الرئيسية/خطب/قيمة الوقت في حياة المسلم
|

قيمة الوقت في حياة المسلم

مشاهدة من الموقع

الحمد لله الذي فتح لأوليائه أبواب الخيرات، وأسبغ عليهم الهِبات الواسعة والمَبَرَّات، ولم يُوفِّق المُعرضين؛ فبقيت قلوبهم في الظُّلَم والضلالات، أمر بحفظ الأوقات، ونهى عن إضاعتها في اللهو والغفلات.

أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتَّقوا الله أيها المسلمون، اتَّقوا الله حقَّ التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

عباد الله، الحديث في هذه الخطبة عن أمرٍ عظيمٍ، فريدٍ من نوعه، نفيسٍ في قيمته، يملكه كل إنسانٍ: الغني والفقير، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، ويملكونه بالتساوي.

أدلة أهمية وقيمة الوقت

وهذا الأمر لعظمته ونفاسته وكبير أهميته أقسم الله تعالى به جملةً وتفصيلًا.

إنه الوقت، الوقت الذي هو الحياة، الوقت الذي هو عمر الإنسان، وكل واحدٍ من البشر يملك في اليوم والليلة أربعًا وعشرين ساعةً، هي حياته وعمره في هذه الدنيا.

أقسم به ربُّنا ​​​​​​​ جملةً فقال سبحانه: وَالْعَصْرِ [العصر:1]، والمقصود بالعصر أي: الوقت والدهر، كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وقد اختاره ابن جرير الطبري في “تفسيره”، ونسبه للأكثر، وقال: إن تسمية الدهر عصرًا أمرٌ معروفٌ في لغة العرب.

فقد أقسم الله تعالى به جملةً، ثم أقسم به على وجه التفصيل بأجزاء منه، فقال سبحانه: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى۝وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1-2]، وَالضُّحَى ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2]، وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2].

ومن المعلوم أن الله تعالى إذا أقسم بشيءٍ؛ دلَّ ذلك على عظمة المُقْسَم به، وعلى أهميته وعلو شأنه.

تفاوت الناس في قضاء الوقت

هذا الوقت النفيس يتفاوت الناس في كيفية إمضائه تفاوتًا عظيمًا: فمن الناس مَن يعيش عمرًا طويلًا وسنين عديدةً، وعندما تتأمل في واقعه تجد أن معظم وقته ضائعٌ مُبعثرٌ في إمضاء الوقت فيما لا ينفع، وكأن هذا الإنسان مخلوقٌ لا هدف له في الحياة!

بينما تجد آخرين مَنَّ الله تعالى عليهم فاغتنموا أوقاتهم فيما ينفعهم، فهم يرون أن الواجبات أكثر من الأوقات، فعمَّروا أوقاتهم بما ينفعهم من أمور آخرتهم ودنياهم.

إن الوقت هو عمر الإنسان في هذه الحياة، وقد كُتِبَ لكل إنسانٍ أن يعيش وقتًا محددًا في هذه الدنيا، لا يتقدم عنه لحظةً، ولا يتأخر عنه لحظةً: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49].

هذا الوقت هو عمره، هذا الوقت الذي يعيشه الإنسان في الدنيا هو محلُّ اختبارٍ له: ماذا يعمل فيه؟

فنحن الآن نعيش في هذا الاختبار العظيم، تُحْصَى علينا جميع أعمالنا وأقوالنا: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

وهذه الليالي والأيام بمثابة الخزائن التي نُودع فيها كل يومٍ أعمالًا، ثم يوم القيامة تُفْتَح هذه الخزائن، ويُحاسب الإنسان على ما أودعه فيها حسابًا دقيقًا: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8].

عباد الله، هل رأيتم أحدًا عمل صالحًا وندم؟ هل رأيتم أحدًا استقام على طاعة ربه وأناب إليه وندم؟

كلا والله، بل إن صاحب الطاعة يُسَرُّ ويَسْعَد ويغتبط بتوفيق الله تعالى له.

إن الذي يندم هو مَن يعمل المعاصي، ويتجرأ على الحُرُمات، ويرتكب المُوبقات، ويندم كذلك مَن تمر عليه الليالي والأيام وهو في غفلةٍ وسُباتٍ، يتسرب العمر، وتتوالى عليه المناسبات تلو المناسبات، وهو على تلك الحال حتى يَبْغَتَه الموتُ؛ فيندم حين لا ينفع الندم.

إن الإنسان عندما يعمل طاعةً لله ​​​​​​​ فإنما يُضيفها لرصيد حسناته، كما أنه إذا عمل معصيةً فإنه يُضيفها لرصيد سيئاته، وتُجْمَع أعمال ابن آدم يوم القيامة، وتُجْعَل الحسنات في كِفَّةٍ، والسيئات في كفَّةٍ، فإن رَجَحَتْ كفَّة حسناته كان من أهل السعادة، وإن رجحتْ كفَّة سيئاته كان من أهل الشقاوة إلا أن يعفو الله ​​​​​​​ عنه: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ۝ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ۝ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ۝ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ۝ نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:6-11].

عباد الله، على كل واحدٍ منا أن يتأمل حاله مع وقته الذي هو حياته: كيف يقضيه؟ وبماذا يعمره؟ وبماذا يملأ ساعات الليل والنهار؟

إنها أسئلةٌ مهمةٌ، والأهم منها حُسن التعامل مع الإجابة عليها، والتوفيق لاستثمارها فيما ينفع.

من خصائص الوقت

  • الوقت هو أنفس ما يملك الإنسان، الوقت أغلى من الذهب والفضة؛ لأن الذهب والفضة يمكن تعويضهما إذا فاتا، أما الوقت إذا ذهب فلا يمكن تعويضه.
  • ومن خصائص الوقت أيضًا: أنه سريع الانقضاء، فهو يمر مَرَّ السحاب، ويجري جَرْي الرياح، سواءٌ كان في زمن مسرَّةٍ وفرحٍ، أو كان في زمن اكتئابٍ وتَرْحٍ، ومهما طال عمر الإنسان في هذه الدنيا، ومهما عُمِّر فيها من سنواتٍ وعقودٍ فهو قصيرٌ، وعند الموت تنكمش الأعوام وإن طالتْ، عند الموت تتقلص العقود وإن امتدتْ، حتى تُصبح كأنها لحظاتٌ مرَّت كالبرق الخاطف.
  • والوقت على سرعة انقضائه ومروره ما مضى منه لا يعود أبدًا، يقول الحسن رحمه الله: “ما من يومٍ ينشق فجره إلا ويُنادي مُنادٍ: يا ابن آم، أنا خلقٌ جديدٌ، وعلى عملك شهيدٌ، فتزود مني، فإني لا أعود أبدًا إلى يوم القيامة”.

وكل يومٍ يمضي يُقرِّب الإنسانَ من الموت وما بعده، ويُبْعده عن الدنيا، كما كان الحسن رحمه الله يقول: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك”.

الوقت يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة

والوقت يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة سؤالان من أربع أسئلةٍ، كما قال : لا تزول قَدَمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربعٍ: عن عمره فِيمَ أفناه؟ وعن شبابه فِيمَ أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه؟ وفِيمَ أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟ [1].

فانظروا إلى هذه الأسئلة الأربعة التي تُوجَّه إلى المُكلَّف يوم القيامة، يخصّ الوقتَ منها سؤالان: سؤالٌ عن العمر عامةً فِيمَ أبلاه؟ وسؤالٌ عن الشباب خاصةً، مع أن الشباب داخلٌ في العمر، ولكن يُسأل عنه سؤالًا خاصًّا؛ لأن مرحلة الشباب هي مرحلة القوة والحيوية والعزيمة: القوة بين ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة.

فَلْنُعِدَّ للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.

خطورة الجهل بقيمة الوقت

عباد الله، إن مَن جهل قيمة الوقت، وقيمة الساعات والدقائق واللحظات، فسيأتي عليه حِينٌ يعرف فيه قدر الوقت ونفاسَتَه، ولكن بعد فوات الأوان.

ويعرض ربُّنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم مشهدًا من مشاهد النَّدامة والحسرة التي تمتلئ بها قلوبُ أقوامٍ لم يعرفوا للوقت قيمته، حينما تحين ساعة الاحتضار، ويستدبر الإنسان الدنيا، ويستقبل الآخرة، في تلك اللحظات يتمنى أن لو مُنِحَ مهلةً من الزمن، وأُعطي فرصةً من العمر، وأُخِّرَ إلى أجلٍ قريبٍ؛ لِيُصلح ما أفسد، ويتدارك ما فات، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ۝ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون:9-10]، ولكن هيهات أن يُجاب طَلَبُه، فالآجال مضروبةٌ؛ ولهذا قال : وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11].

وهناك مشهدٌ آخر من مشاهد الحسرة والندامة يكون حين تُوفَّى كل نفسٍ ما عملتْ، وتُجْزَى كل نفسٍ بما كسبتْ، ويدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، في تلك اللحظات يتمنى أهل النار لو يعودون مرةً أخرى إلى الدنيا من أجل التدارك للوقت؛ لكي يعملوا صالحًا، ولكن أنَّى لهم ذلك وقد انقضى زمن العمل، وبدأ وقت الحساب؟

يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ۝ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:36-37].

هذه مشاهد من مشاهد الندامة والحسرة التي تمتلئ بها قلوبُ أقوامٍ أنعم الله عليهم بنعمة الوقت والحياة، وأنعم عليهم بنعمة الصحة والفراغ، وفُتحتْ أمامهم مجالات العمل الصالح، لكنهم فرَّطوا فيها وأضاعوها.

فعلى المسلم أن يغتنم زمن حياته فيما ينفعه بعد مماته، وأن يرى أن كل يومٍ هو هبةٌ من الله تعالى له، فالحياة فرصةٌ يتمناها الأموات؛ لكي يعملوا صالحًا، فليحرص على ألا يمرَّ عليه يومٌ إلا وقد تزود فيه بأعمالٍ صالحةٍ يُسَرُّ ويغتبط بها وهو أحوج ما يكون إليها، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ۝ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ۝ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ۝ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ۝ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ۝ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ۝ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ۝ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ۝ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ۝ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:99-111].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الكريم المنان، العزيز ذي السلطان، خلق الإنسان من ترابٍ ثم قال له: كن، فكان، يُعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، وكل يومٍ هو في شانٍ.

أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكل مُحدثةٍ بدعةٌ.

واقع الناس مع الوقت

عباد الله، إذا نظرنا إلى واقع الناس من اغتنام أوقاتهم نجد أن كثيرًا من الناس لم يعرفوا نفاسة أوقاتهم؛ ولذلك فهم يُضيعونها فيما لا ينفع:

  • فمن الناس مَن يُضيع كثيرًا من وقته في البحث عن متعة الجسد ولو كان ذلك من حرامٍ.
  • ومنهم مَن يُضيع معظم وقته في مجالس اللعب واللهو والغِيبة والنَّميمة.
  • ومنهم مَن هو مشغولٌ طيلة وقته بالتجارة، ما إن ينتهي من شغلٍ إلا وتنفتح عليه أبوابٌ أخرى، وكأنه خُلق لذلك.
  • بينما نجد من الناس مَن عرف نفاسة وقته؛ فحدد أهدافه، واغتنم وقته فيما ينفعه في أمور دينه ودنياه.

من أسباب ضياع الوقت

وعندما نتأمل في أسباب تضييع الوقت عند كثيرٍ من الناس نجد أن من أبرزها:

  • عدم وجود أهدافٍ أو خُططٍ للحياة، فهو يعيش وكأنه سيُخلَّد في هذه الدنيا، تمر عليه الليالي والأيام، والشهور والأعوام، والمواسم تلو المواسم، ولا يُحدث ذلك في نفسه أثرًا، أو يدعوه لوقفة مُحاسبةٍ صادقةٍ مع النفس.
    وقد ذكر الله تعالى عن الكفار أنهم يعيشون في هذه الدنيا للطعام والشراب ومتعة الجسد فحسب، وليست عندهم أهدافٌ غير ذلك، فحياتهم أشبه بالحيوانات، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12].
    والمسلم أكرمه الله بالإسلام، فعليه أن يُحقق الغاية التي من أجلها خُلِقَ، وهي: العبودية لله تعالى؛ حتى يَسْعَد دنيا وأخرى.
  • ومن أسباب تضييع الوقت: الغفلة وطول الأمل، فهو يغفل عن مصيره الذي هو صائرٌ إليه يومًا من الأيام، مهما كدح، ومهما امتدَّ به العمر: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق:6].
    إن تذكر هذا المصير يُعين الإنسان على اغتنام الوقت، أما طول الأمل والغفلة عن هذا المصير الذي لا يتذكره الإنسان، وإن تذكره فإنه يتذكره مع طول الأمل في الدنيا، وكأنه قد ضمن أن يعيش عمرًا طويلًا يمكنه فيه التدارك؛ فتضيع أوقاته بسبب ذلك، مع أنه يرى الموت يتخطف الناس من حوله: أصحاء ومرضى، وصغارًا وكبارًا، وأن الأجل مُغيَّبٌ عن الإنسان.
  • ومن أسباب تضييع الوقت: الصُّحبة السيئة للبطَّالين الذين لا يكتفون بتضييع أوقاتهم، بل يسطون على أوقات غيرهم.
    والصُّحبة لها الأثر الكبير على الإنسان؛ ولذلك فإن مَن يُضيع أوقاته يندم يوم القيامة على الصُّحبة السيئة ويَعَضُّ على يديه، كما قال الله تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ۝ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ۝ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [الفرقان:27-29]، فيندم في ذلك الموقف ندمًا عظيمًا، ويَعَضُّ على يديه، يندم على حياةٍ مليئةٍ بالندم، لكن أشدّ ما يندم عليه الصُّحبة السيئة؛ لأنه يرى أثرها السيئ العظيم عليه، فيقول: لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، ويُبين السبب في ذلك بتأثيره الكبير عليه في إضلاله: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي.
  • ومن أسباب تضييع الوقت: عدم إدراك نفاسته، فلا يُبالي في تضييعه كيفما اتَّفق، ولو أنه استشعر نفاسة وقته، وأن الوقت هو الحياة، وهو عمر الإنسان، وهو فرصةٌ يتمناها الأموات؛ لكي يتداركوا، وأن مصير سعادته أو شقاوته بحسب ما يملأ هذا الوقت من أعمالٍ؛ فإنه لن يُضيع وقته النفيس فيما لا ينفع.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ.

اللهم ارضَ عن صحابته أجمعين، وعن التابعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الكفر والكافرين.

اللهم انصر مَن نصر دين الإسلام في كل مكانٍ، واخذُل مَن خذل دين الإسلام في كل مكانٍ، يا حي، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم هيِّئ لأمة الإسلام أمرًا رَشَدًا يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُهْدَى فيه أهل معصيتك، ويُؤمَر فيها بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، وتُرفع فيه أعلام السنة، وتُقْمَع فيه البدعة، يا حي، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفِّق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمةً لرعاياهم.

ووفِّق إمامنا وولي أمرنا لما تُحب وترضى، وقرِّب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تدلُّه على الحقِّ وتُعينه عليه، يا حي، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

نسألك اللهم من الخير كله: عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله: عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه الترمذي: 2417، وقال: حسنٌ صحيحٌ.

مواد ذات صلة