الرئيسية/خطب/قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا
|

قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا

مشاهدة من الموقع

الحمد لله مُستحقِّ الحمد وأهله، يجزي الصادقين بصدقهم من رحمته وفضله، ويُجازي الكاذبين فيُعاقبهم إن شاء بعدله وحكمته، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتَّقوا الله أيها المسلمون: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

عباد الله: نقف مع قصةٍ من قصص المصطفى ، وموقف صدقٍ من مواقف الصَّحْب البَرَرَة، قلم الكاتب ولسان الخطيب مهما أُوتيا من براعةٍ أو حاولا من بلاغةٍ عاجزان عن وصف تلك الحادثة في محنتها وابتلاءاتها في صدق رجالها، وإيمان أصحابها، ففيها ابتلاء هجر الأقربين، وبلاء تَزَلُّف المُناوئين.

قصةٌ كلها عِبَرٌ وعبراتٌ، ومواقف الصدق والصبر في صَحْب محمدٍ مثال المتانة في البناء، والصفاء في العنصر، وأنموذج الصدق في اللهجة، والإخلاص في الطاعة، والقُدوة في الصبر على البلاء، والشكر على السَّراء؛ إنها قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك حين ضاقتْ عليهم الأرض بما رَحُبَتْ، وضاقتْ عليهم أنفسهم.

آياتٌ وأحداثٌ تذرف منها الدموع، وتخشع لها القلوب.

كان الإمام أحمد رحمه الله لا يُبْكِيه شيءٌ من القرآن كما تُبْكِيه هذه الآيات التي نزلتْ في شأن هذه القصة.

حديث الثلاثة الذين خُلِّفوا

حديث كعب بن مالكٍ  -وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا- يحكي تفاصيل هذه القصة، والقصة في الصحيحين، يقول :

“كان من خبري حين تخلَّفتُ عن رسول الله في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أَيْسَرَ مني حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعتُ قبلها راحلتين قط حتى جمعتُهما في تلك الغزوة، فتجهز رسول الله والمسلمون معه في حرٍّ شديدٍ، وقد طابت الثِّمار”، قال: “فطَفِقْتُ أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع ولم أَقْضِ شيئًا، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إن أردتُ، فلم يَزَلْ يتمادى بي الأمر حتى استمرَّ بالناس جِدٌّ، فأصبح رسول الله غاديًا، والمسلمون معه، ولم أَقْضِ من جهازي شيئًا، ثم غَدَوْتُ فرجعتُ ولم أَقْضِ شيئًا، فلم يَزَل يتمادى بي حتى أسرعوا وتَفارَط الغزو -أي: ذهبوا- فهَمَمْتُ أن أرتحل فأُدركهم، فيا ليتني فعلتُ، ثم لم يُقَدَّر ذلك لي، فطَفِقْتُ إذا خرجتُ في الناس بعد رسول الله يَحْزُنُني أني لا أرى أحدًا لي فيه أُسْوَةٌ إلا رجلًا مَغْمُوصًا عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء”.

قال: “ولم يَذْكُرْني رسول الله حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالكٍ؟ قال رجلٌ من بني سَلِمَة: يا رسول الله، حبسه بُرْدَاه والنظر في عِطْفَيْهِ -أي: أنه مُعجبٌ بنفسه- قال معاذ بن جبلٍ : بِئْس ما قلتَ! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا”، فانظروا كيف أن رجلًا تكلم في عِرْضه فدافع عنه رجلٌ آخر.

هؤلاء هم صحابة رسول الله يَذُبُّون عن عِرْض الغائب منهم، فسكت رسول الله ، قال كعبٌ: “فلما بلغني أن رسول الله توجَّه قافلًا من تبوك” أي: راجعًا “حضرني بَثِّي -أي: حُزني- فَطَفِقْتُ أتذكَّر الكذب، وأقول: بِمَ أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأيٍ من أهلي، فلما قيل: إنَّ رسول الله قد أَظَلَّ قادمًا، زاح عني الباطل حتى عرفتُ أني لن أَنْجُوَ منه بشيءٍ أبدًا، فأجمعتُ صدقه.

وأصبح رسول الله قادمًا، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المُخَلَّفون يعتذرون إليه ويحلفون -من المنافقين- وكانوا بِضْعةً وثمانين رجلًا، فقَبِلَ منهم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووَكَلَ سرائرهم إلى الله، حتى جِئْتُ، فلما سَلَّمْتُ تبسَّم تبسُّم المُغْضَب، ثم قال: تَعَالَ، فجِئْتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ما خَلَّفَك؟ ألم تكن قد ابْتَعْتَ ظَهْرَك؟ أي: اشتريتَ راحلتك، “قال: قلتُ: يا رسول الله إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أني سأخرج من سَخَطِه بعُذْرٍ، ولقد أُعْطِيتُ جَدَلًا” أي: فصاحةً وقوة بيانٍ وبلاغةً “ولكني والله لقد علمتُ لَئِنْ حدَّثْتُك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عني لَيُوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَك عليَّ، وإنْ حدَّثْتُك حديث صدقٍ تجد عليَّ فيه -أي: تغضب- إني لأرجو فيه عُقْبَى من الله ، والله يا رسول الله ما كان لي من عُذْرٍ، والله ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أَيْسَرَ مني حين تَخَلَّفْتُ عنك.

فقال رسول الله : أما هذا فقد صدق، فقُمْ حتى يقضي الله فيك. قال كعبٌ : “وسار رجالٌ من بني سَلِمَة فاتَّبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبتَ ذنبًا قبل هذا، لقد عجزتَ في ألا تكون اعتذرتَ إلى رسول الله بما اعتذر إليه المُخَلَّفون، فقد كان كافيك ذنبَك استغفارُ رسول الله لك”، قال: “فوالله ما زالوا يُؤَنِّبُونني حتى أردتُ أن أرجع إلى رسول الله فأُكَذِّب نفسي، ثم قلتُ لهم: هل لَقِيَ هذا معي من أحدٍ؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثلما قلتَ، وقيل لهما مثلما قيل لك. قال: قلتُ: مَن هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أُمية الواقفي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، لي فيهما أُسْوَةٌ. قال: فمضيتُ حين ذكروهما لي.

ونهى رسول الله المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني.

حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار.

قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك”.

وهذا هو شأن أعداء الإسلام يتجسسون على المسلمين، ويحاولون استقطاب مَن يحصل بينه وبين المسلمين شيءٌ من الجفوة؛ لكي يُصبحوا في صفِّهم.

فانظروا كيف أن ملك غسان علم بذلك، ثم أرسل هذا الكتاب إلى كعب بن مالك، فكان اختبارًا عظيمًا له.

قال كعب : “فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله يأتيني، فقال: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها؟ أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم، حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ، فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربك، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ، وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب؟

فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسًا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما، ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ.

واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ، فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا، يهنئوني بالتوبة، يقولون: لتهنئك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.

قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ، قال: رسول الله ، وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا، بل من عند الله، وكان رسول الله إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسول الله : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ، أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله : لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ۝وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۝يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:117-119]، فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا” حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ۝يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة:95-96].

قال كعب : “وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118]. وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه” [1].

فوائد ودروس من قصة الثلاثة الذين خلفوا

عباد الله: هذه قصة ثلاثة نفر من أصحاب رسول الله الذين هم رجال الصدق رجال محمد ، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجال خرجوا من مدرسة النبوة، رجال صدق في الحديث، وصدق في الموقف، وصبر عند اللقاء، واعتراف بالخطيئة، وقبول في حال الرضا والغضب.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

عظم مقدار الصدق وحسن عاقبته

عباد الله: هذه القصة العظيمة التي نزل فيها قرآن يُتلى إلى قيام الساعة فيها دروس وعبر وفوائد كثيرة، ولكن أعظم درس فيها بيان عظم مقدار الصدق وحسن عاقبته، ولذلك لما أنزل الله تعالى هذه الآيات، وأنزل قوله: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:118] قال بعد ذلك : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، فما أنجى الله تعالى من أنجاه إلا بالصدق، ولا أهلك من أهلكه إلا بالكذب.

فهؤلاء الثلاثة صدقوا فلم يكذبوا فامتحنوا بما ذكره الله تعالى امتحانًا عظيمًا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ولكن كانت العاقبة العظيمة الحسنة لهم، وأما المنافقون فقد كذبوا فكانت العاقبة الوخيمة السيئة لهم وهم في الدرك الأسفل من النار.

عباد الله: ولا يزال المسلم يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، فقد أخبر سبحانه أنه لا ينفع العباد يوم القيامة إلا صدقهم، وجعل علم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذب في أقوالهم وأفعالهم، فجميع ما عابه الله عليهم أصله الكذب في القول وفي الفعل، فالصدق هو بريد الإيمان ودليله، ومركبه وسائقه وقائده، وحليته ولباسه، بل هو لبه وروحه، والكذب بريد الكفر والنفاق، ودليله ومركبه وسائقه وقائده، وحليته ولباسه، ولبه.

فمضادة الكذب للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرد أحدهما صاحبه، والله سبحانه أنجى هؤلاء الثلاثة بصدقهم، وأهلك غيرهم من المخلفين بكذبهم.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “ما أنعم الله تعالى على عبد بعد الإسلام بنعمة أفضل من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده، والله المستعان”.

فليحرص المسلم على أن يتحرى الصدق في أقواله وفي أفعاله، وأن يبتعد عن الكذب، وليجعل نصب عينيه هذا الحديث العظيم: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابًا [2].

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك، فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين، اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، وأبرم لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويكون فيه الأمر بالمعروف النهي عن المنكر عزيزًا شامخًا قويًّا، ترفع فيه السنة، وتقمع فيه البدعة، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، ولما فيه صلاح البلاد والعباد، وعز الإسلام والمسلمين، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام،

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات،

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ۝وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ۝وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 4418، ومسلم: 2769.
2 رواه البخاري: 6094، ومسلم: 2607.

مواد ذات صلة