الرئيسية/خطب/فضل طلب العلم
|

فضل طلب العلم

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

الأدلة على أهمية العلم وفضله

فالحديث في هذه الخطبة عن أشرف صفة في الإنسان، ولما خلق الله تعالى آدم أراد أن يظهر فضله للملائكة فاختار أشرف صفة فيه وهي العلم وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ۝وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ۝قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۝قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:30-33].

العلم فضله أعظم من أن يُشهر وأوضح من أن يُظهر، فهو أعز مطلوب، وأشرف مرغوب، تسابق الفُضلاء لطلبه وتنافس الأذكياء لتحصيله، من اتّصف به فاق غيره، ومن اتّسم به بان نبله، رفع الله تعالى أهله درجات ونفى المساواة بينهم وبين غيرهم؛ يقول سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

واستشهد الله تعالى بأولي العلم على أشرف مشهودٍ وأعظمه وهو التوحيد، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، يقول ربنا سبحانه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]، فبدأ سبحانه بنفسه ثم ثنّى بملائكته المسبّحة بقدسه، ثم ثلّث بأولي العلم وكفاهم ذلك شرفًا وفضلًا وجلالة ونبلًا، وفي هذا تعديلٌ وتزكيةٌ لهم فإن الله تعالى لا يستشهد من خلقه إلا بالعدول.

من سلك طريق العلم فهذه أمارةٌ على أنه أُريد به الخير، ففي الصحيحين عن معاوية أنَّ النبي قال: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين [1]، العلم طريق الفوز بالجنة وسبيل النجاة من النار مهما كان الإنسان عليه من القوّة في العبادة لا يمكن أن يعبد الله تعالى كما يحب الله إلا عن طريق العلم، يقول النبي : من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة [2].

العلم يبقى أثره للإنسان حيًّا وميتًا، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنَّ النبي قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له [3].

عن علي قال: “كفى بالعلم شرفًا أن يدّعيه من لا يحسنه، ويفرح إذا نُسِب إليه، وكفى بالجهل ذمًّا أن يتبرأ منه من هو فيه”.

وقال الإمام الشافعي: “طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم”.

وقال الإمام أحمد: “لا شيء يعدل العلم لمن صحّت نيته، قيل: وكيف تصحُّ نيته؟ قال: أن ينوي به رفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن غيره”.

الحث على طلب العلم

والعلم أفضل من المال؛ فإن العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الأغنياء، العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله، والمال تُذهبه النفقات، والعلم يزكو بالنفقة ويكثر، والمال يُمدح صاحبه بتخلّيه منه وإخراجه، والعلم إنما يُمدح بتحلّيه به واتصافه.

فينبغي أن يكون المسلم حريصًا على العلم وعلى التفقه في دين الله ​​​​​​​، وأن يكون لديه هذا النفس، فمثلًا عندما يأتي للمسجد الجامع يوم الجمعة يحرص على سماع الخطبة، وأن ينصت لها وأن يستفيد منها، وإذا رأى من يلقي محاضرة أو درسًا يحرص على الاستفادة مما يُلقى، وإذا استمع لبرنامج إفتاء -مثلًا- حرِص على أن يستفيد منه في أمور دينه، وفي وسائل التواصل الاجتماعي يحرص على أن يستفيد من المقاطع المفيدة النافعة للعلماء الموثوقين، ويسعى لنشرها، وليستحضر المسلم دائمًا قول النبي : من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين [4].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

الأخذ بالإجراءات الاحترازية في زمن كورونا

عباد الله: إن العلم والتربية هما عنوان التقدم والرُقي لكل أمة، وإن الأمة التي تجعل العلم والتربية وبناء الإنسان فيها أول اهتماماتها فإنها تتقدم وتنهض، نقول هذا ونحن مع عودة جميع مراحل التعليم بما فيها مرحلة الابتدائية للدراسة الحضورية، فيعود جميع الطلاب وجميع المعلمين، مع أنه لا زالت جائحة كورونا تلقي بظلالها، لكن لا بد من أن تسير عجلة الحياة وأن يكون هناك تعايشٌ مع هذه الجائحة، مع الأخذ بالاحترازات الوقائية وما يصدر من تعليمات لوزارتي الصحة والتعليم.

فلا بد من الأخذ بهذه الاحترازات ممن يعملون في الميدان التعليمي ومن غيرهم؛ فإن الأخذ بهذه الإجراءات الاحترازية الوقائية هو من فعل الأسباب، وقد قال النبي : فرّ من المجذوم فرارك من الأسد [5].

والدولة أيّدها الله قد بذلت وتبذل جهودًا كبيرة في مجال التعليم بجميع مراحله، ووزارة التعليم من أكبر الوزارات في الدولة وأضخمها ميزانية، فيا أيها الطلاب ما أُنشئت هذه المدارس وما وظِّف هؤلاء المعلمون والإداريون وما أُنفقت هذه الأموال إلا لأجل تعليمكم ولأجل تنويركم بنور العلم والمعرفة، فاحرصوا على طلب العلم وعلى تحصيل المعرفة، أقبلوا على الدروس بهمة ونشاط، واحرصوا على ألا يمرّ عليكم يومٌ إلا وقد شعرتم بأنكم قد ازددتم فيه علمًا.

واحرصوا على أن يكون لما تتعلمون أثرٌ في حياتكم العملية، وإلا فما قيمة تعليم طالبٍ سنوات عديدة ثم بعد ذلك لا يعرف الحقوق الواجبة عليه تجاه ربه أولًا، ثم تجاه أسرته ومجتمعه، فلا بد أن يظهر أثر هذا التعلُّم على الطلاب في حياتهم العملية، وفي تعبُّداتهم لربهم، وفي تعاملاتهم مع والديهم ومع أرحامهم ومع جيرانهم ومع بقية أفراد المجتمع.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، وقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يُعزُّ فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

اللهم وفّق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، اللهم وفِّق إمامنا وولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى، ولما فيه صلاح البلاد والعباد، ولما فيه عِزُّ الإسلام والمسلمين، وقَرِّب منهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كلِّه عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
2 رواه مسلم: 2699.
3 بنحوه رواه مسلم: 2682، ورواه الترمذي: 1376.
4 سبق تخريجه.
5 رواه أحمد: 9722.

مواد ذات صلة