الرئيسية/خطب/نعمة الأمن واجتماع الكلمة
|

نعمة الأمن واجتماع الكلمة

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

أهمية اجتماع الكلمة ووحدة الصف

فإن من أعظم نعم الله تعالى علينا في هذه البلاد: نعمة اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، فهي من أجل وأعظم النعم.

ولا يعرف قدر نعمة الأمن والوحدة واجتماع الكلمة إلا من اكتوى بنار الخوف والرعب والفوضى، والتشريد والغربة.

وإن اجتماع الكلمة ووحدة الصف لمقصد شرعي عظيم لما يترتب عليه من المصالح العظيمة في الدنيا والآخرة، ولتحقيق هذا المقصد العظيم عنيت الشريعة الإسلامية بتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وما ذاك إلا لأهميتها من جهة، وحساسيتها من جهة أخرى، فإن بعض النفوس قد لا تصبر، وخاصة عندما ترى أثرة واستئثارًا بحظوظ الدنيا، وقد لا تصبر كذلك عندما ترى بعض المنكرات، وقد حسم النبي هذه المسألة، ولم يجعلها راجعة إلى اجتهاد المكلف، فأمر بالسمع والطاعة لولي الأمر بالمعروف، وغلظ في ذلك، وأبدى وأعاد، يقول النبي : من كره من أميره شيئًا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية [1].

وعن عبادة بن الصامت قال: “بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله» [2].

كيفية الإنكار على السلطان

عباد الله: إن شحن نفوس العامة ضد ولاة الأمر بتصيد الأخطاء، والنفخ فيها، قد يتسبب في فتح أبواب من الفتن، ولهذا جاء في صحيح البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه قيل له: لو أتيت فلانًا” أي: أمير المؤمنين عثمان “فكلمته، فقال: “إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أن أسمعكم، إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابًا لا أكون أول من فتحه”، فخشي أسامة من أنه لو ناصح عثمان علنًا أن يفتح على المسلمين باب فتنة وشر.

وجاء في حديث عياض بن غنم أن النبي قال: من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه [3].

عباد الله: ينبغي التواصي على اجتماع الكلمة، ونبذ الفرقة، وتأليف القلوب، قال النووي رحمه الله: “من النصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتنبيههم، وتذكيرهم برفق ولطف، وتألف قلوب الناس لطاعتهم”.

خطر التحريض على ولاة الأمر

وإن التاريخ ليعلمنا أن شحن قلوب الناس تجاه ولاة الأمر يجر أبوابًا عظيمة من الشرور والفتن، ولهذا فقد كانت شرارة الفتن التي وقعت زمن عثمان كانت هي: شحن قلوب العامة تجاه عثمان، وتولى كبرها ابن سبأ حتى حصل ما حصل من الفتن العظيمة مع أن كثيرًا من علماء الصحابة كانوا موجودين في مدينة النبي ، ولكن لما شحنت النفوس تجاه الخليفة الراشد، أصبح أولئك العامة الخارجون عليه لا يقبلون من علماء الصحابة، بل ويتهمونهم بمداهنة الخليفة.

عباد الله: ليس كل من لبس لباس الإصلاح يكون صادقًا، ولو كان صادقًا فقد لا يكون موفقًا، ولهذا علينا ألا ننخدع ونسير خلف كل ناعق؛ بل لا بد أن نرد الأمر إلى أولي العلم وإلى أهل الحل والعقد؛ كما قال الله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:83].

الشكر على نعمة الأمن واجتماع الكلمة

عباد الله: وعلينا أن نستحضر عظيم نعم الله علينا، وأن نشكر الله تعالى على هذه النعم، فإن من سنن الله في الأولين والآخرين أن نعم الله تعالى إذا شكرت قرت وزادت، وإذا كفرت فرت وذهبت وزالت؛ هذه سنة من سنن الله ، قص الله تعالى علينا من الأمم السابقة من كانوا في رغد من العيش وفي نعم عظيمة ظاهرة وباطنة، لكنهم كفروا بأنعم الله، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

ونحن نرى في واقعنا المعاصر نرى دولًا حولنا كانوا في أمن وأمان وفي وحدة واجتماع صف ورخاء، ثم بعد ذلك تغيرت أحوالهم إلى ضد تلك النعم، فلنعتبر أيها الإخوة، ونشكر الله على ما أنعم الله تعالى به علينا في هذه البلاد من نعم عظيمة، من نعمة الأمن والأمان، والوحدة، واجتماع الصف، واجتماع الكلمة، ورغد العيش، ونعم عظيمة وافرة ظاهرة وباطنة.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحصن الحصين

ومن أعظم ما يكون شكر نعم الله : الشكر بالاستقامة على طاعة الله ، وإذا أردنا حفظ هذه النعم وزيادتها، فعلينا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه بإذن الله هو الحصن الحصين، وهو الذي يحفظ الناس من العقوبات؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة أي اقترعوا على سفينة، وهذه السفينة مكونة من طابقين: طابق أعلى، وطابق أسفل فكان الذين في أسفل السفينة إذا أرادوا أن يستقوا من البحر صعدوا لأعلى السفينة، فأخذوا من ماء البحر، ثم إنهم قالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم أي الذين في أعلى السفينة فإن تركوهم وما أرادوا غرقوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا [4].

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحصن الحصين للمجتمع، وهو الأمان من العقوبات، وهو الحافظ بإذن الله لهذه النعم التي نعيش فيها الحافظ لها من أن تزول، فعلينا أن نحيي هذه الشعيرة في نفوسنا، والنبي ذكر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذكر له درجات، فقال عليه الصلاة والسلام: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان [5].

وبعض الناس لا ينكر حتى بالقلب، حتى الإنكار القلبي لا ينكره، وهذا قد أخل بهذا الواجب عليه، فإن الإنكار القلبي كل يستطيعه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: وذلك أضعف الإيمان، وبعض الناس يرى قريبة له إما أختًا أو بنتًا أو يرى زوجته تخرج من البيت متبرجة بزينتها، وتريد أن تذهب إلى أماكن فيها رجال أجانب، ومع ذلك لا ينكر عليها، فيكون هذا قد أخل بالقيام بهذا الواجب، فعلينا أن نمتثل ما أمر به النبي ، ولا أقل من الإنكار القلبي، وذلك أضعف الإيمان.

وسنة الله تعالى ماضية في عباده، فالله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، إن نحن شكرنا هذه النعم فإنها تقر وتزيد، وأما إذا كفرت هذه النعم فإنها تذهب وتزول.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

الحصانات الحائلة دون معاول الهدم والتخريب

عباد الله: لقد أحاط الإسلام المجتمع المسلم بسياج منيع من داخله يحول دون تصدع بنيانه، وتزعزع أركانه، فأقام الضمانات الواقية، والحصانات الكافية الحائلة دون معاول الهدم والتخريب أن تتسلل إلى جبهته الداخلية فتعمل عملها هدمًا وتخريبًا وفرقة وتأليبًا [6].

وإن الحملة الشرسة التي تقودها بعض وسائل الإعلام المعادية، وتعود من فترة لأخرى ضد هذه البلاد وأهلها، والتي يثيرها الأحقاد والحسد يحاولون أن يشقّوا صف هذه الدولة التي جعلها الله تعالى حامية للحرمين، ودولة التوحيد، وأغناها الله تعالى عن غيرها بخيرات عظيمة، ولُحْمة قلَّ مثيلها.

فعلى أبناء هذه البلاد المباركة أن يعرفوا نعمة الأمن والأمان، وأن يتنبهوا لهذه الشرور، وأن يقفوا سدًّا منيعًا أمام المؤامرات المشبوهة التي تستهدف وحدة هذه البلاد، والتي كانت قبل وحدتها في خوف ووجل ونهب وسطو وجوع وفقر.

عباد الله: إنه بتماسك الراعي والرعية، وطاعة ولي الأمر التي تفرضها شريعتنا الربانية بغير معصية الله، واتحاد الصف، واجتماع الكلمة، ونبذ الفرقة، والاعتصام بحبل الله ، فيه نصرة للحق ودحر للباطل، وإغاظة للأعداء، وإحباط لمساعي الحاقدين والكائدين والمتربصين بنا الدوائر، وهو واجب شرعي، فعلينا أن نتواصى على ذلك، وأن نلتف مع ولاة أمرنا ضد هؤلاء الأعداء، ضد كيد الكائدين، وضد هذه المؤامرات التي تستهدف هذه البلاد وأهلها.

اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء ورغد العيش، واجعلها عونًا لنا على طاعتك ومرضاتك.

اللهم اجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين، اللهم اجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين، اللهم اجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين.

اللهم أعنا على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللهم وأعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وترفع فيه السُّنة، وتقمع فيه البدعة، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، اللهم وفقه وولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد، ولما فيه عز الإسلام والمسلمين، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة التي تعينهم إذا ذكروا، وتذكرهم إذا نسوا، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 7053، ومسلم: 1849.
2 رواه البخاري: 7056، ومسلم: 1709.
3 رواه أحمد: 15333.
4 رواه البخاري: 2493.
5 رواه مسلم: 49.
6 أي: تحريضًا.

مواد ذات صلة