الرئيسية/خطب/نعمة الأمن والأمان
|

نعمة الأمن والأمان

مشاهدة من الموقع

الحمد لله على عظيم آلائه، والشكر له على جزيل كرمه ونواله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وصفات كماله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هو القدوة في أقواله وأفعاله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى أصحابه وآله، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الدهر بإدباره وإقباله، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5].

أهمية نعمة الأمن والأمان

عباد الله: نِعم الله علينا كثيرة جدًّا؛ كما قال سبحانه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل:18]، وقال: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان:20].

نِعم الله تعالى علينا كثيرة جدًّا وعظيمة بيد أن هناك نعمة في غاية الأهمية لا يستشعر قدرها كثير من الناس.

نعمة لا يهنأ العيش بدونها، ولا يقر قرار عند فقدها، نعمة يطلبها جميع الناس المسلم وغير المسلم، الصغير والكبير، الغني والفقير، إنها نعمة الأمن والأمان، ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من اكتوى بنار الخوف والرعب، والفوضى والتشريد.

وانظروا إلى أحوال جيرانكم الذين فقدوا الأمن والاستقرار، كم يتمنون العودة إلى سابق أحوالهم، اسألوا المشرد عن أهله، واسألوا اللاجئ عند الآخرين، وشاهدوا بعين الشكر والبصيرة ما تنقله إليكم وسائل الإعلام من مآس وكوارث بسبب فقد الأمن، عالم حولكم تجتاحه فتن وحروب، ومجاعات وقلاقل، يحيط بهم الخوف والجوع، واليأس والقلق، سلب ونهب، في فوضى عارمة وغابة موحشة، دماء تراق، ورقاب إلى الموت تساق، في أعمال نكراء، وفتن عمياء.

امتنان الله تعالى على قريش بنعمة الأمن

عباد الله: نعمة الأمن هي النعمة التي امتن الله تعالى بها على قريش حين أعرضوا عن دين محمد ، فقال سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]، وذكَّرهم بأحوال الذين فقدوها من حولهم، فقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67]، ثم جعلها لعظمها داعيًا لهم إلى الإيمان، فقال سبحانه: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ۝الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4]، وتأمل كيف جاء الأمن في هذه الآية مقرونًا بالطعام الذين لا حياة للإنسان ولا بقاء له بدونه؛ مما يدل على أن حاجة الإنسان للأمن والأمان والاطمئنان لا تقل عن حاجته إلى الطعام والشراب: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.

أول مطلب لإبراهيم من ربه الأمن

وأول مطلب طلبه إبراهيم عليه السلام من ربه هو أن يجعل هذا البلد آمنًا: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35]، فانظر كيف قدم إبراهيم عليه السلام كيف قدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده، وهذا يدل على أنه من أعظم أنواع النعم والخيرات، وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به، فإنه إن انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا.

وفي الآية الأخرى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ [البقرة:126]، فقدم طلب الأمن على طلب الرزق من الثمرات؛ لأن بلدًا لا أمن فيه لا تستقيم فيه أرزاقهم.

تذكير صالح قومه بنعمة الأمن

وهذا نبي الله صالح عليه السلام في دعوته لقومه إلى عبادة الله وحده يذكرهم بنعم الله عليهم مبتدأ بنعمة الأمن: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ۝فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الشعراء:146-147].

أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا ثم ذكر أول نعمة آمِنِينَ ۝ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ [الشعراء:146-148].

عندما يختل الأمن

إذا اختل الأمن تبدل الحال ولم يهنأ أحد براحة البال، إذا اختل الأمن تقتل النفوس البريئة، وترمل النساء، وييتم الأطفال، ويلحق الناس الفزع والذعر حتى في عباداتهم، وينقطع تحصيل العلم ويئن المريض فلا دواء ولا طبيب، وتختل المعايش، وتهجر الديار، وتفارق الأوطان، وتتفرق الأسر، وتبور التجارة، ويتعسر طلب الرزق، إذا اختل الأمن حل الخوف وأذيق المجتمع لباس الفقر والجوع؛ كما قال الله سبحانه عن القرية الآمنة المطمئنة التي يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله، قال الله: فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

قال القرطبي رحمه الله: “سمى الله الجوع والخوف لباسًا؛ لأنه يظهر عليه من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس”.

لا يمكن أن يستقر أي مجتمع إلا تحت ظل الأمن، وقديمًا قيل: الأمن نصف العيش، وإن مطلب الأمن يسبق مطلب الغذاء، فبغير الأمن لا يستساغ طعام ولا يهنأ بعيش ولا ينعم براحة.

أسباب تحقيق الأمن

عباد الله: وإن من أعظم أسباب تحقيق الأمن: التوحيد الخالص لله ، فالتوحيد يثمر الأمن التام في الدنيا والآخرة؛ كما قال الله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ المراد بالظلم: الشرك؛ فتحقيق التوحيد لله ​​​​​​​ من أعظم أسباب تحقيق الأمن: أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ.

ومن أسباب تحقيق الأمن ودوام هذه النعمة: شكر الله بالاستقامة على طاعة الله سبحانه، والابتعاد عما يغضبه ويسخطه؛ فبالشكر تدوم النعم وتزيد كما قال الله سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

وسنن الله تعالى لا تحابي أحدًا، فبكفر النعم وببطرها تزول هذه النعم؛ كما قال الله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

وقوم سبأ أنعم الله عليهم بالأمن والأمان، ورغد العيش، جعل لهم جنتين عن يمين وشمال، عن يمين بلدتهم جنة، وعن شمالها جنة، والجنة: البستان العظيم، هذه الجنان متراكبة الأشجار، وافرة الثمار، متنوعة العطاء، يحصل لهم بها الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشكر هذه النعمة: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ۝فَأَعْرَضُوا [سبأ:15-16]، وكفروا النعمة وبطروها فعاقبهم الله : فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ:16]، ومزقهم الله كل ممزق؛ كما قال سبحانه: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ:19].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

المؤامرة على بلاد الحرمين

عباد الله: إن أعداء الإسلام يعز عليهم أن يروا المسلمين يعيشون آمنين مطمئنين مستقرين، ولذلك فهم يسعون لزعزعة الأمن بشتى الأساليب، فقد أصبحت بعض دول العالم الإسلامي تعيش في اضطراب وانعدام أو قلة أمن، في حروب وقلاقل وفتن، وبلادنا المملكة العربية السعودية بلاد الحرمين، وقبلة المسلمين، ومأرز الإسلام، ومنبع الدعوة إلى الله ، مستهدفة من قبل الأعداء.

نعم لما رأى هؤلاء الأعداء صحة تدين أهل هذه البلاد، وصدق أفعالهم، وثمار أعمالهم، وجهوا إليها السهام يريدون تقويض خيامها، ويريدون العبث بأمنها، وآخر هذه السهام العمل الإجرامي الذي استهدف معامل النفط في محافظة بقيق وهجرة خريص يوم السبت الماضي، وإن هذا العمل الإجرامي وأمثاله لن يزيد مجتمعنا إلا تماسكًا والتفافًا حول ولاة أمرنا، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده حفظهما الله تعالى.

إن مجتمعنا ولله الحمد يقف بجميع طبقاته وشرائحه مع ولاة الأمر صفًّا واحدًا في وجه كل من يحاول زعزعة أمن هذه البلاد، وسيبقى مجتمعنا أعينًا ساهرة على أمن وأمان هذه البلاد، ولن يجد العدو بغيته بإذن الله .

اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان، والاستقرار والرخاء، ورغد العيش، واجعلها عونًا لنا على طاعتك ومرضاتك، يا رب العالمين.

اللهم من أراد بنا وأراد ببلادنا فتنة وأراد بنا سوءًا أو شرًا، اللهم فأشغله في نفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا قوي يا عزيز، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم احفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين وراقدين، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن إيماننا وعن شمائلنا، اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك وعنايتك.

اللهم وأعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الحق وتعينه عليه، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

مواد ذات صلة