الرئيسية/خطب/فضائل الاستغفار
|

فضائل الاستغفار

مشاهدة من الموقع

الحمد لله عظُم حلمه فستر، وبسط يده بالعطاء فأكثر، أطاعه الطائعون فشكر، وتاب إليه المذنبون فغفر، أحمده تعالى وأشكره حمدًا وشكرًا كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإنها وصية الله للأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّه [النساء:131]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

فضل الاستغفار

عباد الله: الكمال في البشر مُحال، والتقصير من لوازم البشر، خلق الله البشر وهم ليسوا كالملائكة الذين لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، ولو أراد الله تعالى لجعل البشر كالملائكة معصومين من الخطأ والزلل لا يقع منهم ذنوب ولا معاص، ولكن الله ​​​​​​​ بحكمته البالغة خلق البشر على هذه الصفة، يقع منهم الخطأ والتقصير، ويستغفرون ربًّا غفورًا رحيمًا فيغفر لهم، يقول النبي : لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم [1]، ويقول الله تعالى في الحديث القدسي: يا عبادي إنكم تخطؤون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم [2].

عن أبي موسى الأشعري  أن النبي قال: إن الله ​​​​​​​ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها [3].

وكل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ينادي الرب عباده: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه [4].

دفع البلاء بالاستغفار

عباد الله: إذا كثر الاستغفار في الأمة وصدر عن قلوب بربها مطمئنة دفع الله عنها ضروبًا من النقم، وصرف عنها صنوفًا من البلايا والمحن؛ كما قال ربنا سبحانه: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان فيهم أمانان: النبي ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ، والاستغفار: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فذهب النبي وبقي الاستغفار، فالاستغفار أمان من حلول العقوبات والعذاب على الناس، بل وعلى الفرد، فإن من يكثر من الاستغفار يكون هذا أمانًا من حلول العقوبات به.

بالاستغفار تتنزل الرحمات

بالاستغفار تتنزل الرحمات: لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:46]، الاستغفار جالب للخصب والبركة، وكثرة النسل والنماء، يقول نوح عليه السلام: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ۝وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12]، ويقول هود عليه السلام لقومه: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [هود:52].

الاستغفار سبب للرزق

والمستغفرون يمتعهم ربهم متاعًا حسنًا، من سعة الرزق، وبسط الأمن، والصحة والعافية، ورغد العيش، والقناعة بالموجود، وعدم الحزن على المفقود. بالاستغفار يبلغ كل ذي منزل منزلته، وينال كل ذي فضل فضله: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3].

إنه ارتباط صحيح، وقاعدة مطردة، وسنة من سنن الله تعالى بين الصلاح والحمد والبركة والاستغفار: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96].

إن ما يورثه الاستغفار والتوبة من طهارة القلب ونقاء الضمير، وصلاح العمل، وطمأنينة النفس يزيد في القوة، واعتدال الصحة، وطيب النفس، واستدرار الخيرات، وتنزل البركات.

إن المصائب والمحن سببها الذنوب والمعاصي؛ كما قال الله سبحانه: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى:30].

استغفار النبي صلى الله عليه وسلم

وبالاستغفار تُمحى الذنوب والمعاصي التي هي سبب للمصائب والبلايا، وقد كان رسول الله يكثر من الاستغفار، وكان يقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة [5]، وهو رسول الله الذي قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

ويقول الصحابة : “كنا نعد لرسول الله في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم [6].

وبعد أن فرغ رسول الله عليه الصلاة والسلام من مهام الرسالة أمره ربه أن يتوجه إليه تائبًا مستغفرًا: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:1-2]، أي: فهذه علامة على دنو أجلك: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3].

الاستغفار بعد أداء العبادة

والمصلون إذا فرغوا من صلاتهم بادروا بالاستغفار، أول ما يقوله المصلي بعد الفراغ من السلام يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.

وحجاج بيت الله الحرام بعد الإفاضة من عرفات والمشعر الحرام مأمورون بالاستغفار: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:199].

أما المستغفرون بالأسحار فناهيك بهم ثم ناهيك، صلوا ما كُتب لهم من الليل ثم شرعوا يستغفرون: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18]، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17].

كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي من الليل ثم يقبل على الاستغفار حتى يصبح، لأجل أن يدخل في هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18].

أٌقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

صيغ الاستغفار

عباد الله: للاستغفار صيغ متعددة؛ من أبرزها: أن يقول: أستغفر الله العظيم، جاء في صحيح مسلم عن ثوبان قال: كان رسول الله إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام [7]، قيل للأوزاعي الراوي لهذا الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله .

والأكمل: أن يُقرن مع الاستغفار التوبة، فيقول: أستغفر الله وأتوب إليه، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله يُكثِر من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، يمتثل أمر ربه: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3]” [8].

ومنها: ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: “كنا نعد لرسول الله في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور [9]، فيقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور، فهذه من صيغ الاستغفار.

ومنها: أن يقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، فقد صح عن رسول الله أنه قال: من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ غفر له وإن كان قد فر من الزحف [10].

ومن صيغ الاستغفار: سيد الاستغفار الذي جاء في حديث شداد بن أوس في صحيح البخاري أن النبي قال: سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي دخل الجنة، ومن قالها حين يمسي موقنًا بها فمات قبل أن يصبح دخل الجنة [11]؛ ولهذا فهذا الذكر من أذكار الصباح والمساء التي ينبغي أن يحافظ عليه المسلم؛ وهو سيد الاستغفار.

ومنها: أن يسأل الله تعالى المغفرة، فيقول: اللهم اغفر لي، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي [12]، وهذا الذكر ينبغي أن يقوله المسلم في كل صلاة يصليها من فرض أو نفل بعدما يسبح في الركوع: سبحان ربي العظيم، وعندما يفرغ من هذا التسبيح يختمه بأن يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.

وهكذا في السجود بعدما يسبح، ويقول: سبحان ربي الأعلى، يختم ذلك التسبيح، بقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، فهذا مما قد وردت به السنة، ويغفل عنه بعض الناس.

عباد الله: ينبغي للمسلم أن يكثر من الاستغفار، وأن يخصص من وقته كل يوم وقتًا للاستغفار، فإن الاستغفار شأنه عظيم.

الاستغفار به تُمحى الذنوب والمعاصي التي هي سبب المصائب والبلايا على الإنسان.

الاستغفار أمان من حلول العقوبات على الإنسان.

اللهم إنا نستغفرك من جميع الذنوب والخطايا ونتوب إليك، نستغفر الله ونتوب إليه، نستغفر الله ونتوب إليه، نستغفر الله ونتوب إليه.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة، وألبسه لباس الصحة والعافية، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 2749.
2 رواه مسلم: 2577.
3 رواه مسلم: 2759.
4 رواه مسلم: 758.
5 رواه البخاري: 6307.
6 رواه أبو داود: 1516، والترمذي: 3434، وابن ماجه: 3814.
7 رواه مسلم: 591.
8 رواه مسلم: 484.
9 سبق تخريجه.
10 رواه أبو داود: 1517.
11 رواه البخاري: 6306.
12 رواه البخاري: 817، ومسلم: 484.

مواد ذات صلة