قلبه، وطُمأنينة ضميره، وثناء الناس على عقله وحلمه: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة:237]، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128].

التسامح من أخلاق الكبار

عباد الله: إليكم هذا النموذج الرائع من أعظم علماء الإسلام: الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، يقول عنه أحد تلامذته: “جئتُه يومًا مُبَشِّرًا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوةً وأذًى له، فنَهَرَني واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزَّاهم، وقال لهم: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمرٌ تحتاجون فيه إلى مساعدةٍ إلا ساعدتُكم فيه”.

إنها أخلاق الكبار، التسامح والتنازل عن بعض الحقوق هي أخلاق الكبار والعظماء:

لا يحمل الحقد مَن تعلو به الرُّتَبُ

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٌ.

تربية النفس على التسامح

عباد الله: إن النفوس قد جُبِلَتْ على الشُّح والاستقصاء في أخذ الحقوق، كما قال ربنا سبحانه: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النساء:128] أي: جُبِلَتْ على الشُّح، ولكن عندما يُعود الإنسان نفسه على التسامح، وعلى الغَضِّ عن الهفوات، وعدم تتبع الزَّلات، فلا يُحاسِب على كل كلمةٍ، ولا يهجر لمجرد هفوةٍ، ولا يقطع رحمًا لأجل لُعاعةٍ من الدنيا؛ فإنه بذلك يكون مُتسامحًا، وينال الراحة والطمأنينة والسعادة في الدنيا، والأجر والثواب من الله تعالى.

إن بعض الناس لمجرد أن صاحبه لم يُحْسِن اختيار الكلمة المناسبة للحديث معه يُقاطعه، ويتغير عليه، ويتنكر عليه، ويهجره، وإذا اختلف معه على لُعاعةٍ من الدنيا قاطعه وتَنَكَّر له، وقد يكون رَحِمًا تجب صِلته!

فكن يا أخي مُبادرًا، مُتسامحًا، مُبادرًا للعفو، ولتكن روحك روحًا مُتسامحةً مع الآخرين، ولا تكن عَنِتًا وصعبًا مع أرحامك، وأقاربك، وأهلك، وأصدقائك؛ فينفروا منك، حتى لو فاتك بعض حقِّك كن مُتسامحًا، فإن الاستقصاء في المطالبة بالحقوق يُورث العقوق، ويُورث القطيعة، وخير الناس وأسعدهم أكثرهم تسامحًا، وكما قال ربنا سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ [الأعراف:199] أي: خُذْ ما عفا وصفا لك من أخلاق الناس، وما سمحتْ به طباعهم، ولا تستقصي في المطالبة بحقوقك.

إن بعض الناس يضع معايير صارمةً لمَن يتعامل معه، فإن أخلَّ بها عَتَبَ عليه، وربما قاطعه، وهذا الصنف من الناس يعيش قَلِقًا، مُتوترًا، قليلًا أصدقاؤه، بل ينبغي تغليب جانب التسامح، والتركيز على المحاسن، وغَضّ الطرف عن المساوئ، والتغافل عن الهفوات، كما قال النبي : لا يَفْرَك أي: لا يُبْغِض مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِهَ منها خُلُقًا رضي منها آخر [5].

وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ في التعامل مع الآخرين: إن كَرِهَ منها خُلُقًا رَضِيَ منها خُلُقًا آخر، ذكرها النبي مع الزوجة، فينظر الزوج لما فيها من المحاسن، ويَغُضّ الطرف عن المساوئ.

وهكذا في تعامله مع والديه، وأولاده، وأرحامه، وأصحابه، وجيرانه، يُركز على المحاسن، ويَغُضّ الطرف عن المساوئ، ويكون مُتسامحًا، فإنه بذلك يكون سعيدًا، ويكون محبوبًا، وله من الله تعالى الأجر العظيم، والثواب الجزيل.

أما مَن يضع معايير صارمةً للتعامل معه، ويعتب على مَن لم يُطبق هذه المعايير؛ فإنه يبقى قَلِقًا، مُتوترًا، ويبقى بعيدًا عن السماحة والتسامح:

إذا أنت لم تشرب مرارًا على القَذَى ظَمِئْتَ وأي الناس تصفو مشاربه؟!

فينبغي أن يُعود المسلم نفسه على السماحة والتسامح، وأن يكون هَيِّنًا، لَيِّنًا، يألف ويُؤْلَف.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المُنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ.

اللهم ارضَ عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذلَّ الكفر والكافرين.

اللهم انصر مَن نصر دين الإسلام في كل مكانٍ، واخذل مَن خذل دين الإسلام في كل مكانٍ، يا حيُّ، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وَفِّق ولاة أمر المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، ووَفِّق إمامنا وولي أمرنا وولي عهده لما تُحب وترضى، ولما فيه صلاح البلاد والعباد، ولما فيه عزُّ الإسلام والمسلمين.

اللهم قَرِّبْ منهم البطانة الصالحة، الصادقة، المُخلصة، التي تُعينهم إذا ذكروا، وتُذكرهم إذا نسوا، يا حيُّ، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم إنَّا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

نعوذ بك من مُضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

اللهم إنَّا نسألك من الخير كله: عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

ونعوذ بك من الشر كله: عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه ابن ماجه: 4216.
2 رواه مسلم: 2865.
3 رواه البخاري: 2391، ومسلم: 1560، 1561.
4 رواه البخاري: 5809، ومسلم: 1057.
5 رواه مسلم: 1469.

مواد ذات صلة