الرئيسية/خطب/الوقت في حياة المسلم
|

الوقت في حياة المسلم

مشاهدة من الموقع

الحمد لله الذي جعل في السماء بروجًا، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:62]، أحمده تعالى وأشكره حمدًا وشكرًا كثيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أحوال الناس في اغتنام الأوقات

عباد الله: الحديث في هذه الخطبة عن أمر عظيم فريد من نوعه، نفيس في قيمته، يملكه كل إنسان، الغني والفقير، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، يملكونه بالتساوي، هذا الأمر لعظمته ونفاسته، وكبير أهميته، أقسم به ربنا جملة وتفصيلًا؛ إنه الوقت.

الوقت الذي هو عمر الإنسان وحياته، وكل واحد من البشر يملك في اليوم والليلة أربعًا وعشرين ساعة، هل رأيتم أحدًا من البشر يملك أكثر من أربع وعشرين ساعة؟

كلا، ولكن الناس متفاوتون تفاوتًا عظيمًا في إدراك أهميته، فضلًا عن حسن اغتنامه فيما ينفع.

فمن الناس من يعيش عمرًا طويلًا، وسنين عديدة، ولكن عندما تتأمل في واقعه وحاله تجد أن وقته ضائعًا مبعثرًا ما بين أشغال الدنيا التي لا تنقضي، أو الاستغراق في شهواته وملذاته، أو إمضاء الوقت فيما لا ينفع، وكأن هذا الإنسان مخلوق ليس له هدف في الحياة.

بينما تجد آخرين اغتنموا أوقاتهم فيما ينفعهم، فهم يرون أن الواجبات أكثر من الأوقات، فعمروا أوقاتهم فيما ينفعهم من أمور دينهم ودنياهم، ومن أمور آخرتهم ودنياهم قاموا بحقوق الله، وحقوق خلقه فهم من أكثر الناس سعادة، ومن أهنئهم عيشًا.

أهمية الوقت

عباد الله: إن الوقت هو عمر الإنسان في هذه الحياة، وقد كتب لكل إنسان أن يعيش عمرًا محددًا في هذه الدنيا، لا يتقدم عليه ولو بدقيقة، ولا يستأخر عنه ولو بدقيقة: وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [المنافقون:11]، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، هذا الوقت هو عمره فلا يزيد عليه، ولا ينقص منه.

هذا الوقت الذي يعيشه الإنسان في هذه الدنيا هو محل اختبار له، ماذا يعمل فيه؟

فنحن الآن نعيش في هذا الاختبار تُحصى علينا جميع أعمالنا وأقوالنا وحركاتنا وسكناتنا: مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۝كِرَامًا كَاتِبِينَ ۝يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12].

وهذه الأيام والليالي بمثابة الخزائن التي نودع فيها كل يوم أعمال، ثم يوم القيامة تفتح هذه الخزائن، ويحاسب كل إنسان على ما أودعه فيها حسابًا دقيقًا: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ۝وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الزمر:47-48].

عباد الله: ولنفاسة الوقت، وعظيم شأنه أقسم الله تعالى به جملة وتفصيلًا، أقسم الله تعالى به جملة، فقال: وَالْعَصْرِ ۝إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]، ومن المعلوم أن الله إذا أقسم بشيء دل ذلك على عظمة المقسم به، وعلى أهميته وعلو شأنه.

والعصر هو: الدهر؛ أي: الزمن والوقت، كما قال به أكثر المفسرون، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، واختاره ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره.

قال ابن القيم رحمه الله: “إن تسمية الدهر عصرًا أمر معروف في لغة العرب”.

وكما أقسم الله تعالى بالوقت جملة فقد أقسم بأجزاء منه، فقال سبحانه: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ۝وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ [الليل:1-2]، وَالْفَجْرِ ۝وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]، وَالضُّحَىٰ ۝وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ [الضحى:1-2].

وقد جاء في السنة أحاديث كثيرة تؤكد قيمة الوقت، وأهمية اغتنامه فيما ينفع، فعن معاذ  أن النبي قال: لا ‌تزول ‌قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم [1].

فانظروا عباد الله إلى هذه الأسئلة الأربعة التي توجه إلى المكلف يوم القيامة كم يخص الوقت منها؟

نعم، إنه يخص الوقت منها سؤالان رئيسان، السؤال الأول: عن عمره فيما أفناه؟ والسؤال الثاني: عن شبابه فيما أبلاه؟

وهكذا يُسأل الإنسان عن عمره عامة، وعن شبابه خاصة، مع أن الشباب داخل في العمر، ولكن لأن الشباب هو سن الحيوية والعزيمة، ولأن الشباب هو سن القوة، مرحلة القوة بين ضعفين: ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة؛ فيسأل عنه سؤالًا خاصًا، فالموفق من عرف كيف يغتنم وقته، وكيف يعد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا، ويعرف كيف يستفيد من فراغه وصحته فيما ينفعه، وفيما يغتبط به يوم يلقى ربه.

عباد الله: إن هذا الوقت عجيب جدًّا في سرعة انقضائه، فهو يمر مر السحاب، ويجري جري الريح، سواء أكان الإنسان في زمن مسرة أو اكتئاب، ومهما طال عمر الإنسان فهو قصير ما دام أن الموت نهايته، وعند الموت تنكمش الأعوام والعقود التي عاشها الإنسان حتى لكأنها لحظات مرت كالبرق الخاطف.

أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ [2].

فتأملوا عباد الله هذا الحديث العظيم الذي ذكر فيه النبي هاتين النعمتين، وبين أن اجتماعهما نعمة من الله على الإنسان، وأن المفرط في اغتنامهما، وفي الإفادة منهما كثير من الناس، فهم المغبونون بذلك، ويفهم من ذلك أن الموفق لاغتنام هاتين النعمتين قليل من الناس، قال أهل العلم: معنى هذا الحديث أن المرء لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على ألا يُغبن، بأن يترك شكر ما أنعم الله به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك فهو المغبون.

قال ابن الجوزي رحمه الله: “قد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة؛ فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون؛ لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم”.

عباد الله: وأسوتنا وقدوتنا هو رسول الله كان أعظم الناس اغتنامًا لوقته، بعث وعمره أربعون، ومات وعمره ثلاث وستون، أي: أنه بقي في البعثة والرسالة ثلاثًا وعشرين سنة فقط، ومع ذلك غيّر وجه تاريخ البشرية، وأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، في ثلاث وعشرين سنة فقط، وأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، فهو أسوتنا وقدوتنا في اغتنام الأوقات، صلوات الله وسلامه عليه.

قيمة الوقت في حياة الصحابة

وإذا نظرنا إلى واقع صحابته  نجد أن عندهم الحرص الشديد على حسن إدارة واغتنام أوقاتهم، هذا سعد بن معاذ أسلم وعمره واحد وثلاثون، ومات وعمره سبع أو ثمان وثلاثون، أي: أنه بقي في الإسلام ست أو سبع سنين فقط، ومع ذلك لما مات اهتز لموته عرش الرحمن.

سبحان الله! بقي في الإسلام ست أو سبع سنين ولما مات اهتز لموته عرش الرحمن، فيا ترى بما أمضى هذه السنيات، هذه السنوات القليلة ما الذي عمل فيها؟ ما الذي عمل فيها من أعمال كانت النتيجة أن عرش الرحمن يهتز لموته فرحًا بقدومه؟

كان ابن مسعود يقول: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي”.

وكان عمر بن الخطاب إذا غربت الشمس ضرب قدميه بالدرة، وقال: “يا نفس، هذا يوم غربت شمسه ماذا عملت اليوم؟ ماذا قدمت لغد؟ ويحاسب نفسه”.

وقيل لعمر بن عبدالعزيز رحمه الله: “لو ركبت وتروحت، فقال: من يقوم عني بعمل ذلك اليوم؟ قالوا: تؤديه من الغد، قال: قد أعياني عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع علي عمل يومين؟”.

ويصف الحسن رحمه الله حرص السلف الصالح على اغتنام أوقاتهم، فيقول: «أدركت أقواما كان الواحد منهم أشح على عمره منه على دراهمه».

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على ما أعطى، والشكر له على ما أسدى، نحمده ونشكره حمدًا وشكرًا كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وكما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

فإذا فرغت فانصب

عباد الله، يقول ربنا : فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ۝وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب [الشرح:7-8]، فتأملوا كيف أن الله سبحانه أمر بالنصب في عبادته عند الفراغ.

نعم، إن المسلم ينبغي ألا يكون عنده وقت فراغ، قال ابن جرير رحمه الله في تفسيره: “وأولى الأقوال في تفسير هذه الآية: أن الله أمر نبيه بأن يجعل فراغه من كل ما كان مشتغلًا به من أمر دنياه وآخرته مما أدى له الشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قربه إليه: وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب أي: اجعل رغبتك إلى الله دون من سواه من خلقه”.

أسباب ضياع الوقت

عباد الله: وإذا نظرنا إلى واقع الناس نجد العجب العجاب في تضييع الأوقات فيما لا ينفع، بل وفي التفنن في إضاعتها، ولذلك أسباب كثيرة، من أبرزها: عدم إدراك أهمية الوقت وأهمية اغتنامه، فقد سمعت ما له من أهمية كبيرة ومنزلة عظيمة، وكيف أن الله تعالى أقسم به جملة وتفصيلًا، وأن الوقت هو عمر الإنسان وحياته، وأنفس ما يملك.

فالوقت أنفس من المال؛ لأن المال يمكن أن يعوض، وأما الوقت إذا ذهب فلا يمكن تعويضه.

ومن أسباب تضييع الوقت: التسويف والتعويل على العمل في المستقبل، فإذا هم الإنسان بعمل خير قال: سوف أعمل في المستقبل، وما أكثر الذين يتخذون من التسويف شعارًا لهم، والتسويف هو من أكبر أسباب إضاعة الوقت، وإلا فلو قُدّر أن الإنسان علم بأن أجله قريب، تجد أنه لا يضيع أوقاته، بل يبادر لاغتنام ما يمكنه من هذا الوقت، لكن عندما يؤمل الإنسان على طول العمر فإنه يسوّف ويسوّف حتى يدركه الموت فيندم حين لا ينفع الندم.

ومن الأسباب: الشيطان الرجيم الذي حذرنا الله تعالى منه، فقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:6]، فالشيطان حريص غاية الحرص على أن يضيع الإنسان وقته فيما يضره إن استطاع، فإن لم يستطع فيحرص على أن يضيع الإنسان وقته فيما لا ينفع، فليستحضر الإنسان أن عدوًّا له متفرغ لإضلاله وهو الشيطان الرجيم، فليحذر منه غاية الحذر، وليتخذه عدوًّا: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا.

ومن الأسباب: الغفلة؛ كما قال ربنا : وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، فبعض الناس يعيش في ذهول وفي غفلة، تمر عليه الليالي والأيام والشهور والأعوام وهو في سُبات وفي غفلة، لم يشأ أن يحاسب نفسه، وأن يعيد ترتيب إدارة وقته، وأن يرفع الوقت المخصص لعبادة ربه ولما ينفعه في آخرته، ولما يسر ويغتبط به إذا لقي ربه.

عباد الله: إن حسن إدارة الوقت وحسن تقديم الأولويات ليورث الإنسان السعادة، وإلا فإن الإنسان عندما يكون عنده خلل في فقه الأولويات تكون النتيجة الخسارة؛ كما قال ربنا سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9]، فهؤلاء كان عندهم خلل في ترتيب الأولويات فقدموا الأموال والأولاد على ذكر الله فألهتهم؛ ماذا كانت النتيجة؟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ النتيجة لمن فعل ذلك: وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9]، وإنما الترتيب الصحيح أن تقدم ذكر الله على الأموال والأولاد، وعلى كل شيء، وترفع مستوى الاهتمام بذلك.

عباد الله: وإن الإنسان عندما يتفكر فيما مضى من عمره، يطرح على نفسه سؤالًا: ما الذي يفرح به الآن ويسر إذا تذكره؟ ما الذي يفرح به؟ ما مضى من عمرك؟ عمرك إذا كان ثلاثين أو أربعين أو خمسين أو ستين، أو أقل أو أكثر، ألقي نظرة على ما مضى من العمر ما الذي تفرح به الآن إذا تذكرته، وتتمنى أنك قد ازددت منه؟ لا شيء سوى العمل الصالح، وما عدا ذلك فقد ذهب، ذهب كالسراب، ما عدا ذلك قد ذهب لا شيء تسر به الآن، وتفرح به، وتتمنى أن لو ازددت منه سوى العمل الصالح، وإذا كان ذلك الآن فما بالك بما سيكون عند الممات، وفي الدار الآخرة؟

عباد الله: هل رأيتم أحدًا عمل صالحًا وندم؟ هل رأيتم أحدًا استقام على طاعة الله وندم؟

كلا والله، إن صاحب الطاعة والاستقامة يسر ويسعد بتوفيق الله له، وإن الذي يندم هو من يعمل المعاصي، من يرتكب الموبقات، يندم، ويندم كذلك من مرت عليه الأيام والليالي وهو في غفلة وفي سُبات، تصرم عليه العمر، وهو في تلك الغفلة، فيندم حينما يبغته الموت، حين لا ينفع الندم.

عباد الله: ليستحضر المسلم بأنه عندما يعمل صالحًا فإنما يضيف ذلك لرصيد حسناته، وإذا وقع منه معصية فإنه يضيف ذلك لرصيد سيئاته، وتجمع الحسنات والسيئات التي عملها الإنسان في هذه الدنيا، وتوزن في الميزان: فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ۝فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ۝وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ۝فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ۝وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ۝نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:6-11]، ثم تكون نهاية مستقر البشرية فريق في الجنة، وفريق في السعير.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك، فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن صحابته أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك، يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، اللهم اخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم.

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الحق وتعينه عليه، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه الترمذي: 2416.
2 رواه البخاري: 6412.

مواد ذات صلة