الرئيسية/خطب/فضل العشر الأواخر من رمضان
|

فضل العشر الأواخر من رمضان

مشاهدة من الموقع

الحمد لله الذي جعل رمضان موسمًا للتجارة مع الله بالأعمال الصالحات، يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل رمضان ميدانًا لجليل الطاعات، وجميل القُربات.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير مَن جدَّ وقام، وأزكى مَن صلَّى وصام، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهديه، واتَّبع سُنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتَّقوا الله أيها المسلمون: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

هدي النبي في العشر الأواخر من رمضان

عباد الله: ها هو قد مضى من هذا الشهر المبارك ما يُقارب الثلثين، وتبقى الثلث أو يزيد قليلًا، وربما أن ما تبقى خيرٌ مما مضى، فإن ما تبقى من هذا الشهر فيه موسم العشر المباركة: العشر الأواخر من رمضان، وهذه العشر التي فيها ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ.

هذه العشر المباركة التي قد أطلَّتْ علينا ولم يتبقَّ على دخولها سوى القليل تَسْتَحِثُّ هِمم المتقين، وتَسْتَنْهض عزم العابدين.

هذه العشر المباركة خصَّها ربنا تبارك وتعالى بفضائل وخصائص مشهودةٍ.

كان النبي يخلط العشرين الأولى من رمضان بصلاةٍ ونومٍ، فإذا دخلت العشر شَمَّرَ وشَدَّ المِئْزر؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله إذا دخلت العشر شَدَّ مِئْزَره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله” [1].

وكان إذا دخلت العشر اعتكف في مسجده، مُجتهدًا في عبادة ربه، مُتحريًا لليلة القدر، أي: أنه عليه الصلاة والسلام إذا دخلت العشر انقطع عن الدنيا، وانقطع عن الناس، وتفرغ للعبادة تفرغًا تامًّا، مع أنه قائد دولة الإسلام، ومُفتي الأنام، وهو النبي، والمُوجه، وكل شيءٍ بالنسبة للأمة، ومع ذلك كان إذا دخلت هذه العشر المباركة انقطع عن الناس جميعًا، واعتكف في مسجده.

فينبغي أن نقتدي برسول الله ، وأن نجتهد في هذه العشر المباركة، وأن نتفرغ فيها، أو على الأقل أن نُخفف فيها من مشاغل الدنيا التي لا تنقضي.

فضل ليلة القدر

عباد الله: إنما كان النبي يجتهد ويعتكف في هذه العشر المباركة طلبًا لليلةٍ عظيمةٍ، لليلةٍ جليلةٍ، لليلةٍ شريفةٍ: ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ.

سبحان الله!

مَن وُفِّق للعمل في هذه الليلة فقد وُفِّق لخيرٍ عظيمٍ.

ليلةٌ هي سُويعات -بضع سُويعات- مَن اجتهد في العمل فيها فالعمل ليس مُساويًا، بل هو خيرٌ من العمل في ألف شهرٍ.

أتدرون كم يُعادل ألف شهرٍ؟

يُعادل ثلاثًا وثمانين سنةً وأربعة أشهرٍ، فمَن وُفِّق لليلة القدر فقد وُفِّق لخيرٍ عظيمٍ جدًّا.

مَن وُفِّق لليلة القدر فكأنما أضاف لعمره عمرًا مَديدًا.

هذه الليلة المباركة خصَّها ربنا تبارك وتعالى بالذكر في كتابه الكريم في موضعين من القرآن، وأنزل في شأنها سورةً كاملةً من القرآن، يقول الله تعالى عن هذه الليلة: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ۝فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ۝أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ۝رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الدخان:3-6]، فوصفها الله تعالى بأنها ليلةٌ مباركةٌ؛ لكثرة خيرها وبركتها وفضلها.

ومن بركتها: أن هذا القرآن المبارك أُنزل فيها، ووصفها بأنها يُفْرَق فيها من كل أمرٍ حكيمٍ.

ومعنى “يُفْرَق” أي: يُفصل من اللوح المحفوظ إلى الملائكة الكَتَبَة، يُفْصَل ما هو كائنٌ من أمر الله ​​​​​​​ في تلك السنة من الأرزاق والآجال وما قد يُقدره الله تعالى في تلك السنة من كل أمرٍ حكيمٍ من أوامر الله تعالى المُحكمة المُتقنة التي ليس فيها خللٌ، ولا نقصٌ، ولا باطلٌ.

فيُفصل من اللوح المحفوظ أقدار الله تعالى لسنةٍ كاملةٍ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة، وأن فلان ابن فلان سيموت هذا العالم، وأن فلانًا سيُرزق بكذا، وأن فلانًا سيحصل له كذا.

جميع ما يُقدره الله تعالى في تلك السنة يُفصل من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة في ليلة القدر، فهذا معنى قوله: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.

ويقول سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ۝وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [القدر:1-2]، فبين سبحانه أن القرآن نزل في ليلة القدر، والمراد بنزول القرآن، أي ابتداء نزوله، وإلا فإن القرآن قد نزل منجمًا على نبينا محمد في ثلاث وعشرين سنة.

والْقَدْرِ معناه: الشرف والتعظيم، أو هو بمعنى التقدير والقضاء؛ لأن ليلة القدر ليلة شريفة يقدر الله تعالى فيها ما يكون في السنة من أموره المحكمة.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ هذا الاستفهام للتفخيم والتعظيم.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ عندما يقول رب العالمين: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، فهذا يدل على عظيم شأنها وعظيم شرفها فهي ليلة عظيمة شريفة مهيبة.

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3] أي: في الفضل والشرف، وكثرة الثواب والأجر، ولهذا كان من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.

تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ [القدر:4] أي: أن الملائكة تنزل إلى الأرض في تلك الليلة الشريفة تنزل بالخيرات والبركات والرحمة تنزل الملائكة بمن فيهم الروح جبريل عليه السلام.

تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:4]، وخص الله تعالى الروح وهو جبريل عليه السلام بالذكر لشرفه وفضله.

تتنزل الملائكة إلى الأرض في تلك الليلة لترى عبادة المؤمنين، فإن الله تعالى لما أخبر الملائكة، قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، فتتنزل الملائكة إلى الأرض في تلك الليلة؛ لتنظر إلى عبادة المؤمنين، وتُسلِّم على كل مؤمن ومؤمنة وهو قائم يصلي.

وجاء في بعض الآثار: “أن الملائكة تتعرف على الصالحين من المؤمنين وأنها إذا لم تر عبدًا صالحًا سألت عنه فتقول: رأيناه العام الماضي قائمًا يصلي، ولم نره هذا العام، اللهم إن كان غائبًا فردده وإن كان مريضًا فاشفه.

سَلَامٌ هِيَ أي: أن ليلة القدر سلام للمؤمنين من كل مخوف لكثرة من يعتق فيها من النار، ويسلم من عذابها.

حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أي: أن ليلة القدر تنتهي بطلوع الفجر؛ لانتهاء عمل الليل به.

ففي هذه السورة العظيمة فضائل متعددة لليلة القدر:

  • الفضيلة الأولى: أن الله تعالى أنزل فيها القرآن الذي به هداية البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
  • الفضيلة الثانية: ما يدل عليه الاستفهام في قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ من التفخيم والتعظيم والتشريف.
  • الفضيلة الثالثة: أنها خير من ألف شهر.
  • الفضيلة الرابعة: أن الملائكة تتنزل فيها وهم لا يتنزلون إلا بالخيرات والبركات والرحمة.
  • الفضيلة الخامسة: أنها سلام لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب وما يقوم به العبد من طاعة الله .
  • الفضيلة السادسة: أن الله أنزل في فضلها سورة كاملة تتلى إلى قيام الساعة.

ومن فضائل ليلة القدر: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة  أن النبي  قال: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه [2]، متفق عليه.

فينبغي لك أخي المسلم أن تجتهد في جميع ليالي العشر حتى تدرك هذه الليلة، وينبغي القيام مع الإمام، ينبغي أن تصلى التراويح مع الإمام فإنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة. فإذا استمر على ذلك طيلة العشر الأواخر فمعنى ذلك أنه يكون قد قام ليلة القدر وقد وافقها ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر والحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان

عباد الله: ها نحن الآن مقبلون على هذا الموسم العظيم موسم العشر الأواخر من رمضان مقبلون على هذا الوقت الثمين من العمر، فاجتهدوا وأروا الله تعالى من أنفسكم خيرًا.

وإن مما يؤسف له: غفلة بعض المسلمين عن هذه المواسم الفاضلة وانشغالهم بأمور يمكن تأجيلها أو قضاؤها في وقت آخر، فينبغي للمسلم أن يغتنم هذه الليالي المباركة؛ لعله أن يدرك ليلة القدر ولعله أن يدرك فيها نفحة من نفحات الرب ، فيكتب الله تعالى له بسببها سعادة الدنيا والآخرة.

عباد الله: وأفضل عبادة تفعل في هذه العشر المباركة الصلاة، فإن هدي النبي هو إحياء هذه الليالي المباركة، كان إذا دخلت هذه العشر أحيا ليله.

الإكثار من الدعاء

ومما ينبغي في هذه العشر المباركة: الإكثار من الدعاء فإن الدعاء حري بالإجابة ولهذا جاءت آية الدعاء: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186] جاءت بين آيات الصيام وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للصائم أن يكثر من الدعاء في شهر الصيام، ولا سيما في هذه العشر المباركة.

فاجتهدوا في الدعاء فرب دعوة تستجاب للمسلم يكتب الله تعالى له بسببها خيرًا عظيمًا.

صلاة القيام في البيت بسبب جائحة كورونا

عباد الله: وإذا لم تقم صلاة التهجد في المساجد بسبب جائحة كورونا، فعلى المسلم أن يقيمها مع من تيسر من عائلته في البيت يصلي مثنى مثنى، ويختم الصلاة بالوتر، لكن لا تترك صلاة التهجد في هذه الليالي الفاضلة، وهذا الموسم العظيم، فيقيمها المسلم مع من يتيسر من أسرته وعائلته، كما كان الناس يفعلون ذلك في العام الماضي مع الحجر المنزلي، فإذا لم يتيسر إقامة صلاة التهجد في المساجد، فينبغي أن يحرص الجميع على إقامتها في البيوت.

اللهم بارك لنا في هذه العشر المباركة، اللهم وفقنا فيها لما تحب وترضى، اللهم وفقنا فيها ليلة القدر، اللهم اجعلنا ممن يقوم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، اللهم بارك لنا فيما تبقى من هذا الشهر، واجعلنا ممن يصومه ويقومه إيمانًا واحتسابًا، واجعلنا ممن تغفر لهم في هذا الشهر، واجعلنا من عتقائك من النار، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم بارك لنا فيما تبقى من أعمارنا في هذه الدنيا، ووفقنا للتوبة النصوح.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، ولما فيه صلاح البلاد والعباد، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الحق، وتعينه عليه، وتذكره إذا نسي، وتعينه إذا ذكر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ۝ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ۝ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 2024، ومسلم: 1174.
2 رواه البخاري: 1901، ومسلم: 760.

مواد ذات صلة