الرئيسية/خطب/قصة موسى عليه السلام: دروس وعبر
|

قصة موسى عليه السلام: دروس وعبر

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

قصة موسى عليه السلام من أعظم قصص الأنبياء

اتقوا الله واذكروا أيام الله لعلكم تذكرون، واذكروا أيام الله بنصر أوليائه وأتباعهم، وخذل أعدائه ومن والاهم.

إن نصر الله لأوليائه في كل زمان ومكان انتصار للحق وذلة للباطل، وإنه نعمة على المؤمنين إلى يوم القيامة؛ لأنهم يسرون بذلك، وفي اليوم العاشر من شهر محرم في مثل هذا الشهر الكريم كانت نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده.

وإن في قصة موسى عليه السلام لعبرًا عظيمة، ودروسًا بليغة، ولذلك فقد قصها الله تعالى علينا في مواضع من كتابه بأساليب متنوعة باختصار أو بسط يليق بذلك المقام.

وليس من قصص القرآن قصة هي أعظم من قصة موسى عليه السلام؛ لأنه عالج فرعون وجنوده وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة، وهو أعظم أنبياء بني إسرائيل وأتباعه أكثر أتباع الأنبياء بعد محمد .

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: “قصة موسى عليه السلام وما جرى له مع فرعون من أعظم قصص الأنبياء التي ذكرت في القرآن، ثناها الله تعالى أكثر من غيرها وبسطها وطولها أكثر من غيرها”.

ولادة موسى عليه السلام

ولد موسى عليه السلام في وقت اشتد فيه أذى فرعون على بني إسرائيل، وكان فرعون حذرًا أشد الحذر فقد أخبرته بطارقة أقباطه بأن الخليل إبراهيم عليه السلام لما مر في مهاجره بمصر، وأراد فرعون في وقته أن يتسلط على زوج إبراهيم سارة، فنجاها الله تعالى منه وصانها، ثم بعد ذلك بعدما نجى الله تعالى سارة أخبر إبراهيم الخليل بأنه سيولد من ذريته غلام تكون نهاية فراعنة مصر على يديه، فأخذ فرعون في تقتيل من يولد ذكرًا، وبعد ذلك قال له أقباطه وحاشيته: الغلمان يقتلون والشيوخ سيموتون والنساء لا طاقة لهن بأعمال الرجال، وكان بنو إسرائيل الذين أوقع بهم فرعون هذا الأمر مسخرين في خدمة الأقباط فبعد ذلك أخذ يقتل ولدان سنة ويبقي ولدان سنة ويقدر الله تعالى أن يولد موسى عليه السلام ليس في السنة التي لا يقتل فيها الولدان، بل يولد في السنة التي يقتل فيها الولدان ابتلاء وامتحانًا وبيانًا بأنه لا يرد الحذر القدر.

موسى عليه السلام في بيت فرعون

فلما ولدته أمه خافت عليه خوفًا شديدًا، وكان بيتها على ضفة نهر النيل، فألهمها الله تعالى أن وضعت له تابوتًا: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، فإذا خافت أحدًا ألقته في اليم وقد ربطته بحبل لئلا تجري به جرية الماء.

فلما ألقته ذات يوم انفلت رباط التابوت فذهب الماء بالتابوت الذي في وسطه موسى عليه السلام، ومن قدر الله أن وقع هذا التابوت في يد آل فرعون، وجيء به إلى امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، فلما رأته أحبته حبًّا شديدًا، وكان قد ألقى الله تعالى عليه المحبة في القلوب؛ كما قال سبحانه: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39]، فكان كل من رآه أحبه وشاع الخبر ووصل إلى فرعون فطلب فرعون هذا الطفل ليقتله، فقالت امرأة فرعون: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [القصص:9]، فنجاه الله تعالى من القتل.

وأما أم موسى عليه السلام فإنها فزعت فزعًا شديدًا، وأصبح فؤادها فارغًا إن كادت لتبدي به لولا أن الله ربط على قلبها.

المعجزة الإلهية في تحريم المراضع على موسى عليه السلام

وقالت لأخته: قصيه وتحسسي عنه، ثم إن الله تعالى حرم المراضع على موسى فجعلوا كلما أتوا له بمرضعة لا يقبل ثدي تلك المرضعة وجعل يتلوى ويتلمظ من شدة العطش والجوع فلم يقبل ثدي امرأة قط: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ [القصص:12].

عند ذاك أخرجوه إلى الطريق لعل الله أن ييسر له أحدًا: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص:11] قالت أم موسى لأخت موسى: تحسسي عنه فرأته أخته وهو على الطريق فحانت لأخته نظرة إليه: فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بشأنها فلما أقبلت عليه وفهمت منهم أنهم يطلبون له مرضعة قالت لهم: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12] فقالوا: نعم، قالت: هذه المرأة، فرده الله تعالى إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن وجعلوا يعطونها أجرة وهي ترضع ابنها في بيتها، فسبحان الله العظيم! وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8].

فسبحان الله! انظر إلى عظيم لطف الله ​​​​​​​ كيف رد هذا الطفل من أكبر طاغية رده إلى أمه ترضعه مطمئنة تقر عينها به وتأخذ مع ذلك أجرة من فرعون على إرضاعه.

فانظر إلى عظيم لطف الله .

نشأة موسى عليه السلام في بيت فرعون

ويتربى موسى عليه السلام في حِجر فرعون وهذا من عجائب قدر الله أن يتربى موسى في بيت طاغية من أكبر الطغاة في تاريخ البشرية ومع ذلك لم يضره، نبي مرسل بل من أولي العزم من الرسل من أعظم أنبياء الله تعالى ورسله ومع ذلك كان قد تربى في بيت طاغية ومن أكبر الطغاة في تاريخ البشرية، وهذا من عظيم قدر الله .

ويخرج موسى عليه السلام من ذلك الجو العكر بعد بلوغ الأشد بمحنة كما قصها الله تعالى علينا في سورة القصص، وبين لنا سبحانه كيف تنقلت بموسى عليه السلام الأحوال بأسلوب واضح ومفصل.

دعوة موسى عليه السلام

ولما بلغ موسى الأشد، واكتملت تربيته، وتهيئته لحمل الرسالة أوحى الله إليه واستجاب له دعوته في الوحي إلى أخيه هارون ليشد به عضده وأمره أن يذهب هو وأخوه هارون إلى فرعون ودعوته إلى توحيد الله تعالى، وفي ذلك يقول سبحانه: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ۝اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ۝اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ۝فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:41-44]، فأمرهما الله تعالى بأن يقولا له قولًا لينًا مع أنه طاغية من أكبر الطغاة في تاريخ البشرية ادعى مقام الربوبية، وقال: أنا ربكم الأعلى، ومع ذلك أمر الله موسى وهارون بأن يقولا له قولًا لينًا.

وفي هذا درس بليغ للدعاة إلى الله بأن يسلكوا جانب الرفق واللين في الدعوة إلى الله سبحانه.

تأييد الله تعالى لموسى عليه السلام بالآيات البينات

وجاء موسى عليه السلام فرعون بالآيات البينات، والبرهان القاطع على نبوته، ودعاه إلى توحيد الله ، وما زال موسى عليه السلام يأتي بالآيات الواضحات، وفرعون ينكر ويحاول بكل جهوده أن يقضي على دعوة موسى عليه السلام بالرد والكتمان، حتى قال لموسى عليه السلام: أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ۝فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى [طه:57-58].

وكان السحر في ذلك الوقت منتشرًا وشائعًا وقد برع فيه السحرة في ذلك الوقت، ومن قدر الله أن الله إذا أرسل نبيًا يأتي بمعجزة من جنس ما برع فيه قوم ذلك النبي، فكان السحر منتشرًا في وقت موسى عليه السلام فأتى موسى عليه السلام بالعصا، وكان في وقت عيسى عليه السلام الطب شائعًا ومزدهرًا، فكان عيسى عليه السلام يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وكانت قريش على قدر عظيم من الفصاحة والبلاغة فأتى محمد عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن العظيم الذي تحداهم الله تعالى أن يأتوا بمثله، فكان السحر وقت فرعون شائعًا.

معجزة موسى عليه السلام مع السحرة

ولذلك أراد فرعون أن يجمع السحرة كلهم، وقال لموسى عليه السلام: اجعل بيننا وبينك موعدًا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانًا سوى، أي مستويًا لا يحجب عن الرؤية، ليس فيه واد ولا جبل، فواعدهم موسى عليه السلام موعد الواثق بنصر الله، واعدهم يوم الزينة، وهو يوم عيدهم في رابعة النهار ضحى.

فاجتمع الناس وأتى فرعون بسحرة الدنيا كلهم، وأتى بكل ما يستطيع من كيد ومكر، فلما اجتمع هؤلاء السحرة: قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى [طه:61]، هذه الكلمة العظيمة الصادرة عن يقين وإيمان وقعت بين السحرة أشد من السلاح الفتاك: فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ۝قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى [طه:62-63]، فألقى هؤلاء السحرة سحرهم العظيم، حتى إن موسى عليه السلام أوجس خيفة في نفسه، فأمره الله تعالى أن يلقي عصاه، العصا التي بيده أن يلقيها، فلما ألقاها فإذا هي حية تسعى، وإذا هي تلقف جميع سحرهم، فعرف السحرة أن ما جاء به موسى عليه السلام أنه ليس سحرًا، وأنه نبي مرسل من عند رب العالمين: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ۝قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ۝رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء:46-48]، فلما رأى فرعون ذلك قال: إن هذه مؤامرة، وإن موسى عليه السلام هو كبيرهم الذي علمهم السحر، وإن هذا مكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها، واستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوما فاسقين.

عند ذاك قال السحرة لفرعون ثم قام فرعون يتوعد السحرة بأن يصلبهم على جذوع النخل، ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويعذبهم عذابًا شديدًا، فقال السحرة لفرعون: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۝إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:72-73]، سبحان الله! أصبحوا فجرة سحرة من أعظم السحرة في الدنيا وأمسوا مؤمنين هذا الإيمان العجيب، هذا الإيمان الذي وقر في قلوبهم إلى درجة أن فرعون يهددهم بأن يسومهم سوء العذاب، وأن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأن يصلبهم على جذوع النخل؛ ومع ذلك لم يتراجعوا عن إيمانهم، وقالوا له: اقض ما أنت قاض، افعل ما أنت فاعل، كلها دنيا إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، وتمسكوا بإيمانهم، فقتلهم فرعون، وصلبهم، أصبحوا سحرة فجرة، وأمسوا مؤمنين شهداء، فسبحان الله العظيم!

هلاك فرعون وجنوده

وما زال فرعون ينابذ دعوة موسى عليه السلام حتى استخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قومًا فاسقين، يقول الله: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ۝فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ [الزخرف:55-56].

وكان من قصة غرقهم أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام أن يسري بقومه ليلًا بمصر، فاهتم لذلك فرعون اهتمامًا عظيمًا، فأرسل في جميع مدائن مصر أن يحشر الناس للوصول إليه لأمر يريده الله ، فاجتمع الناس إليه فخرج بهم في إثر موسى وقومه ليقضي عليه حتى أدركهم عند البحر: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] البحر أمامنا فإن خضناه غرقنا، وفرعون وقومه خلفنا وسيأخذوننا.

فيا له من موقف عصيب، عند ذاك قال موسى عليه السلام قول الواثق بربه الموقن بوعده ونصره: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، أي: سيدلني إلى ما فيه النجاة.

فيا له من موقف عظيم! هذا والله غاية الإيمان والثقة بوعد الله ونصره، وهكذا أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم في ثقتهم بوعد الله تعالى ونصره.

فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63] أوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر فانفلق بإذن الله اثني عشر طريقًا يبسًا، وصار هذا الماء السيال بينهما ثابتًا كأطوار الجبال، فدخل موسى وقومه يمشون آمنين بين جبال الماء في طرق يابسة، أيبسها الله تعالى في لحظة، فلما تكاملوا خارجين تبعهم فرعون بجنوده داخلين، وانظروا إلى الغرور والاستكبار، وإلا فالله الذي أيبس البحر لموسى عليه السلام هل سيترك البحر يدخل فيه فرعون؟ لكنه غرور المتكبرين والمتجبرين، فأتى فرعون وجنوده، وتبعوا موسى عليه السلام على هذه الطرق التي أيبسها الله، في لحظة فأمر الله البحر أن يعود لحاله، فانطبق على فرعون وجنوده حتى غرقوا عن آخرهم، ورأى بنو إسرائيل رأوا فرعون هذا المتكبر هذا الطاغية هذا الجبار، رأوه يغرق في الماء، ويهلك أمامهم وهم ينظرون، فرعون وجنوده الذين كانوا يقتلون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، بنو إسرائيل يرونهم أمامهم وهم يغرقون في الماء، وهذا من عجائب تقدير الله .

فلما أدركه الغرق قال: آمنت، سبحان الله! هذا المتكبر المتجبر الذي قال أنا ربكم الأعلى، عند الموت تغيرت الحسابات عنده قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت بنو إسرائيل وأنا من المسلمين.

فرعون الذي قال لقومه: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أجرى الله تعالى الأنهار والماء من فوقه وأغرقه، ولم ينفعه الإيمان حينئذ؛ لأنه إذا بلغت الروح الحلقوم لا ينفع الإيمان، ولا تنفع التوبة، فقيل له توبيخًا: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ۝فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:91-92].

قال الله تعالى عن فرعون وقومه: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ۝وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ۝كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ۝فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:25-29].

وأورث الله بني إسرائيل أرض فرعون وقومه؛ كما قال سبحانه: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف:137].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله: لقد كانت قصة موسى عليه السلام، والتي ذكرها الله تعالى في القرآن العظيم في مواضع متعددة مبسوطة تارة ومختصرة تارة كانت من أعظم قصص المرسلين، ولذلك ففيها من الآيات والعبر والدروس والفوائد الشيء الكثير، ولكن لا يستفيد منها إلا أولو الألباب ولا يستنير بها إلا المؤمنون، والله يسوق القصص لأجلهم؛ كما قال سبحانه: نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص:3].

فتأملوا رحمكم الله ما في هذه القصة العظيمة من الآيات والعبر والدروس.

نجاة موسى وقومه نعمة تستوجب الشكر

عباد الله: إن نجاة موسى وقومه من فرعون وجنوده لنعمة كبرى تستوجب الشكر لله ، فهي نعمة على المؤمنين إلى قيام الساعة، ولذلك لما قدم النبي المدينة ووجد اليهود يصومون اليوم العاشر من شهر محرم فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى وقومه من عدوهم فنحن نصومه شكرًا لله، فقال النبي : نحن أحق بموسى منكم، فصامه، وأمر بصيامه [1].

وجاء في صحيح مسلم عن أبي قتادة  أن النبي قال: صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله [2].

ويوم عاشوراء يوافق يوم الاثنين القادم، ويتأكد صومه، وقد كان النبي يحرص على صومه؛ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: “ما رأيت النبي يتحرى يومًا فضله على سائر الأيام إلا يوم عاشوراء”.

فينبغي لنا أن نحرص جميعًا على صيام ذلك اليوم عمل يسير والأجر المرتب عليه عظيم، وعمر الإنسان قصير، فينبغي ألا يفوت هذه المناسبات التي تضاعف فيها الأجور والحسنات.

السنة في صيام يوم عاشوراء

السُّنة أن يصام يوم قبله أو يوم بعده؛ تحقيقًا لمخالفة اليهود، فإن النبي قال: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع [3].

وعلى ذلك فالأفضل أن يصام يوم الأحد والاثنين أو يوم الاثنين والثلاثاء، فإن صام الأحد والاثنين هذا هو الأكمل والأفضل؛ لأنه يصوم التاسع والعاشر، وإن أراد أن يكتفي بصيام الاثنين والثلاثاء فلا بأس، وإن لم يتيسر هذا ولا ذاك فلا أقل من أن يصوم يوم الاثنين الذي هو يوم عاشوراء، وإن أراد أن يصوم الثلاثة الأيام الأحد والاثنين والثلاثاء ينوي بذلك صيام ثلاثة أيام من الشهر فإن صيام ثلاثة أيام من الشهر من السنة، وينوي بذلك أيضًا أن يستكثر من صيام النافلة في شهر محرم الذي قال عنه النبي : أفضل الصيام بعد رمضان: صيام شهر الله المحرم [4]، كان ذلك حسنًا، فهي أعلى المراتب.

فاحرصوا رحمكم الله على صيام هذا اليوم، وليحرص المسلم على ألا يفوت هذه المناسبات التي تضاعف فيها الأجور والحسنات.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك، فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، ولما فيه صلاح البلاد والعباد، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه إذا ذكر، وتذكره إذا نسي، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ۝ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ۝ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 2004، ومسلم: 1130.
2 رواه مسلم: 1162.
3 رواه مسلم: 1134.
4 رواه مسلم: 1163.

مواد ذات صلة