الرئيسية/خطب/الإيمان بالغيب
|

الإيمان بالغيب

مشاهدة من الموقع

الحمد لله مُصرف الأمور، ومُقدِّر المقدور، يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وهو الغفور الشكور.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهديه، واتَّبع سُنته إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتَّقوا الله أيها المسلمون، اتَّقوا الله حقَّ التقوى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5].

أهمية الإيمان بالغيب وأثره في حياة الإنسان

عباد الله: الحديث في هذه الخطبة عن ركنٍ ركينٍ من أركان الإيمان، له أثره في حياة الإنسان، وفي سيره إلى الله تعالى، وله الأثر البالغ على قوة إيمان المسلم أو ضعفه، إنه الإيمان بالغيب.

وأما إيمان الإنسان بالمحسوس المُشاهد فلا مزية له فيه، بل يشترك معه في الإيمان به الحيوان، فالحيوان لا يُدرك إلا ما تُدركه حواسه، وأما الإنسان فقد كرَّمه الله تعالى بالعقل الذي يجعله يُدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدود الذي تُدركه الحواس.

إن إنكار المُشاهد المحسوس مُكابرةٌ لا يقدم عليها العاقل، ولكن الشأن كل الشأن في الإيمان بالغيب؛ ولذلك إذا بلغت الروح الحلقوم فإن الإنسان لا ينفعه الإيمان، ولا تنفعه حينئذٍ التوبة.

فرعون لما أدركه الغرق آمن، ولكن لم ينفعه إيمانه، وكذلك الإنسان عندما يرى الملائكة عيانًا يؤمن ويتوب، ولكن لا ينفع الإيمان ولا التوبة: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء:18]؛ لأنه عندما يرى الملائكة عيانًا، عندما تصل الروح الحلقوم، فلا فائدةَ في ذلك الإيمان؛ لأنه إيمانٌ بالمحسوس المُشاهد، وليس إيمانًا بالغيب.

وكذلك في نهاية الدنيا، قُرب قيام الساعة، عندما تطلع الشمس من مغربها، فيرى الناس هذه الآية الكونية العظيمة، ويُوقنون بقُرب قيام القيامة؛ فإنهم يؤمنون جميعًا، ولكن لا ينفع الإيمان حينئذٍ، ولا تنفع التوبة حينئذٍ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا [الأنعام:158].

قال المُفسرون: إن المراد بذلك طلوع الشمس من مغربها؛ وذلك لأن الإيمان والتوبة حينئذٍ إنما هو إيمانٌ بالمُشاهد المحسوس، والمطلوب من الإنسان هو أن يؤمن بالغيب، وأما الإيمان بالمُشاهد المحسوس فهذا كلٌّ يؤمن به، بل يشترك معه فيه الحيوان.

معنى الإيمان بالغيب

عباد الله: هذا يُبين لنا أهمية الإيمان بالغيب بالنسبة للمسلم، والمراد بالغيب: كل ما غاب عنا علمه في الماضي والحاضر والمستقبل، وفي الزمان والمكان، والذات والصفات، والمحسوسات، وغير المحسوسات من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنة، والنار، والبعث بعد الموت، والقدر: خيره وشرِّه، وأشراط الساعة، وما صحَّتْ به الأخبار من الحوادث الماضية والمستقبلة، وأخبار الرسل وأُممها، وما يحصل في آخر الزمان من علامات الساعة وأشراطها، وغير ذلك مما دلَّت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله .

الربط بين حقائق الإيمان وإنجازات المادة

عباد الله: في المدنية المعاصرة تقدمٌ ماديٌّ هيَّأ للحياة وسائلها، وزيَّن ظاهرها، ولم يهدها إلى أهدافها، وفي الناس شعورٌ بأن العالم قد أنجز شوطًا في التقدم المادي، وقطع مراحل طويلةً في المُحاسَّات والمُشاهدات، ولئن كان هذا موضع تقديرٍ واحترامٍ لكنه لا يكفي.

هذا العصر يُدْعَى بعصر التقدم، وعصر السرعة، وعصر المدنية، وعلوم هذا العصر ومادياته قدَّمت للإنسان أدواتٍ كثيرةً، لكنها لم تُعْطِه قِيَمًا كبيرةً، ولم تمنحه أهدافًا ساميةً، فالأهداف السامية، والقيم المُحترمة، والغايات العُليا ليست من وظيفة علوم المادة، لكنها من وظيفة الدين وعلوم الدين.

مدنية اليوم تقوم على تعظيم المادة، وعلى حبِّ الدنيا، والاستكثار من اللذائذ، وتوجيه كل مُخْتَرَعٍ ومُكْتَشَفٍ إلى التَّسابق فيها، والتنافس عليها، وجمع حُطامها: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7].

إن الصِّلة بالله والإيمان بالغيب لا تكاد تُذكر في علومهم، أو يظهر لها حسابٌ في أمورهم، فالحياة عندهم إحساسٌ عارضٌ يمكث في كتلة اللحم والعظم بضع سنين، ثم يتلاشى إلى الأبد، لقد قال أسلافٌ ضالون: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24]، مدنيةٌ جافَّةٌ تُعْلِي شأن المادة، وتنشد اللذة في هذه الدنيا فحسب: إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا [الإنسان:27].

عباد الله: هذا يدعو للتأمل في هذا الركن الركين من أركان الإيمان، وهو: الإيمان بالغيب الذي يربط بين حقائق الإيمان وإنجازات المادة.

الإيمان بالغيب الذي هو من أخصِّ خصائص الدين، ومن أدقِّ عقائد المؤمنين، والذي جعله الله تعالى أول صفةٍ للمتقين في أول سورةٍ من القرآن بعد الفاتحة، عندما تفتح المصحف في سورة البقرة افتتحها الله تعالى بقوله: الم۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ۝ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:1-3]، فذكر الله تعالى أول صفةٍ من صفات هؤلاء المتقين: أنهم يؤمنون بالغيب: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة:3].

عباد الله: لقد منح الله بفضله وحكمته الإنسان عقلًا يعرف به ما غاب عنه بمُشاهدة ما هو حاضرٌ عنده، فيعرف الأشياء بحسِّها الظاهر، كما يُدركها بحسِّها الباطن.

قال بعض أهل العلم: “إياك أن تُنكر شيئًا من أمور الغيب وعجائب القيامة والآخرة بمُخالفته قياس ما في الدنيا، فإنك لو لم تكن قد شاهدتْ عجائب الدنيا، ثم عُرضتْ عليك قبل المُشاهدة؛ لكنت أشدَّ إنكارًا لها، وفي طبع الآدمي إنكار ما لم يأنس به”.

نعمة الإيمان بالغيب

عباد الله: الإيمان بالغيب رحمةٌ من الله، ونعمةٌ يهبها بفضله لمَن أخلص القلب، وتحرى الحقَّ، ورغب في الهدى: إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر:18]، إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس:11].

إنها نعمةٌ من الله تفيض على القلب، يمنحها الله تعالى لهذا الإنسان المسكين، الضعيف، المحدود الأجل، واسع الأمل، مَن حُرِمَ ذلك فالحياة عنده ناقصةٌ، والروح فيه مُظلمةٌ.

الإيمان بالغيب يُؤثر في الحياة تأثيرًا عظيمًا، يُورث في القلوب توجُّهًا وإقبالًا، ينقاد فيها إلى الاتباع، وتنقلب فيه الحياة إلى نورٍ واستقامةٍ، تتفتح فيها الآفاق، مع رحابة الصدور، وطمأنينة النفوس، وجلاء الحق، ورضًا يملأ الجوانح: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12].

بالإيمان بالغيب تسلم القلوب من أمراضها، وتوقى من الشُّحِّ والشحناء، والكذب والبهتان، والمكر والخيانة، والقسوة والفوضى.

الإيمان بالغيب من أعظم بواعث الورع، والتقوى، وحُسن التربية.

الصلاح والإصلاح ليس دافعه إلا الإيمان بالغيب، وخشية الرحمن بالغيب: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ [الحديد:25].

عباد الله: إن محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل الإنساني المحدود، ومن دون سند الوحي والبصيرة النافذة المُهتدية محاولةٌ فاشلةٌ، بل عابثةٌ؛ إنها فاشلةٌ لأنها تستخدم أداةً لم تُخْلَق لإدراك هذا المجال، وعابثةٌ لأنها تُبدد طاقات العقل التي لم تُخْلَق لهذا الميدان.

إن التمايز بين الناس ليس بإدراك المُشاهدات بالحسِّ، فهذا يستوي فيه المؤمن والكافر، ويستوي فيه الحصيف والبليد، ولكن الشأن كل الشأن إنما هو في الإيمان بالغيب الذي لم نَرَهُ ولم نُشاهده إذا قامت عليه الدلائل الصادقة من كتاب الله وسُنة رسول الله ، فذلكم هو الإيمان الذي يتميز به المؤمن عن الكافر؛ لأنه تصديقٌ لله مجردٌ، وتسليمٌ لرسوله تامٌّ، مع إذعانٍ ويقينٍ ورضًا بعد علمٍ واستدلالٍ.

علم الغيب من خصائص الله ​​​​​​​

عباد الله: والغيب كله -سواء ما كان منه في الماضي، أم في الحاضر، أم في المستقبل- لا يعلمه إلا الله ​​​​​​​، ومهما بلغتْ منزلة المخلوق وقوته، ومهما كانت عنده من الوسائل والأساليب والصناعات فإنه لا يستطيع معرفة الغيب.

إن علم الغيب من خصائص الربِّ ​​​​​​​، بل إن أفضل البشر وسيد المرسلين محمدًا -صاحب المقام المحمود المورود- لا يعلم الغيب، وقال الله له: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام:50]، وأمره بأن يقول: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188].

ولما وقعتْ قصة الإفك فإن النبي قد توقف في ذلك، وردَّ الأمر إلى الله ​​​​​​​؛ وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم الغيب.

تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “مَن زعم أن رسول الله يُخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على الله الفِرْيَة، والله تعالى يقول: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]”.

وإبراهيم عليه الصلاة والسلام خليل الرحمن، أفضل الأنبياء بعد محمدٍ عليهم الصلاة والسلام جميعًا، لما أتته الملائكة -ولم يعلم بأنهم ملائكةٌ- قام وذبح العجل، وقالوا: إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود:70]، فلم يعلم بهم، ولم يعلم بأنهم ملائكةٌ، فلم يكن يعلم الغيب، وهو أفضل الرسل بعد محمدٍ عليهم الصلاة والسلام.

يعقوب ابيضت عيناه من الحزن على يوسف -وهو في مصر- لا يدري ما خبر ابنه يوسف؟ حتى أظهر الله تعالى له خبر يوسف.

وسليمان سخَّر الله له الشياطين والريح، وما كان يدري عن أهل مأرب -قوم بلقيس- حتى جاء الهدهد وقال: أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل:22].

فهؤلاء الرسل -أفاضل البشر- ما كانوا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، وكشف لهم خبره.

والملائكة عليهم السلام مع قُربهم من الله وقيامهم بوظائفهم التي كُلِّفوا بها لا يعلمون الغيب أيضًا، ولما أخبرهم الله تعالى أنه جاعلٌ في الأرض خليفةً: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، فهم لا يعلمون الغيب أيضًا.

فالله تعالى هو المُختص بعلم الغيب: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، ويقف البشر أمام أسرار الغيب عاجزين، قاصرين، مهما بلغتْ علومهم الأرضية.

إن أعلم علماء بني آدم ليقف مكانه، لا يدري ماذا سيكون في اللحظة القريبة القادمة؟ ولا يدري هل يرتدُّ إليه نَفَسُه أم يذهب فلا يعود؟

فالإنسان لا يستطيع أن يعلم علم اللحظة القريبة المُستقبلة؛ ولهذا فمَن ادَّعى أنه يعلم علم الغيب فإنه كاذبٌ، فهذا مما اختصَّ الله تعالى به، فلا يمكن أن يعلم الغيب إلا الله ​​​​​​​، أو عن طريق الوحي؛ ولذلك حرَّم الله تعالى السحر والكهانة والعرافة، وما جرى مجراها مما فيه ادِّعاء علم الغيب بطرقٍ شيطانيةٍ كفريةٍ؛ لما في ذلك من مُنازعة الربِّ ​​​​​​​ في بعض خصائصه.

لا يمكن معرفة علم الغيب عن طريق البشر إلا بطريق الوحي، والوحي قد انقطع، وآخر الأنبياء والرسل هو محمدٌ ، فلا يمكن إذن لأحدٍ من البشر أن يعلم الغيب، لكن أخبر النبيُّ بأن الرؤيا جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة، فقد تُعبَّر بعض الرُّؤى فيكون تعبيرها على تفسير ما قد يقع في المستقبل -إن كان هذا التعبير صحيحًا-، ومع ذلك فإن الرؤيا حتى وإن كانت من أحذق مُعبِّرٍ غاية ما تُفيد الظنَّ، ولا تُفيد القطع واليقين.

ويوسف عليه الصلاة والسلام الذي أعطاه الله علم التعبير، ومع ذلك قال الله عنه: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42]، ظنَّ يوسف ، مع أن الله أعطاه علم التعبير، فكيف بغيره من المُعبِّرين؟

فالرؤيا جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة، ولكن مع ذلك غاية ما تُفيد الظن، ولا تُفيد القطع واليقين، فالغيب اختصَّ الله تعالى بعلمه: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، فمَن ادَّعى أنه يعلم أمور الغيب ويعلم ما في المستقبل فإنه كذَّابٌ أَشِر.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكل مُحدثةٍ بدعةٌ.

حال الذين لا يؤمنون بالغيب

عباد الله: مسكينٌ مَن كفر بالغيب، ولا يعرف من الموجود إلا المحسوس، ويظن أن لا شيء وراء المحسوس! إنه يضيق بذكر ما وراء المشهود، وقلما يجد الحقُّ إلى قلبه سبيلًا.

الذي لا يؤمن بالغيب يعيش في ضيقٍ وحرجٍ، لا أملَ له في جزاءٍ، ولا رجاء له في عدلٍ، ولا عِوض عما يلقاه في الحياة من مصائب.

إن في الدنيا من مواقف الابتلاء ما لا يقوى على مُواجهته إلا مَن كان في يقينه رجاء الآخرة، والركون إلى الغيب بالحقِّ؛ ثوابًا للمُحْسِن، وعقابًا للمُسيء، وابتغاء وجه الله ورضوانه، وإن الذي يُحرم من هذه النافذة المُضيئة النَّدية المُريحة ليعيش في عذابٍ، بل في ضلالٍ بعيدٍ: بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ [سبأ:8].

إن المؤمن بالغيب مُوقِنٌ بأن الأمر أكبر ميدانًا، وأوسع مدًى في الزمان وفي المكان، وأكبر من أن يُدركه وَعْيُه، أو تلمسه حواسه في عمره القصير المحدود.

بالإيمان بالغيب تُصان الطاقة الفكرية عن التَّبدد والتَّمزق والانشغال بما لم تُخْلَقْ له، بل بما لا تقدر عليه.

تفاوت الناس في الإيمان بالغيب

عباد الله: إن المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب ليتفاوتون في هذا الإيمان بالغيب تفاوتًا عظيمًا:

فمن الناس مَن يؤمن بالغيب، وبما أخبر الله تعالى به من أحوال الآخرة، والجنة والنار، والبعث والجزاء والنُّشور؛ لكأنما يرى ذلك رأي العين، بل من أولياء الله ​​​​​​​ ومن عباده المتقين مَن يؤمن بذلك أعظم مما لو رآه؛ وذلك لأن النظر قد يعتريه الوهن، فقد يرى الإنسان الشيء يظنه كذلك، ثم يتبين أنه مُتوهمٌ في النظر، يرى السَّراب يحسبه ماءً، فيتبين أنه سَرَابٌ، فالنظر قد يُدركه التَّوهم، وأما ما أخبر الله تعالى به، وما أخبر به رسوله ؛ فإنه حقيقةٌ مُطلقةٌ.

فهم يؤمنون بالغيب أعظم مما لو رأوه؛ ولذلك فإن هذا الإيمان القوي له أثرٌ كبيرٌ في سيرهم إلى الله ​​​​​​​، وفي تعبدهم، وفي طاعتهم لله ، وكلما كان المسلم أكثر وأقوى إيمانًا بالغيب كلما كان أقوى إيمانًا وأكثر تعبدًا لربه ​​​​​​​.

جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس بوجهه فقال: بينما رجلٌ يسوق بقرةً فَأَعْيَا إذ ركبها فضربها، فالتفتت إليه وقالت: إنَّا لم نُخْلَقْ لهذا، وبينما رجلٌ في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاةٍ، فطلبه حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا قد استنقذها مني اليوم، فمَن لها يوم السَّبُع؟ يوم لا راعي لها غيري أي: عندما تكثر الفتن، ويشتغل الناس بالفتن، فتصير الغنم هَمَلًا؛ فتَنْهَبها السباع، فقال الناس: سبحان الله! بقرةٌ تَكَلَّم؟! وذئبٌ يتكلم؟! فقال النبي : أنا أُومِن بهذا وأبو بكرٍ وعمر، وما هما بحاضران [1].

هذا هو موضع الشاهد من هذه القصة؛ فقد ذكر النبي أمورًا ستقع، وأن بقرةً ستتكلم، وأن ذئبًا سيتكلم، فتعجب الناس، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا أُومن بهذا، ثم ذكر رجلين من الصحابة عندهما إيمانٌ عظيمٌ بالغيب، ولم يكونا موجودين في المجلس، وهما: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، قال: أنا أُومن بهذا وأبو بكرٍ وعمر؛ وذلك لأن أبا بكرٍ وعمر عندهما من قوة اليقين وقوة الإيمان بالغيب ما ليس عند غيرهما من الصحابة؛ ولهذا كانا أفضل الصحابة رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.

فانظر إلى هذه المرتبة العليا، وهذه المنزلة الرفيعة، وكيف أن النبي زكَّى بها أبا بكرٍ وعمر؟ وقال وهما غير موجودين في المجلس: إنهما يؤمنان بما ذكرتُ، مع كونه مُستغربًا؛ وذلك لأن ما قاله الله وقاله رسوله حقٌّ، فالمسلم يؤمن بالغيب حتى وإن كان ما ذُكِرَ له مُستغربًا، وإن كان ما ذُكِرَ له يستبعده بعقله، لكن الله ​​​​​​​ على كل شيءٍ قديرٌ، فهو مؤمنٌ بأن الله على كل شيءٍ قديرٌ، فإذا أخبر الله عن شيءٍ، وأخبر رسوله عن شيءٍ، فالمؤمن يؤمن به، ويُسلم بذلك، وهذه من أعظم ثمار الإيمان بالغيب.

ألا فاتَّقوا الله عباد الله، وليحرص المسلم على تقوية الإيمان بالغيب، فإن له أثرًا كبيرًا في رفع مستوى الإيمان عنده، وفي مستوى تعبده وخشيته لربه ​​​​​​​.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك، فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا ربَّ العالمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذلَّ الكفر والكافرين، اللهم انصر مَن نصر دين الإسلام في كل مكانٍ، واخذل مَن خذل دين الإسلام في كل مكانٍ، يا حيُّ، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أَبْرِمْ لأمة الإسلام أمرًا رَشَدًا يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُهدى فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، وتُرفع فيه أعلام السنة، وتُقمع فيه البدعة، يا حيُّ، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وَفِّق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمةً لرعاياهم.

اللهم وَفِّق إمامنا وولي أمرنا لما تُحب وترضى، وخُذْ بناصيته للبرِّ والتقوى، وقَرِّبْ منه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الحق وتُعينه عليه، يا حيُّ، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

نسألك اللهم من الخير كله: عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله: عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ۝ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ۝ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 3471، ومسلم: 2388.

مواد ذات صلة